قَبلَ أنْ أَخُونَ وَطَنِيْ

هذه كلماتٌ أمْلَتْها عَليّ تجربةٌ شَخصيّةٌ، بيد أنّها تصف ما يعايشه المواطنُ على هذه الأرض التي يحبّها كثيراً.

وما بين سطورها من الألم المُمِضّ والغضبِ الدّفين أعمقُ بكثير مما يطفو على سطحها.

ولقد وجدته واجباً عليّ نقلها للقارئ الكريم، لأمرين اثنين:

الأوّل أنّه بغضّ النظر عن الاختلافات في طبيعة تجربة كلّ مواطن، فإن ما ورد فيها من مشاعر يعبّر تماماً عما يختلج في نفوس الكثيرين من أبناء هذا الوطن، الذي يرون أنفسهم يعيشون على هامشه، فيما يتنعّم غيرهم بنعيمه وثرواته وما كانت لهم عليه يدٌ بيضاء.

أما الثاني فلعلة أمنية مِنّي أن تجد هذه الكلمات أذناً صاغية لدى مسؤولي هذه البلاد التي تعبت ممن يصمّون آذانهم عن سماع الحق، لا لشيءٍ سوى أنه جاءهم من مواطنٍ بَنى القهرُ بين جوانِحه حواجزَ ممتدّة تمنع نبضات قلبه من الوصول إلى أولئك النَّفر من أصحاب القرار.

لن أطيل عليكم، ففي الكلمات التالية الكفاية، وإن كانت غيضاً مما تفيض به النفوس…

*       *        *

لعله لا يخفى على أحد أنّ واحدة من أبشع الجرائم التي تـُرتكب في حقّ الوطن هي انتزاع الشعور بالمواطنة من نفوس أبنائه. وإذا كان ذلك خافياً على أذهان العامة، فهو ظاهر في خَلجَاتِ نفوسِهم وخَطرات شكاويهم.

تلك الجريمة تُمارس في كلّ جهة وحين، جهلاً أو قصداً، عندما يُدفع المواطنُ دفعاً للإحساس بأنّ الأرضَ التي تربّى عليها وأكَلَ من خيراتها ليست ملكاً له مثلما هي للآخرين، وأنها تحابيْ غيرَهُ دونَه، وتعطي سواه ما تُنكِرُه عليه. فإذا به يرى المواطنة مسألة نسبيّة، تُدارُ بحساباتِ المصالح الشخصيّة ووشائج القربى، والمثل الشعبيّ “إذا حَبّتِكْ عِينيْ، ما ضَامِك الدّهَرْ”! ولمن يجهل اللهجة القطرية، فإنّ معنى المثل أنّك إذا رضِيَتْ نفسي عنك، فلا ضير يُخشى عليك من غدر الزمان، فإنّي لك حصنٌ حصينٌ من نوائبه.

ولقد تمرّ على المواطن السّنون وهو يسعى لخدمة بلده بما فتح الله عليه من قدراتٍ ومواهبَ وإمكاناتٍ، فلا يكاد يجد فرصة عمل يستطيع خلالها إفادة بلاده في مجالٍ يجيده ويستمتعُ به.

فالمواطن يدخل سوق العمل وفي ذهنه تصوّرات تُقال في الدورات التدريبيّة والاستشارات المهنيّة حول التخصص الذي ينخرط فيه ومن ثم كيفية اختياره الوظيفة التي يريد وما يتوجّب عليه فعله في مقابلات العمل وكيفيّة بناء سيرته المهنيّة، وما عدا ذلك من أمور تقوّي من بأسه في المنافسة على الوظيفة المطلوبة.

ورغم ذاك، فإنه مهما تشنّفَ سمعُه بالمديح الزائد عن كفاءته وسيرته وضرورة الاستفادة منه، ناهيك عما يسمع من وعودٍ براقة وإغراءاتٍ جَذابة تجاه الوظيفة، فإنّ المطاف غالباً ما ينتهي به عند الانتظار لذلك الوعد الذي لن يتحقق.

ومع تكرار التجربة المَرّة تلو الأخرى، فإنّه يكتشف أنّ كلّ ما قيل له عن حاجته للعلم والكفاءة والتجربة والخبرة الطويلة، لا يعدو كونه أسطورة ليس لها موطئ قدمٍ على أرض الواقع.

ذلك أنّ تلك المؤهلات تعدّ ثانوية، وربما غير ضروريّة، أمام أمور أخرى أكثر أهمية لدى صاحب القرار.

فمن تلك الأمور اللازمة ضمن مؤهلاته أن تكون ثمّةَ قرابة ما تجمع طالب الوظيفة بمن يعطيها. فالمسؤول يرى المؤسسة التي يتولّاها أشبه ما تكون بعزبة أو مزرعة خاصة يُربّي فيها من البهائم ما يشتهيه، ويمنع عنها من يأنف عن رؤيته.

وإذا لم تكن ثمة قرابة، فلا أقلَّ من أن تكون ثمّة وساطة قويّة، أو على الأقل ذات فائدة، تقدّم هذا الشخص وتتخيّره بين أقرانه لشغل هذه الوظيفة أو تلك مهما صغُرت. لأنّ المسؤول يعلم أنه إذا حكّ ظهرَ أحدِهم اليوم، شريطة أن يكون ذا فائدة مرجوة، فلا شكّ أنّه سيجد من بينهم من يحكّ ظهره يوماً ما. وصدق المثل المصريّ “يا بَخْتِ مِنْ نَفّعْ، واسْتَنْفَعْ”!

كما أنّ من الضرورة بمكان، سواء وُجدت صلة قربى أو لا، أن تكون قيمة الولاء لصاحب الأمر في المؤسسة هي الأساس في منظومة قِيَم طالب الوظيفة. فمع انعدام الولاء المطلق لما يريده المسؤول فإنّ أيّ وشيجة قربى لن تجدي، وبالتالي فإنّ حصول مواطن يمكِنُ أن يُتوقع منه قول “لا” ذات يوم يُعَدّ أمراً غير واردٍ البتة.

والنتيجة الأكيدة التي تتبدّى للأكفاء من أبناء هذا الوطن، والذين يعدمون تلك الشروط الخاصة، هو غرقهم في دَوّامة التّشكّك في الذات والقلق من المستقبل والحقد على أخلاقيات عملٍ لا تزيد هذا الوطن إلا عَمَىً ووًقراً.

وهم، إذ يُنفَون إلى جُزُر الشكّ والمعاناة، فهم يجهلون أنّ ما يُفترض أنْ يكون سبباً لتوظيفهم هو تحديداً ما يدفع المسؤولين إلى رفضهم.

فكفاءتهم ومهاراتهم خطر بالغ بالنسبة للمسؤولين الذين جاؤوا إلى سُدّة المنصب على ظهر “دبّابة” الواسطة، وأسَّسوا فيه سلطتهم المطلقة. فالأكْفاء، بحكم مؤهلاتهم، يرفضون أنْ يروا الخطأ ويسكتوا عنه، ويأبَون أنْ يبصروا الهَدْرَ الحاصل في المال العام ويغضّوا عنه الطّرف، ناهيك عمّا يمكنهم فعله حينما يشهدون الفساد الحاصل في المؤسسة، سواء بعلمٍ أو بغير علم، من العاملين فيها من أُسِّهِم إلى رأسهم.

والمسؤولون بالتالي في غِنى عن ذلك الصّداع المُزمن الذي يتسبَّبُ فيه هؤلاء الذين “يعتقدون أنهم وطنيّون أكثر من سواهم” بسبب الحرص الذي “يزعمونه لأنفسهم” على موارد البلد.

*       *        *

إنّ أكثر ما يسوء المواطن الصالح في بلداننا أنْ تجده وأمثاله يطلبون العونَ من أصحاب القرار حتى يُسدّدوا بعضاً من الدَّيْن الذي تنوء به كواهلهم لهذه الأوطان، فلا يجدون منهم إلا التّجاهل والنّكران.

فذلك الوضع، لعمري، هو بعينه الحَوبة التي تُرتكب في حقّ وَطنٍ يحتاج إلى كلّ يدِ عَونٍ من سواعد أبنائه، خاصّة في وقتنا هذا. لأنَّهم إذا انتُزع مِنْهم شعورُهم بالمواطنة، فأيّ خيرٍ يُرتجى منهم نحو أهليهم وأوطانهم؟!

ويا لها من جريمة تلك التي يخترق نصلُها فؤادَ الوطن، باسم الوطن، ناهيك عن كونها خطيئة كبرى تـُرتكبُ في حقّ بنيه. وإنّ تلك الجريمة البشعة هي التي أخشى أنْ تدفع المواطنَ الشّريفَ العفيفَ إلى خيانةِ وطنه ذاتَ يومٍ، وحسبُه منها نصيباً ألّا يعودَ مواطناً صالحاً لوطنه الذي أعطاه ساعة الزّرع، ثم أبى عليه يوم الحصاد.

خلاصة الكلام: أما آن لهذا الوطن أنْ ينتفع بما استثمرَ فيه كثيراً من طاقة المخلصين من أبنائه؟!

اللهُمّ إنّي قد بلّغتُ… اللهُمَّ فاشهَدْ.

3 thoughts on “قَبلَ أنْ أَخُونَ وَطَنِيْ

  1. السلام عليكم

    اخي الكريم، هي الادارة العربية ستجدها اينما ذهبت في اصقاع وطنا الكبير، للاسف

    وفي نظري هذا تحدي، اذا لم تجد من يصنع الحدث معك، اصنعه انت

    وهذا مدعاة الى النظر في الجيل القادم، ماذا عسانا نفعل ليحيى بعيدا عن هذه الامراض
    هذا ان لم نستطع كذلك الى ايجاد حراك ثقافي اجتماعي توعوي في نفوس من تبقى

    تحياتي

  2. كلام جيد يا خالد

    يا ليت ضربت أمثلة من الواقع تكون المقالة أقرب إلى عقل القارئ
    خاصة المناصب القيادية التي فقط الجينات المتقوقة اجتماعياً فقط توصلك إليها

شاركنا رأيك | Share Your Views ↓

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.