قصّةُ إسلامي

عندما وَعيت على الدنيا مسلماً، لم يَدُر بخَلَدي أنّي سأسلم مرة أخرى.

ودعوني أخبركم كيف حصل ذلك، والأهمّ منه: لماذا!

في صيف عام 1994 قُدّر لي أن أزور المملكة المتحدة للمرة الأولى، وكانت تلك رحلتي الأولى لبلدٍ غربيٍّ في حياتي. كنت أثناءها أدرس اللغة الإنجليزية في جامعة قطر، وسافرت بتمويل من المجلس الثقافي البريطاني للالتحاق بدورة لتعلّم اللغة الإنجليزية والتعرف كذلك على الثقافة البريطانية.

عندما وصلت إلى مدينة إكستر عاصمة مقاطعة ديفون (Exeter, Devon) كنت أشتعل حماسةً لعرض الإسلام على كل من ألاقيه من الطلبة والمدرسين والعامة! كان الخطاب الإسلامي حينها، ولعله ما يزال، ينشر صورة ذهنيّة غير دقيقة عن الخواء الروحيِّ في الغرب، وهو الذي يجعل الناس يقبلون على الإسلام بشكل مذهل بمجرّد أن يُعرض عليهم، بمعنى أن أحدهم ما أن يسمع عن سماحة ديننا وعظمته حتى سينطق بالشهادتين مُتجاهلًا مِتع الحياة الدنيا التي يعيشها من لحظته. وبناء على تلك الصورة الزائفة، فقد ارتسم في مخيلتي أنني سأجد الناس هائمين على وجوههم بحثاً عمن يرشدهم إلى الصراط المستقيم، وأنّني لن أكون بحاجة سوى أن أقولَ لأحدِهم (أسلِمْ، تسلم)، حتّى أراه يعتنقني مُهلّلًا ومُكبّرًا! خاصة وأنا أستحضر مقدار الأجر الذي سينالني كما ورد في حديث المصطفى ﷺ {لئِنْ يَهْديْ بكَ اللهُ رَجُلاً واحداً خيرٌ لكَ مِمّا طلعَتْ عَليهِ الشَمس}.

طبعاً، لم يكن الواقع تماماً كما تخيلته، أو بالأحرى تمنّيته، لكن ذلك لم يعقني عن تصيّد أي مناسبة مباشرة أو غير مباشرة للحديث عن الإسلام. حتى أصبح معروفاً لدى الجميع أنّني إذا جرى الحديث عن الثقافة فسيكون الإسلام محور حديثي، وإذا سُئلت عن حياتي فسيكون الإسلام هو جوابي، وإذا تحدث محاضرٌ عن معالِم الحياة في بريطانيا فإنني لا بُدّ أن أجد طريقة لِأُقحِم الإسلام في الموضوع.

ومن الطبيعي أنّ النتيجة هي أنّ أحداً لم يسلم على يدي! بل أحسبني شوّهتُ صورة الإسلام وربّما بغّضته في قلوب بعض من تحدثت إليهم. ذلك أنّني افتقرت إلى الكثير من متطلبات الحكمة والرفق في دعوتي.

بيد أن الحادثة الأبرز والأهمّ بالنسبة لي جرت مع اقتراب نهاية الدورة، حيث كان مجرى الحديث بين مجموعة من الزملاء حول اختلاف معتقداتهم، والنتيجة التي وصلوا إليها كانت أهمية أن يحترم المرء دين الآخر بِغَضِّ النظر عن مدى قناعتنا نحن به.

أوشَكْتُ أن أتدخّل لأقول إنّ من المهمّ أن يتأكد المرء من صحة اعتقاداته أولاً، حتى لا يكون تابعاً لما أمْلته عليه ظروفُ نشأته والبيئة التي عاش فيها، وكنت بالطبعِ أتأمل أن يفتح ذلك التعليق باب السؤال في نفوسهم حول صحة معتقداتهم، ومن ثمّ العودة لي حتّى أناولهم البلسم الشافي.

لكنّني – ويا للغرابة – لم أقلْ شيئاً البتة.

ما أوقفني عن السؤال كان خشيتي أن يسألني أحدُهم عن مدى تطبيقي لما أعظ به. أوَلستُ مُسلماً سُنياً لأنني وُلدت ونشأت في بيئة تدين بالإسلام، وكان ذلك مذهب أهلي ومجتمعي؟! فبأيِّ شيء أختلف عنهم إذن، فيما أنا واقع في نفس دائرة الاتّهام!

كانت تلك الحادثة نقطة مفصليّة فارقة في حياتي.

لم أحَدّث أحداً بعدها عن الإسلام، بل كنت أقرب إلى الانزواء بنفسي عن مخالطة الآخرين. كنت أعرف أنّني مؤمنٌ بالله تعالى ودينه ونبيّه وكتابه، ولكنّ مشاعر مختلفة بدأت تمور في داخلي حول حقيقة إيماني ذاك، وما إذا كنت قد آمنت بقلبي وحده دون أن يكون عقلي شريكاً في ذلك.

عندما عدت إلى قطر عزمت على البحث من جديدٍ عن الدّين الحقّ.

بدأت البحث أوّلًا في إيماني بالله سبحانه وتعالى، وكانت خلاصة بحثي استبعاد كلّ الديانات غير السماوية، لأنّ مفهوم (الإله) عندها قاصرٌ عن الكمال المُطلق الذي ينبغي للخالق سبحانه أن يتّصف به، وإلّا فلن يكون جديرًا بصفة الربوبيّة ولن أكون قادرًا على تقبّل العبوديّة له.

ثم تعمّقت في ديانتي أهل الكتاب، فوجدت اليهودية ديانة ماديّة أقرب إلى العُنصرية، ووجدت المسيحية مفرطة في العناية بالروح دون الجسد، ناهيك عن إشكاليّاتٍ رئيسة تمتنع على العقل في مسائل الاعتقاد الخاصة بالتثليثِ والخطيئةِ الأولى والمسيح المُخلص!

لكنّ ذلك لم يعن أنّ الرحلة انتهت، فرغم تزايد ثقتي بأنّ الإسلام هو الدين الحقّ، فإن البحث ظل مستمراً بخصوص مذهبي (سنيٌ أم شيعي) والمدرسة الفقهية التي أتّبع (حَنفيٌّ أم مَالكيٌّ أم شافِعيٌّ أم حَنبليٌّ) ومن بعد ذلك البحث في التوجهات الفكرية، وحتى الحزبية، المعاصرة التي يمكن أن تأخذني من صحراء التّيه إلى الحقيقة.

ووجدت أثناء ذلك كله الكثير مما يتنافى مع روح الدين الحنيف ومع العقل الذي أمرنا الربّ سبحانه في كتابه بالاهتداء به.

وجدت بعض ما أدخل على الإسلام وليس منه في شيء.

وجدت الآراءَ التي فُرضت علينا باعتبارها من صُلب الدين، ولكنّها لا تعدو كونها اختياراً فقهياً أو فكرياً لعالم جليل أو مُفكر مُبرز (وأحياناً لم تكن حتى تنتمي إلى أيّ من هذين!).

وجدت مساحاتٍ يجوز الاختلاف فيها، وأنها ليست قطعية النصّ والدلالة كما يزعُمها أتباع هذا المذهب أو ذاك.

بل وأكثر من ذلك، وجدت الكثيرين ممن يتحدثون عن الإسلام وباسمه، بينما يجهلون حقيقته وروحه، وأنهم يفكّرون ويتصرّفون مثلما فعلت أنا عندما ذهبت إلى الغرب للمرة الأولى في حياتي.

عرفت عندها سبب تأكيد القرآن على العقل، وإشاراته المتكررة إلى أولي الألباب. وصارت للكثير من الآيات معنى حقيقياً يلامس إدراكي، مثل نقد القرآن الكريم الكفار كلما قالوا {إنّا وَجَدنا آبَاءَنا عَلى أمّةٍ وإنا عَلى آثارِهِمْ مُقتدُونْ} لأننا صرنا نسير على هدي أبائنا دون تمحيص، فاعتبرناه من المُسلمات لا لشيءٍ سوى أنّه كان أول ما سمعناه في طفولتنا الغِرّة!

كانت رحلة متعبّة وشاقّة، بيد أنّها وإن بدأت ببذور الشكّ، فإنّها انتهت إلى ثمرة اليقين، والحمد، كلُّ الحمد، لله تقدّس في عُلاه.

بعدها بثلاث سنوات كُنتُ في زيارة أخرى إلى نفس البلد ونفس المدينة ونفس الجامعة. لم أكن واعيًا لذكرى تلك الواقعة الأولى حين وجدتني أسير في نفس المكان الذي دار فيه حوار احترام الأديان ذاك. وقفتُ مبتسماً وأنا أستذكر ما جرى من حديث لم يكن لي فيه نصيبٌ، وإن بتّ أحسب أنّني كنت الرابح الأكبر منه.

تنفست عندها بعُمقٍ وارتياحٍ بالغين، وقلت بصوتٍ مسموعٍ “أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهَدُ أنّ مُحَمّداً رَسُولُ الله“.

كانت أروعَ شهادة قلتُها في حياتي، لأنّني غدوت بها مسلماً باختياري، لا بالولادة فحسب!

One thought on “قصّةُ إسلامي

  1. قصة جميلة .. واتّباع جميل للطريق الهادي إليه سبحانه..

    بودّي معرفة التفاصيل: ما هي اللحظة التي أحدثت هذا اليقين وهذا التحول؟ لماذا نرى الناس تحيد عن هذا الطريق؟

    رحلة مهمة في حياة كل مؤمن ان يجدد إيمانه بل وإسلامه عن يقين لا عن اتباع أعمى لما وجد عليه الآباء!

Leave a Reply to Mayssoun Olabı Cancel reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.