عِنْدَمَا تَصْمُتُ الجَزِيرَةُ

تقديم

نُشِرت هذه المقالة مع تنظيم اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في قطر مؤتمراً دولياً لحماية الصحفيين في المناطق الخطرة، وذلك يومي الأحد والاثنين 22، 23/ 1/ 2012. وحيث إنّ المؤتمر المذكور عُقِد بالتعاون مع شبكة الجزيرة، فلعلَّ من المفيد أنْ يبلغونا بما قامت به الشبكة لمحاسبة المتسبِّبين في مقتل الشهيد علي حسن الجابر، شيخ المصوّرين القطريين رحمه الله، مِمَّن هم داخل الشبكة، سواء من استقال منهم ومن لا يزال على قيد وظيفته، خاصّة أنّه قد مرّ على استشهاده نحو عام.
وهذه حجّتنا في الذي نزعم.

عِنْدَمَا تَصْمُتُ الجَزِيرَةُ

 

إذا كان الإمام الثوريّ قال إنّ “أوّل العِلمِ الصّمْتُ”، فإنّ كلامه لا ينطبق على صمت الجزيرة طيلة الأشهر الماضية.

والأمر يحتاج إلى بيان.

*       *        *

أما الصّمت الذي أطبق على إدارة الشبكة فكان بخصوص أسباب استشهاد شيخ المصوّرين القطريين علي حسن الجابر رحمه الله في ليبيا، والذي ما عاد خافٍ على كل ذي سمع.

وأما السبب فمدعاته أننا وجّهنا ثلاثة أسئلة بدت إجاباتها مهمة حتى نتأكد من أنه لم يُقتل بسبب إهمالها في حمايته وتعمّدها إرساله إلى حيث يجد مَصرَعَه.

ذلك أن أسوأ ما يمكن أن يتمّ مع الشبكة واسعة الانتشار أن تصدق معها المقولة التي قيلت تدليساً في سيدنا عمّار بن ياسر بعد استشهاده، وهي “قتلَ عمّارَ من جاءَ بهِ إلى هُنا”!

*       *        *

الأسئلة التي طرحناها سابقاً هي التالية:

الأول: ما نوعية تدريب موفدي الشبكة بخصوص تغطية المناطق المشتعلة؟

الثاني: ما مدى حرص الجزيرة على سلامة موظفيها في مقابل حرصها على الأخبار التي ينقلونها إلى القناة؟

أما الثالث فهو: ماذا وفّرت الشبكة من حماية لطاقم العمل الذي كان الشهيد رحمه الله أحدَ أفراده؟

وحيث انقضت مُدّة الحِداد على الفقيد وأوشك عامٌ كامل أن يمرّ على ذكرى استشهاده دونما أيّة إجابة، فسنُضطر لتحرّي إجابات خاصة بنا. ذلك أن تجربة العمل في الجزيرة لما يربو على اثني عشر عاماً علمتني الكثير مما يدور في كواليس القناة منذ أن كانت تحبو وإلى حين استقالتي منها بعيد استشهاد الأخ الحبيب في 11/ آذار، مارس 2011.

*       *        *

الإجابة على السؤال الأول أن الشهيد رحمه الله لم يتلق أيّ نوعٍ من التدريب، لا عملياً ولا نظرياً. فأنا أعرف يقينا أنّ أحداً من مراسلي الجزيرة العربية (الأمّ) لم يتلق أيّ تدريب، عمليٍّ على وجه الخصوص، متعلقٍ بالبيئات العدائية.

وهذا الأمر ليس حصراً على مراسلي الشبكة في ليبيا، بل ينطبق على كلّ صحفيّ راسلَ القناة منذ أطلِقتْ أولُ رصاصة نقلتها الجزيرة منذ ميلادها.

ولكم أن تسألوا مراسلين من أمثال تيسير علوني وعبدالحق صداح ومحمد خير البوريني، وجميعُهم شاركوا في تغطية الحروب الأولى التي وضعت الجزيرة على خارطة القنوات العالمية. فكانت أوّلاً عملية ثعلب الصحراء في العراق (1998)، ومن بعدها غزو أفغانستان (2001)، تلاه غزو العراق (2003). بل بالإمكان الرجوع إلى مدير الشبكة السابق نفسه، والذي شارك في تغطية الحرب على العراق، وهو بالتالي عارف بما يخفى على غيره.

*       *        *

أما جواب السؤال الثاني فهو أن حرص إدارات الجزيرة المتعاقبة على الأخبار يفوق – وبمراحل – حرصها على سلامة طواقمها على الأرض.

مَرَدُّ ذلك أنها رابحة في الحالين: فهي تكسب قصب السبق في حال نالت تغطية مميزة أو خبراً عاجلاً من جهة؛ وهي من جهة أخرى تزيد مصداقيّتها – وبالتالي شهرتها – إذا تعرض أحد أفرادها للأذى أو لا قدّر الله للموت.

وأحسب تجربتي الشخصيّة في جنوب أفريقيا، والتي عملت أثناءها تحت لواء مدير الشبكة السابق، كافية لأؤكد أنّ أحداً لم يُكلف خاطره بالاطمئنان على حالتي، ناهيك عن أن يتولى دفع تكاليف المستشفى الذي تطبّبت فيه. بل الأنكى، أنّ من اتصل بي في اليوم التالي وجد الأمر مدعاة للسخرية لكوني لم أحتمل رشاش المياه. وبالمناسبة، غرض اتصال ذلك الشخص كان استبانة طبيعة التقرير الذي أنوي إرساله في ذلك اليوم، فحسب!

*       *        *

المضحك المبكي هو جواب ثالث الأسئلة حول ما وفّرته الشبكة من حماية لطاقم العمل. ذلك أنّ أحداً من أفراد الطاقم الذي شمل الشهيد رحمه الله لم يكن لديه شيء من وسائل الحماية، وهو أمرٌ بقي مستمرّاً لأيام بعد استشهاده. ونُذكّر في هذا السياق أنّ الرصاصات أصابته من ظهره واخترقت صَدرَه، بمعنى أنّ السترة الواقية لربما منعت ذلك، أو قللت تأثيره على الأقل. وإن كنت أؤكد أنني لست بصدد الاعتراض على حدث الشهادة التي هي قدَرُ الله سبحانه، وإنما على الطريق التي أوصلته إليها.

وما تعلل به كبراء الشبكة هو أنّ السلطات المصرية منعت دخول المعدات الخاصة بالحماية بينما سمحت بدخول معدات التصوير مع الطاقم الذي عبر الحدود.

بيد أنّ مسؤولي الجزيرة لم يذكروا سبب بدء الطاقم في التغطية قبل اكتمال معداته. فمعدات الحماية تعادل في أهميتها معدات التصوير، إن لم تزد عنها. ومثلما أنه من غير المعقول أن يحارب الجندي دون كامل عتاده، فكذلك لا ينبغي للإعلامي أن يبدأ مهمته دون كامل معداته.

وما سمعناه مراراً من مدير الشبكة السابق أن القذافي أكدّ أنه سيستهدف كلّ من يدخل ليبيا دون تصريح، وعليه، فإنّ تشديد الحماية لهم مع معرفة تلك النية المُبيّتة يبدو طبيعياً، كما تغدو مباشرتهم العمل مع انعدام الحماية ضرباً من المقامرة. ولو فرضنا أن بدء العمل كان رغبة شخصيّة من الطاقم، فالواجب على الإدارة منعهم لأن النتيجة قد تكون وخيمة.

ناهيك عن أنني علمت أن مدير الشبكة السابق كان له – وربما ما يزال – حارسٌ شخصيّ (غير رسميّ!) يُجيدُ عدداً من الفنون القتالية يرافقه في المناسبات العامة. وإذا كان هذا حرص المدير على نفسه وهو في قطر، فعلام يقبل لطواقمه أن يكونوا عُزّلاً من الحراسة في خِضَمِّ الحرب.

وما يثير الاشمئزاز في مقابل ذلك الأسلوب في التعاطي مع إعلاميّي القناة العربية، هو معرفتنا بأن مسؤولي الجزيرة الإنجليزية (الأجانب) وفروا لطواقمهم كافة أسباب السلامة. ففضلاً عن الدورات التدريبية الخارجية، إضافة إلى المعدات الضرورية لكل فردٍ منهم، ناهيك عن تأكيدهم أن سلامة الطاقم تأتي أولاً، فإنهم تعاقدوا مع شركات أمنية متخصصة لحماية الشخصيّات لمرافقة طواقمهم. وهذه العملية ليست ترفاً شكليّاً، إنما حرصٌ واضحٌ على سلامة الإعلاميين. وأولئك الحرس هم أصحاب الكلمة الفصل في توقيت الحركة وقرار الانسحاب أو الخروج من البلاد، إذا تعرضت سلامة العاملين للخطر.

وحيث يُفترض أن اسم الشبكة هو “الجزيرة” وليس “الأرخبيل”، فإنّ من غير المقبول أن تكون معاملة البعض فيها كالسادة فيما الآخرون يعاملون كالعبيد. وهو الأمر الذي لا نجد سبباً له سوى تقدير الغربيّ، في مقابل ابتذال العربيّ والمسلم!

*       *        *

السؤال الآن: ما المطلوب؟

في تقديري أننا بحاجة لاستعادة ثقتنا في الجزيرة باعتبارها نصيراً للشعوب، لا شبيها للأنظمة.

وحتى يتحقّق هذا، فأزعم أن قيمة رفيعة ينبغي أن تكون حجرَ الزاوية في الشبكة جمعاء. تلكم هي قيمة الإحساس بالمسؤولية!

وما سيؤكد وجود هذه القيمة لدى إدارة الشبكة ليس الخُطب الرنّانة التي ما فتئ مدير الشبكة السابق يَنبَري لها، إذ إنّ تحقق القيمة يتمّ بتحوّلِهِ إلى سلوكٍ عملي.

ولهذا فإنّ ما نتوقّعه من الإدارة الجديدة للشبكة هو مباشرة عملية محاسبة حقيقية يتمّ خلالها التحقيق مع المسؤولين في الشبكة (القناة العربية خصوصاً) للتعرف على المسؤولين عن مقتل أخينا الشهيد، رحمه الله، قبل أن تحلّ ذكرى رحيله الأولى.

هذا التحقيق ينبغي أن يبدأ داخلياً، وإن كان ينبغي أن يتحول إلى تحقيق جنائيٍّ لاحقاً. ذلك أن الإهمال المؤدي إلى القتل، والذي أحسبه سبب استشهاد الجابر، هو ما أثق أنّ أيّ هيئة تحقيق مستقلة ستبلغه في استجوابها للمسؤولين، من أقيل منهم ومن ينتظر.

هذه المهمة ينبغي أن تكون أولى توجيهات الشيخ أحمد بن جاسم آل ثاني، مدير الشبكة الجديد. فمن المُعيب في حقِّه أن يبدأ عمله دون ملاحقة المسؤولين عن الدماء التي لطخت الكرسيّ الذي يجلس عليه الساعة!

وحيث كنتُ أحد أقرب المقربين للمدير العام السابق للشبكة عند توليه ذلك المنصب، فإنّي أذكر تماماً ما قاله في الاجتماع الأول الذي جمعه بالموظفين بضرورة العمل على التغيير والحرص على مصالحهم في نفس الوقت، خاتماً كلامه بلهجته “بلكي ظبطت”! وما أحسبه يبدو للجميع الآن أنها كما نراها جلية “ما ظبطت”!

فرغم مرور ثمانية أعوام طوال، وحادثتي استشهاد، فإنهُ عَجزَ عن توفير أهمِّ ما يُفترض توفيره لموفدي الجزيرة، ألا وهو تأهيلهم لمواجهة الخطر المحدق بهم على الدوام. ولسنا بحاجة للتأكيد بأنّ عمل الشبكة يعتمد في قطاع وافرٍ على تغطية المصائب، وهو ما يجعل العاملين شركاء في تلك المصائب، شاؤوا ذلك أم أبَوه!

ولقد آن لمن أساء أن يُحاسب، وإلا فإنّه سيفعلُ فِعلَ من أمِنَ العقوبة بعدما تسبب في مقتل الجابر، رحمه الله!

4 thoughts on “عِنْدَمَا تَصْمُتُ الجَزِيرَةُ

  1. رحمه الله الشهيد علي حسن الجابر بواسع رحمته واسكنه فسيح جناته

    والمقالة مقنعه وقويه وهنا نحتاج الى وقفه لسماع الموظفين بالقناة وان تعمل القناة على حماية موظفيها فهم أساس القناة وبهم تقف القناة على أقدامها

  2. مقالة قوية و أسئلة مشروعة و جهد مبارك بإذن الله// و ربما تضيف درعا لحماية العاملين بالجزيرة بدلا من تمرات و شعارات لحماية الصحفيين دون تحقيقها على أرض الواقع، التي كأنها تضاف لكوكبة الدعايات للقناة و لجنة حقوق الإنسان

شاركنا رأيك | Share Your Views ↓

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s