هَلْ جَرَّبْنا الجُوعَ؟

تقديم

تساؤلٌ دائماً ما يحضُرني مع حلول الشَّهر الفضيل، وأحسَبُه لا يزال جديراً بالطّرح رغم مرور السنين!

هَلْ جَرَّبْنا الجُوعَ؟

 

في رمضان أتساءلُ كثيراً إنْ كان أحدٌ منا قد جرّب الجوع!

قد يبدو التساؤل ساذجاً، بل وغبيّاً للبعض.

لولا أنّ ما ألمسُه من تجربة الصِّيام – في الخليج على الأقل – يُضفي الكثير من الوجاهة على ذلك التساؤل.

نحن نصومُ فعلاً، ولكن هل جَرّبنا الجُوع؟

*       *        *

ما يدفعني لإعلان ذلك أنّني لاحظتُ شخصياً عليّ وعلى زوجتي أنّنا نتناول الطعام في رمضان أكثر منه في بقية العام.

طبعاً من يعرفني وزوجتي قد يسخرُ منّا، إذ إنّ وَزنَ كلينا معاً لم يبلغ مذ اقترنّا وإلى الآن المئة وعشرة كيلوغرامات؛ ونعوذ بالله من شر حاسدٍ إذا حسد!

ورغم ذلك، فإنّنا في الشَّهر الفضيل نتناول وجبتين يوميّاً، وهو أمرٌ لا يحدث إلّا لماماً باقي العام. إذ إنّ الطعام له أغراض محدّدة وواضحة، ومنها تجديد الطاقة وإبقائنا على قيد الحياة. ممّا يعني أننا في باقي أيام العام نتاوله تناولّاً وظيفيّاً، أيْ بغرض تحقيق هدف إسكات الجوع ومواصلة الحياة بصيغة طبيعيّة.

لكنّ الحال في رمضان يبدو مختلفاً. فالطعام الذي نتناوله في وجبة السّحور على الأقل، يدفعني إلى ظنّ السّوء في أنفسنا. فرغم أنّنا مقتنعون بأنّ {فِي السّحُورِ بَرِكَة} كما أخبرنا الصّادق المصدوق صلّى الله عليه وسلّم، إلا أنّني أزعم أنّنا نتناوله بدافع الخوف من الجوع في يوم الصِّيام الآتي، أكثر من غيره.

وإذا صحّ هذا الزعم، وما أسمعه عن وجبات سحور البعض يؤكّده لي قطعاً، فإنّ ذلك معناه أنّ البركة التي يفترض بنا أن نتوخّاها في السّحور أوشكت أن تكون لاغية. ومعها زوالها تزول حكمة الصّوم التي أعلمنا الله سبحانه وتعالى بها عندما فرضه علينا {لعَلـَّكُمْ تتـَّقـُون}. وغير خافٍ علينا سلوكيات كثرة كاثرة من المسلمين أثناء الصِّيام، والتي يعزُون فيها تعكّر مِزاجهم إلى الصِّيام. وهذه إحدى أعاجيب الصّوم المعاصر، إذ يفترض في الصِّيام أنْ يُزكّي النّفس لا أن يُفسد الأخلاق!

*       *        *

ممّا يحضُرني في هذا السياق فيلمٌ تسجيليٌ قصيرٌ شاهدته قبل بضعةِ أشهر (كان هذا في عام ألفين وتسعة 2009).

الفيلم، الذي تمّ تصويرُه في إحدى بلدان شرق آسيا، يصوّر لنا مشهد ذهاب بعض الزّبائن إلى أحد المطاعم الشعبية لتلك البلد. وهناك يتم إعداد وجبة طعام متوسّطة المستوى لتُقدّم لرُوّاد المطعم. نشاهِدُ في الفيلم بعد فراغ أولئك الزبائن من عشائهم أنّهم لم يلتهموا كل ما كان على أطباقهم، وإنما اقتصروا على تناول بعضه وترك البعض الآخر.

فَضَلات تلك الصحون تحوّلت إثر عودتِها إلى المطبخ إلى أكياس القمامة التي يُخزّنها المطعمُ على مقربةٍ من الباب الخلفيّ.

وهناك تبدأ رحلةٌ أخرى لتلك الفضلات، إذ يأتي شخصٌ من خارج المطعم ليُصنّفَ تلك الأطعمةِ الزّائدةِ بحسب نوعيّتها في شِوالات عِدّة جاء بها معه. فهو يضع أصنافَ اللحوم في أحد تلك الشِّوالات، وأنواعَ الرّزّ وخيوط النودلز الآسيويّة في شِوالٍ آخر، وأنواع الخضراوات والفواكه في شوال ثالث، وهكذا.

وبعدها يقوم بتحميل تلك الشِّوالات في السّلة الأمامية لدراجته الهوائية، ومن ثمّ يقودها صوبَ أطراف المدينة.

هناك، تنتظرُه عشرات الأسر الفقيرة، التي لا تجد قوتَ يومها إلا فيما يجلبه لها هذا الشّخص من فضلات الأطعمة.

وتبدأ حال وصوله عملية توزيع الطعام من الشِّوالات مباشرة إلى آنية كلِّ أسرة بحسب حاجتها وعدد أفرادها. وهو مشهدٌ تختلط فيه أنواع الأطعمة المتبقية بشكل يبعثُ على القيء. إلا أنّه بدا واضحاً أنّ تلك الأسر اعتادته حتّى أضحى أمراً طبيعياً جدّاً لديها.

المضحك المبكي فيما يجري في هذه المناطق النائية، أنك إذ ترى الأطفال وهم يتناولون ما تبقى من أفخاذ الدجاج أو صدورها المقلية، فإنّك تلحظ الفرحة عارمة على وجوهم، وكأنّهم إذ يلتهمون خيوط النودلز أو ما بقي من بعض الفواكه قد حازوا وجبة فاخرة في مطعم مَلكيّ.

وما يجري في البيوت ليس أقلّ غرابة. إذ تجد أفراد الأسرة الفقيرة وقد التفُّوا جالسين حول مائدة الطعام وهم يبدؤون بشُكر الرّبّ القدير على هذه النّعمة التي أنعم بها عليهم. واللهُ وحده العالِمُ كم من الوقت مضى على أيٍّ من تلك الأسر قبل أن يجدوا ما يسدّوا به جَوعَتَهُم.

*       *        *

أعود الآن إلى تساؤلي الأوّل: هل جرّب أحدٌ مِنّا أن يجوعَ حَقاً في رمضان؟

إنّ كثيرين من أبناء هذه الأمة لا يكادُ يعرفُ الجوعَ في شهر مُخصّصٍ للصّيام، ويعزو سوءَ خُلقه إلى أدائه الطّاعة، ويُضيّع وقته أمام عروض التّلفزة الفارغة في البيت، أو في الخيام الرمضانية اللاهية خارجه، وذلك مع التأكيد على تصفيد الشياطين في الشَّهر الفضيل. وهو رَغمَ كلّ ذلك يشتكي من طول اليوم وحرارة الجوّ، ويمتعِض أشدّ الامتعاض إذا لم يُبصر أحدٌ هلالَ شوال في التاسع والعشرين من رمضان!

إذن ما الذي يتحققّ لنا في شهر التّغيير الشّامل جرّاء الامتناع عن الأكل، ما دام هذا مُقتضى الحال. وإذا كان المولى سُبحانه رَبَط الصِّيام بأمرين أساسيّين {لَعَلَّكُمْ تَتَّـقُونَ} و{لَعَلَّـكُمْ تَشْكُرُونَ}، فأيّ حِكمة تلك التي يُحقّقها صيامُنا في هذا الزمان؟!

تقبّل اللهُ مِنّا ومِنكم… وإنّا للهِ وإنّا إليهِ راجِعون!


By Rabab Maher

2018WCBLogo-RababMaher

شاركنا رأيك | Share Your Views ↓

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s