مَوَاسِمُ الأعْيادِ.. بَينَ الذَّاتِ والآخَرِ

تقديم

هذه المقالة من جملة المقلات التي اختفت من موقع صحيفة العرب القطرية حيث كنت أداوم النشر، وذلك بعد تطوير موقع الصحيفة الإكتروني عدَة مرات. وها أنا أعيد نشرها للراغبين في الاطلاع على موضوعها.

مَوَاسِمُ الأعْيادِ..

بَينَ الذَّاتِ والآخَر

 

يصعُب على المتابع تجاهل تزايد صرخات الاستهجان في الوسط المسلم كلّما شارفنا موسماً من مواسم الأعياد، مثل الاحتفالات بأعياد الميلاد (Christmas) أو رأس السنة الميلادية وغيرها. ورغم تزايد أصوات المُندّدين بمشاركة المسلمين أعياد غيرهم فإنّ الواضح هو تزايد المشاركة فيها سواء من الأفراد أو المؤسسات التجارية والفنادق.

الرافضون لتلك المشاركة، التي تزّايد عاماً بعد آخر، يرجعون سبب الرفض للحُرمة الشرعيّة في مشاركة المسلمين غيرهم في أعيادهم، لأنها مشابهة لتأييدهم في عقائدهم.

لست بحاجة للتأكيد على أنني لست فقيها أو مفتياً شرعيّاً حتى أتجنب الخوض في المسألة من هذا الباب.

ولكنني في المقابل، أزعم أنّ ثمّة سبباً آخر نحتاج للتفكّر فيه، قد يعيدنا إلى الوعي ويُبصِّرنا بما ينبغي فعله في مناسبات كتلك. ولتوضيح ما أعنيه، أرجو منكم الصّبر على القصة التالية.

*       *        *

قبل بضعة أعوام، دُعيت إلى حفل استقبال في منزل السفير الأمريكيّ في الدوحة، وذلك احتفاء من السفير – الجديد آنذاك – بمجموعة القطريّين الذين شاركوا في برنامج الزائر الدولي للولايات المتحدة خلال الأعوام الفائتة. ذلك البرنامج يتبع الخارجية الأمريكيّة التي تروّج للثقافة الأمريكيّة من خلال دعوة مختلف الشرائح الثقافيّة في أنحاء العالم للاطلاع على بعض النماذج الحياتيّة في المجتمع الأمريكيّ مثل دور الأديان في الشراكة المجتمعيّة هناك (وهو البرنامج الذي شاركت فيه عام 1998).

حرصت على الحضور بعد مقاطعتي فعاليات السفارة الأمريكيّة منذ شنَّت واشنطن حربها على أفغانستان عام 2001. وكنت أرغب، فضلاً عن التعرف على السفير الجديد، في أن أتلمس طبيعة السياسة الأمريكيّة الخارجية الجديدة، بعدما تمّ انتخاب الرئيس السابق باراك أوباما حينها.

وقبيل رغبتي في الانصراف، سمعت أحد الإعلاميّين البارزين يقول للسفير إنّه يعتذر مجدداً عن المواد الناقدة للولايات المتحدة التي تُنشر له في الصحف القطرية. السفير البالغ التهذيب والدبلوماسيّة شكره في المقابل على تلبيته الدعوة دون أن يعتب عليه شيئاً. بيد أنّ الإعلاميّ المعروف لم يكفّ عن الاعتذار مجدداً (أي للمرة الثالثة) عن طبيعة أعماله التي عزا سبب نشرها لرغبات الجمهور العربيّ.

لم أصدق ما سمعت، خاصة أن أبرز ما مَيَّز السفير هو حديثه إلى الجميع بلغة عربيّة فصيحة حرص على تعلمها أثناء عمله في عدة دول عربيّة على مدى سنوات. بمعنى أنه كان حريصاً على الاقتراب منا أكثر من ذلك المثقف المعتذر. وكان واضحاً من خلال حديثي الشخصيّ مع سعادته أنّ الدبلوماسيّة رفيعة المستوى قد بدأت عودتها بعد انحسارها إبان ولايتي الرئيس الأمريكيّ الأسبق جورج بوش الابن.

*       *        *

لست واثقاً لطبيعة مُراد ذلك المثقف القطريّ من اعتذاره لسفير لم يعتب عليه أصلاً، بل ويُقدِّر أنّ الاختلاف بين الأشخاص، ناهيك عن الشعوب، ركنٌ لازمٌ من أركان الحياة البشريّة.

لكنّني أثق أنّ الأزمة الداخلية التي يعيشها المواطن العربيّ تكمن في احتقاره لذاته الحضاريّة، وربّما الشخصيّة أحياناً، كلما وقف أمام ما يُمثِّله الغرب المتقدم عليه. وهذا التفوق الغربيّ، وإن كان لا يشمل جميع المجالات الحياتية، جاء على حساب التقدير الذاتيّ الواجب علينا في حقِّ أنفسنا.

تلك القصة ليست سوى مثال واحد من عديد الأمثلة التي نشهدها على كافة مستويات العلاقة مع الآخر، والغربيّ تحديداً. وما تسْمِيَةُ (عقدة الخواجة) التي تشير إلى انتقاص العربيّ نفسه أمام الأجنبي، إلا نتيجة حتمية لذلك الشعور المُكوِّن لرؤيتنا لذواتنا في علاقتنا مع الآخر.

إذن، المعضلة ليست مسألة (دِين) إنما هي مسألة (دُون). فالشعور بالدونيّة والنقص يعني بالضرورة العمل على التشبه بالنموذج الأعلى والأكمل. وهو في هذه الحالة، الغربيّ المنتصر منذ بضعة قرون (عسكرياً وتكنولوجياً على الأقل). مسألة نبَّهنا لها ابن خلدون في مقدمته، عندما أوضحَ أن المغلوبَ مولعٌ دائماً بالتشبه بالمنتصر في شعاره وزيِّه ونِحلته وسائر أحواله وعوائده، التي تشمل أعياده أيضاً.

*       *        *

الآن نسال: كيف نتصرف إزاء هذا الوضع؟

أزعم أن أوّل ما نحتاجه للتعاطي مع الأمر هو استعادة انتمائها لذاتنا الحضاريّة، وإحياء ثقتنا بأنفسنا سواء على المستوى الشخصيّ أو الثقافيّ. لأن تلك العقدة الحضاريّة ستكون أكبر عائق يحول بيننا وبين بلوغ أي تغيير نريده على مستوى سلوكيات المجتمع المغلوب حالياً.

وحالما استعدنا شيئاً من ذلك الاعتزاز بالنفس، الذي له مِمّا يؤيده الكثير من تاريخنا وديننا، فسيكون بالإمكان التعامل مع الآخر، أياً كان، بندية وتساوي. إذ ليس المقصود من استعادة الثقة في الذات أن تكون على حساب احتقار الآخرين مهما كانت انتماءاتهم العرقية أو الدينيّة أو الثقافيّة. وقد وضع القرآن الكريم لنا قاعدة لسبب وجود تلك العلاقات بين الشعوب والقبائل أنها {لِتـَعَارَفوا}، مع التأكيد على أنّ ميزان الأفضلية المعنيّ بالتقوى هو ميزان ربانيٌّ خاصّ، لا يمكن للبشر الحكم فيه لأنّه مختصّ بالضمائر وخلائج النفوس.

ومن هنا، نحتاج إلى التذكير أّن الاحترام أمرٌ ينبغي على الأمم والأفراد اكتسابه، لأنّه لا يأتي من باب الاستجداء. واكتسابه يبدأ باحترام أبناء الأمة لأنفسهم وثقافة حضارتهم ودينهم وقيمهم العليا.

لأنّنا إذا عَدِمنا كلّ ذلك، فلا يمكن أن نتوقّع توقّف احتفالات المغلوب بأعياد الغالب، وغيرها من عاداته وعوائده.


By Rabab Maher

2018WCBLogo-RababMaher

شاركنا رأيك | Share Your Views ↓

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.