مَا لَمْ نَفْقِدهُ بِرَحِيلِ الـمِسِيرِيِّ

تقديم

في تمّوز – يوليو 2008 التحق إلى جوار ربّه المفكرّ الكبير الأستاذ الدكتور عبدالوهاب المسيري، رحمه الله تعالى. كان العالم الذي عرفَهُ غير العالم الذي يعمل على تكوينه، وبدأت بذوره في شقِّ طريقها من تربة التغيير شيئًا فشيئًا، فغادرنا وهو يؤمن بأنّ غراسه لا بدّ أن تؤتي أكلها يومًا ما، إذا ما اعتنى بها أهل الحقّ وقاوموا بها أهلَ الباطل. ذلك أنّ إيمانه بالبطولة كان إيمانًا نابعًا من إيمانه بالمعتقد الذي يتشرّبه الأبطال، وهو معتقد منسربٌ من النبع الربّانيِّ الأصيل.

الآن وبعد أكثر من عشرة أعوام على رحيله، تبدو الحاجة لاستعادة ذلك الفكر الذي أورثنا إيّاه أكثر ما تكون، لحاجتنا المسيسة إلى التغيير الذي كان يدعو إليه ويُناصره ويقاوم الطغيان لأجلِه. وهذا فقط ما سيجعل فقدان المسيريِّ مجرّد انفصال عن جسد لا أكثر، لأنّ أفكار العظماء تبقى دائمًا في نفوس من يعيشون على هداها من أتباعهم مهما طال بهم العهد بالاستبداد الذي عاشوا لمقاومته وتغييره.


مَا لَمْ نَفْقِدهُ بِرَحِيلِ الـمِسِيرِيِّ

 

DrElMesiri

 

ابتسم صديقي المثقف ابتسامة ساخرة حين رآني أقرأ كتاب (الصهيونية والحضارة الغربية الحديثة). سألني دون أن يخفي سخريته تلك “أما زلتم تقرأون هذه الكتب؟!”

مِسكينٌ صديقي… لم يعرف أنَّني أقرأ كتاباً لعبدالوهاب المسيري!

نعم… الفرقُ كُلُّه يكمن في أن تقرأ له – رحمة الله – لا لغيره، وفي هذا الموضوع تحديداً. ذلك أن أحداً من العرب لم يفهم الصهيونية ويضعها على طبق من فضة لنظرائه من المُفكرين ومن حوله من القراء مثل عبدالوهاب المسيري.

يظنُّ البعض أن ما يجعل المفكر الراحل رحمه الله متميزاً في معرفته بـ(اليهود واليهوديّة والصهيونيّة) أنه أنفق من عمره قرابة خمسة وعشرين عاماً لإنجاز ذلك العمل الموسوعيِّ.

ورغم أنّ هذا الكلام لا يخلو من صِحّة، فإنّه في الوقت ذاته لا يخلو من مغالطة. فالوقت وحده ليس العنصر الأهم فيما أسفرت عنه بحوث المسيري، وإنْ كان لعب دوراً أساسياً في رحلة تكوينه الفكرية بتصويب مُنطلقاته وتحديد اتّجاهه.

ما يُميّز عبدالوهاب المسيري أنّه كان إنساناً حريصاً على الفهم. وهاتان الميزتان (الإنسانيّة والحرص على الفهم) هما ما جعلاه يرتقي أعلى مراتب الفكر، ليس في العالم العربي وحده، بل في الأرض قاطبة.

إنسانيّة عبدالوهاب المسيري تتجلّى لك منذ أوّل لحظة تتعرّف فيها عليه، ومحبّته تتسلّل إلى قلبك بهدوء أقرب إلى الصّمت ولكنّها تنفذ إليه بسرعة الضّوء. يُشعرك عندما يُنصت إليك أنّك أنت المفكر وأنّه ليس سوى أحد تلامذتك. تنسى أنّك أمام عَلَمٍ من أعلامِ الأمّة أثناء حديثك معه، خاصة عندما يروي لك إحدى نِكاتِه العامرة بالعُمقِ والسُّخرية اللاذعة مَعاً، حتى لتنسى أنّ قائلها أحد المفكّرين المبرزين.

تذكُر زوجتي كيف أنّه ترك مِنصة المحاضرة التي كان يوشك أنْ يُلقيها في الدّوحة ليقدم إلينا حتى يُسَلِّمَ عليها. استعجالُه نحونا يوحي لمن يراه بأنّه ربّما يدينُ لنا بحياته، ومعرفتُه بأنّها ليست زوجتي فحسب، بل كريمة أحِد تلامذته العِظام (الفقيد ماهر عبدالله، رحمه الله) جعلته يتناسى آلام ظهرِه وجميعَ الحاضرين المحيطين به. وما زاده تقديرًا أنّه قدَّم نفسَه لها بقوله “أنا عبدالوهاب المسيري”، هكذا.. دون مُقدّماتٍ جوفاء وتعريفاتٍ خلّابة، خلافا للذين يصعُب عليهم أن يُعرّفوا أنفسَهَم إلّا بـ”الدكتور”!

أمّا حِرصُه على الفهم فيتجلّى في كُلِّ شأنِه.

ومن المهم التفريق بين الحرص على الفهم وبين محاولة الفهم، ذلك أنّنا في العموم نحاول الفهم، فإذا توفرت لدينا أبسط مُعطياته فإنَّنا نَركَنُ إليها باعتبارها حقيقة مُطلقة. وليس هذا شأن مُفكِّرٍ عظيمٍ كالفقيد.

حِرص المسيري على الفهم أكثر ما يَتبَدّى في إنشائه (النماذجَ التَّحليليَّة المُركَّبة) كما يَصِفُها هو في أدبيّاته. ذلك أنَّه حين تعجز التّعريفات والنّماذج التي استحدثها الآخرون في تفسير معنى الموضوع الذي يبحثه المسيري، فإنّه يتصدّى له باستحداث نموذجه الخاصِّ بحيث يكون شاملاً لكُلِّ أبعاد الموضوع ومُفسِّراً لكافَّةِ تفاصيلِه في الوقت نفسِه. لأنّ قُصور التّعريفات الأخرى لا يعني التّشكيك في صِحَّة التفسير فحسب، بل الطّعن في فَهمِنا للحقيقةِ ذاتِها.

لذلك فإنَّك تجد الكثير من النَّماذج التي طَوَّرها المسيري في مؤلفاته، والتي تَتَّصِفُ بـ”قُدرتِها التَّفسيريَّة العالية” على حدِّ قولِه، بخلاف التعريفات والتفاسير التي يُعلِّقُ عليها أحياناً بأنَّها “لا تُفسِّرُ شيئاً”!

فإذا أردت مثلاً فَهمَ الحَركَةِ النِّسويَّة المُتطرِّفةِ (Feminism) فما عليك سوى الرجوع إلى نموذج (التَّمَركُز حَولَ الأنْثى)، وإذا أردت فهْمَ العَلمانِيَّة (الجُزئِيَّة أو الشَّاملة) على حقيقتها، فعليك بكتابِه المّعْنِيِّ بهذا الخصوص وبذلك العنوان. أما إذا أردت فهم أيِّ تفصيلة عن أيٍّ من (اليهود واليهوديّة والصهيونيّة) فإنك ستجد بُغيَتك في أغلب كُتبه، ناهيك عن الموسوعة الخاصة بها. وستتكشّفُ لك أشياء ما كنت لتدركها باستخدام مفردات الخطاب العربي/ المسلم المعاصر أو تحليلاته، لأنّها فعلاً “لا تُفسِّرُ شيئاً”!

هذا الحرص الشديد على الفهم هو ما دفعه إلى التّحولات الفكريَّة العظيمة التي مَرّ بها على مدى سبعين عاماً. فانتقاله من فكر الإخوان المسلمين مُبِّكّراً إلى الماركسيَّة كان مدفوعاً برغبته الجامحة في استيعاب الأشياء ومن ثَمَّ الإيمان بها بعقله أوَّلاً، لا بقلبه فحسب. ولأنّ الحقيقة وحدها كانت غايته فقد أبقى باب البحث مفتوحاً على مصراعيه، ولم يلبث طويلاً حتى اهتدى إلى ساحة الإسلام الرّحبة ليعثر على ضالَّتِه. ولقد كان يؤثر عنه قولُه مازحًا لرفاقه اليساريين قُبيل تحَوُّله عنهم بأنَّه “مَاركسِيٌّ على سُنةِ اللهِ ورسولِه”!

لعلّ هذا تحديداً هو أكثر ما سنفتقده برحيله. فما أكثر المفكرين (وعَديدُهم تُطلَقُ عليه تسمية “المفكّر” جُزافاً) الذين حكروا عقولهم على إعجابهم بالفكرة لا على رغبتهم في الوصول إلى الحقيقة.

أما المُفَكّر الحق، عبدالوهاب المسيري، فقد جَنّد فكرَه ليدافع عن قضية الإنسان الذي آمنَ بتفرُّدِه في الكون وتركيبته اللامحدودة وانفصاله عن عالم الطبيعة/ المّادة، لا كما يراه دعاة الفكر المَادي العَلمانيِّ. ولهذا فإنك تجد أنشطته العامة، فضلاً عن إنتاجه الفكري، تُلامِسُ إنسانية الإنسان في كلِّ موقعٍ شَغَلَهُ في ميادين الثقافة والسياسة والمجتمع بكافَّةِ شرائحه.

نعم.. لقد فقدنا عبدالوهاب المسيري الإنسان.

ولكنّه حرص قبل رحيله أنْ يترك ما ينير لنا شيئاً من عتمة الطريق. ولا عجب أنَّ مقدمة موسوعته الأبرز ضمّت هذه الكلمات: “هل تموتُ الفروسية بموتِ الفارس؟ هل تموتُ البطولة باستشهادِ البطل؟ وهل يختفي الصمودُ إن رحلَ بعضُ الصامدين؟”. فكأنه يوصينا بألا نطيل عليه البُكاءَ عندما يَترجّلُ عن صَهوَةِ فِكرِه.

*       *       *

قبل سَنواتٍ، بعثتُ له أبياتاً أهَنِئه فيها بالعيد برسالة نصّيّة عبر هاتفه المحمول. فما كان منه إلا أن قرأها على زُوّاره، قائلاً “إنَّها من صَديقٍ عَزيزٍ يُؤمِّـلُ منه الكثير”. فكانت كلماته هذه وساماً أعَلِّقُه على صدر روحي ما بقيت.

قلت له في ختام أبياتي تلك:

سَألتُ رَبِّي المَجِيدا

إذا شَـهِـدتَ العِـيـدا

وقـد لَبِـسْتَ الجَديدا

بأنْ تَعـيـشَ سَعـيـداً

وأنْ تَـمُوتَ شَهِـيـداً

وخَـالِـدَ المَحْـمُـودا!

أسألُ الله تبارك وتعالى أنْ يكون ذلك هو الحال معه ومعي. اللهم آجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها.

آمين.

شاركنا رأيك • Share Your Views ↓

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.