اغتِيالُ البَنَفْسَج

تقديم

مع حلول الثاني والعشرين من شباط/ فبراير تعاودنا ذكرى الشهادة بإعلان كلمة الحقّ، وهي تتجسّد في صورة الراحلة أطوار بهجت، رحمها الله [07.06.1976–22.02.2006]، الإعلاميّة التي وقعت شهادة حبّها للوطن بالدم.
هذه مقالة سبق وأن نُشرت مع حلول ذكرى اغتيالها الخامسة، أعاود إفشاءها كلّما عاودني أريجُ البنفسج، وفاء لذكرى عطرة تتأبّى على النسيان.

اغتِيالُ البَنَفْسَج..

فيْ ذِكرى رَحيلِ أطْوار بَهْجَت

 

لم يدُرْ بخلدي قط أن ما سألقاه في بغداد بعد نهاية الحرب سيكون أبعد من أيّ إشكالٍ سياسيٍّ أو غزوٍ عسكريٍّ وأصعب من أيِّ تجربة شخصية خضتها في حياتي.

ذلك أن التحدي الأكبر الذي لقيته في بغداد حينها وفي الدوحة بعدها، وربما لندن لاحقاً، كان صحفية عراقية شابة تنضح حماسة وثورة وانتماء للوطن. وكان مكتوباً لي أن تربطني بها علاقة خاصة منذ ساعة وصولي إلى مكتب الجزيرة في بغداد يوم الخميس 26/ حزيران، يونيو/ 2003.

تلكم هي الراحلة، عليها رحمة الله: أطوار بهجت السّامرّائيّ.

*       *        *

أولُ خِلافٍ دَبَّ بيننا، كان اسمُها!

فلقد كانت خرجت لتوّها من دورة تدريبية للمراسل الصحفي، وكان من بين مدربيها بعض كبار مراسلي الجزيرة مثل الزميلين تيسير علوني وعبدالحق صداح. ولذلك طلبتُ منها ساعة وصولي أن تصوّر لي خاتمة تقرير افتراضيٍّ لنتخذه نقطة انطلاق للعمل.

كانت أول ملاحظاتي عليها إيقاعُها البطيء في القراءة. وعلاوة على حاجتها لتسريعه، فإنّ اختصار اسمها بدا ضرورة ماسّة، لتستعيض عن (أطوار بهجت السامرائي) بـ(أطوار السامرائي) أو (أطوار بهجت) مع تفضيلي للخيار الثاني.

هاجَت، رحمها الله، وماجَت على هذا القرار الذي بدا لها تعسفياً. فمن أنا حتى أملك حَقَّ تغيير اسمها لها؟ وكيف يفرض عليها هذا الغريب أن تختار بين اسم عائلتها الذي عُرفت به، واسم أبيها رحمها الله الذي كانت تربطها بها علاقة خاصة؟

وحيث كنت أتوقع هذه الثورة، فقد حشدت لها عدداً من أقطاب الإعلاميين في مكتب بغداد للترجيح بين أحد هذين الاسمين. وانتهى الأمر، بعدما هدأت ثورتها، أن قلت لها إنها ستشكرني يوماً ما لأني دفعتها إلى هذا القرار.

ولم تكن الأيام التي تلت هذه الحادثة مختلفة عنها. فقد أصررتُ على ألا يُبثَّ لها تقرير حتى أعطيها الضوء الأخضر، باعتبارها ليست مستعدة للنزول على الهواء بعد. ولم تفلح شكواها لمدير المكتب آنذاك، حين قالت له ضاحكة إنّ أرضية المكتب لابُدّ أنها مصقولة من شِدّة النظافة، لأنّي أمسح الأرض بها في كلِّ مرة تُعِدُّ فيها تقريراً، على حدِّ تعبيرها.

وقد كان تشدّدي معها مبنياً على ثقتي في إمكاناتها الهائلة في العمل الصحفيِّ التلفزيونيِّ. ورغم أنّني كنت أرى رِقّة الأنثى في أعماق عينيها، فإنّ الصّلابة التي تجلّت على حِدّة حاجبيها دفعتني للاستمرار. ولذلك آثرت ألّا تخرج على المشاهدين حتى تكون قادرة على إعطائهم ما يستحقّونه وبما يناسب قدراتها. وقد قلت لها مراراً إنّ من اليسير أنْ يجد المراسل لنفسه مكاناً على شاشة إحدى الفضائيات، ولكن العسير أن يجد له مكاناً في ذاكرة المشاهدين وقلوبهم، وهذا هو ما أريده لها.

*       *        *

كانت رحمها الله تحبّ العراق كثيراً، ربما أكثر من نفسها. ولم يكن شيءٌ يغيظها أكثر من سماع كلمة تمسّ الوطن. وكانت أولى تجاربي معها في هذا المضمار عندما صحبتها لتغطية أوّل حفلٍ للفرقة الوطنية السيمفونية العراقية بعد الغزو.

كان المفترض أن تقوم هي بإعداد قصّةٍ إخبارية عن تلك الليلة، فتوجّهنا إلى كواليس قصر المؤتمرات للقاء مايسترو الفرقة وأعضائها. ولم يبد أنّ هناك شيئاً استثنائياً يؤهِّل الحدَث ليكون تقريراً يُبَثُّ على شاشة الجزيرة، إلى أن بدأت الفرقة في العزف.

كانت مقطوعتهم الأولى هي السلام الوطني العراقي السّابق “موطني”!

لم يكن لديّ شكٌ عندها في أنّ الحدث بات ساعتها أكبر منْ أنْ أترُكَ إنجاز القِصّة لها. فعزمْتُ على إعداد التقرير بنفسي، وطلبت منها أن تُعدّ واحداً من جانبهاً بغرض التدريب.

لم تكفّ عن الحركة الدؤوبة طيلة الحفل، وكانت تكتبُ النَّصَّ أثناء وقوع الحدث، بل وسارعَتْ إليّ فَرِحَةً لتخبرني بفراغها منه وذلك قبل أن تنتهي الأمسية. فلم أجد غير الابتسام للتعبير عن شفقتي على حماستها التي تطغى على منطقِ عقلها أحياناً.

لكنّ ابتسامتها تلك لم تلبث طويلاً، فعندما عاودت الفرقة لتعزف “موطني” مُجدّداً مع ختام الحفل، انخرطت في البكاء أسفاً على الوطن الذي نجّسَه العدوُّ وتآمر عليه الصديق. ولم تكن وحدها من بكى، فالمشاعر الجَيّاشة كانت عنواناً للقاعة التي امتلأت بمئات المثقفين والفنانين العراقيين، خاصةً أن الحفل شهدَهُ أربابُ الاحتلال الأنجلوأمريكي.

عندما انتهيت من التقرير في اليوم التالي، وقارَنَتهُ هي بتقريرها قالت، وهي تحاول الاستعلاء على الحدث، إنّها تُقرّ لي بجودة ما أعددتُه، وأنّها تأذن أنْ يُبثَّ على الهواء لأنّه يُعيدُ الاعتبارَ للعراق الذي شَوَّهته وسائلُ الإعلام بُعيد الغزو.

*       *        *

وتوالت الأحداث بعد ذلك، وتوثَّقت عرى الأخوَّة بيننا على شاكلة أشبه ما تكون باتصال الموج مع الشاطئ في أقصى حالات مَدّه وجَزره. ومَرّت الأشهر والسنوات، لتصبح أطوار واحدة من أشهر مراسلات الجزيرة وأكثرهنَّ مهنيَّة وإثارة للإعجاب. ومنّ الله سبحانه وتعالى عليها بارتداء الحجاب، واقترابها إلى الله أكثر فأكثر في حياتها الشخصية، إلى أن أزفت ساعة رحيلها عن هذا العالم المُختلّ.

فقد اختُطِفت ومن ثمّ اغتيلت، يوم الأربعاء 22/ 2/ 2006، على مرأى من الناس ومسمع مع اثنين من زُملائِها، بينما كانت تُغَطّي حادثة تفجير مرقد الإمام العسكريِّ في سامراء، المدينة التي جاءت منها. وكانت آخر كلماتها لمشاهديها تعبيراً عن عشقها للوطن: “رسالة يبدو العراقيون أحوج ما يكون إلى تذكرها: سُنياً كنتَ أو شيعياً، عَربياً أو كُردياً، لا فرق بين عِراقيِّ وعِراقيٍّ إلا بالخوف على هذا البلد”.

*       *        *

قلت لها ذات مرة، إنّني لم أقابل في حياتي شخصاً نال من اسمه نصيباً بقدر ما رأيته فيها. فلما تساءَلتْ عن معنى الكلام أجبتها بأن اسمها بالعربية “أطوار” يَدُلُّ على تبَدُّل الأحوال وتقلُّب الأيام، وهو ما عرفتـُه فيها طيلة فترة علاقتنا. أما بالإنجليزية، فإن اسمها يكتب هكذا “Atwar” ولو أننا فصلنا بين أول حرفين عن باقي الاسم لأصبح “At War” أيْ “في حالة حرب!” ولم أعهد أحداً في حياتي مستعداً للدخول في مواجهة مع الآخرين تصل إلى درجة الحرب المعلنة بمثل ما عهدته فيها. لم تتمالك نفسها من الضّحك، وكانت لها ضحكة صافية ومُجَلجِلَةٌ في آنٍ معاً (أليست أطوار!)، لكنَّها في الوقت نفسه أقرّتني على هذا الرأيِ برضاً بالغ.

أما الآن، وبعد التحاقها بالرفيق الأعلى، فقد كتبت لها قصيدة لم تنشر بعد، قلت لها في مطلعها خُلاصَة ما أحسبها قضت نَحبَها عليه:

سَلامٌ عَليكِ،

على ناظِرَيكِ،

على الدَّم ِ يَشخَبُ مِنْ وَجْنَتيكِ.

سَلامٌ على الأملِ المُستميتِ..

على قدميكِ

إذا ما حَفيتِ؛

وحَاشاكِ..

فالأرضُ نَعلٌ لَديكِ،

وهَذي السَّماءُ خِمارٌ عَليكِ.

سَلامٌ على الأرضِ إذ جِئتِ مِنْها،

وعُدْتِ إليها،

فَبُشرى لها،

ثُمَّ طُوبَى إليكِ.

*       *        *

رحمك اللهُ يا أطوار، وغفر لكلينا ما كان لصاحبه، وجمعنا في ظلِّ عرشه ومُستقرِّ رحمته بإذنه تعالى. اللهمَّ لا تحرمنا أجرها، ولا تفتِنَّا بعدها، واغفر لنا ولها. آمين.

شاركنا رأيك | Share Your Views ↓

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.