ماذا سَيَفعَلُ الأمرِيكِيُّ؟

تَظنُّ كثرةٌ كاثرةٌ من المسؤولين الكبار لدينا أنَّ جلب موظفين أمريكيِّين، أو غربيِّين “بيض” على العموم، هُو ما سَيَحُلُّ مشاكلنا. وهذا الظنّ يتجسّد في الحرص على تقديم الغربيِّ على غيره في المناصب القياديّة والتي تحتاج إلى خبرةٍ وحُسنِ إدارةٍ وأسلوبِ عملٍ مِهَنيٍّ، وهو ما يتِمُّ بِغَضِّ النّظر عن حقيقةِ مؤهلاتِه وخبرتِه مقارنة بغيره من الجنسيّات الأخرى، ناهيك عن أبناء الوطن.

ولأنّ {بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}، فإنّ من المُفيد البحث في مِصداقيّة هذه النَّظرة ومدى توافقها مع واقع الحال. ذلك أنّ أولئك المسؤولين يَرون في المدافعين عمّن يعتبرون أنفسَهم ذوي حقٍّ في تلك المناصب دونًا عن نظرائهم من الغربيين، إنّما ينطلقون من نظرةٍ عصبيَّةٍ في مسألةِ الانتماء لا مسألة الكفاءة. وحتى لا نكون ضمن قائمة الاتهام تلك، فإننا نعرض هذا المثال، للوصول إلى ذلك المآل.

*      *      *

ذات مرّةٍ دُعيتُ إلى عشاءِ عَملٍ مع صديقٍ أمريكيٍّ يَشغلُ مَنصِبًا في وزارة خارجيّة بلادهِ إلى مطعمٍ تابعٍ لفندقٍ عالميٍّ مشهورٍ، مُرصَّعٍ بالنُّجوم الخَمسِ على مَدخلِهِ.

وَرَغمَ أنّ المواصفات سابقة الذِّكرِ تُوحيْ بأنّها تجربةٌ “لتذوّق الجَنّة” فإنّ التجربة نفسها لم تكن تمامًا كذلك. فرغم أنّ نادلة الاستقبال في المطعم قادتنا إلى طاولة بعينها، فإنّنا انتظرنا بضعَ دقائق حتى جاءنا أحدُهم بقائمةِ الطعام، وانتظرنا بضع دقائق أخرى حتى جاءنا من يأخذُ مطلوبنا.

الانتظار لم يكن وحده السِّمة المُميزة للتجربة، فعندما جاءتنا الأطباق الرئيسية، لم يُكلّف أحدٌ من النَّدَلة نفسَه بتنظيفِ الطاولة من فُتات الخبزِ المُتناثر جَرّاء تناول المقبّلات، فَضلًا عن أنّ أحدًا منهم لم يَعرِضْ علينا تغييرَ طاقم الفِضّيات باعتبارِهِ جُزءًا من تقاليد المطاعم العريقة.

ورغم تناوب نحو خمسةٍ من نَدَلَةِ المطعم، بِرُتبٍ وأجناسٍ وجنسياتٍ مختلفة على خدمتنا، فإنَّنا اضطُرِرنا للتّصويتِ عليهم مَرّات عِدَّة بما بدا أقربَ إلى الصُّراخ رَغمَ قُربِهِمْ مِنّا، وذلك حتى نُعطيهم حسابَهُم!

ورغمَ كُلِّ ذلك، وَطِبقًا للعُرف الأمريكيِّ، فإنّ مُضَيِّفي تَرك مَبلغًا مُعتبَرًا من المال لفاتورةٍ باهظةِ الثَّمَن أصلًا، خاصَّة إذا قُورِنَتْ بِكَمِّيَّة الطعام المُقَدَّم!

*      *      *

الآن، كيف تعنينا هذه القصَّة في التّحقّقِ من مِصداقيَّة ظنّ مسؤولينا الكرام بخصوص القدرات التي يحسبونها استثنائيّة لدى الأمريكيِّ عن نظيره العربيِّ؟

نحتاج للإشارة في هذا السِّياق إلى أنَّ نظامَ الخدمة في مطاعم الولايات المتحدة يختلفُ عَمّا لدينا هنا.

فالعُرفُ السَّائدُ يَقضيْ بأنَّ النّادل هُو الوجهُ الذي يَعتني بضيوف المطعم وراحتهم، فيما يعتني الطباخون بطعامهم، ممّا يعني أنّ نظام العمل يُفرِّق بداية بين جُودةِ المُنتج (المأكل والمشرب) وجودةِ الخدمة (أسلوب التقديم).

ولذلك فإنّ إدارات المطاعم هناك تدفعُ مبالغَ معتبرة للطَّبَّاخين (كبير الطباخين – المعروف بـ”الشيف” – على وجه الخصوص) لضمان جودة الطعام المُقدّم للزبائن. ولذلك فإنّ لديك الحقّ – أيُّها الزّبون – في إرجاع طبقك إذا لم تجده موافقًا لتوقعاتك، إذ إنّ إدارة المطعم مسؤولة عن جودة أداء طبَّاخيها.

أمَّا النّدلة، فإنَّهم في الغالب يحصلون نظير عملهم من إدارة المطعم على دولارات لا تزيد أحيانًا عن ستة أو سبعة دولارات للساعة الواحدة. ورغم هذا فإنّ كثيرين منهم يَجنُون مبالغَ معتبرة في كلّ يوم عمل، لدرجة أنّ بعضهم يمكن أن يحصل على بضع مئات من الدولارات في الورديّة الواحدة.

نظام العمل والرواتب هذا تصاحبه سياسة (نادل لكلّ طاولة) ومن خلاله يتمّ تخصيص طاولاتٍ بعينها لكلِّ نادلٍ ليُلبِّي احتياجات جُلّاسِها، وهذا التخصيص يشمل حصول النادل على كامل الإكراميّة المَتروكة مع فاتورة الحساب. وفي حين يَضمَنُ الطّبّاخُ لقمةَ عَيشِهِ بإتقانِ فَنِّهِ في الطبخ، فإنّ النّادل يسعى جُهدَهُ لِنَيْلِ رِضا الزّبون بحيث يدفعُ له هذا الأخيرُ استحقاقَ رعايتِه له أثناء تجربة تناول وجبته.

ولهذا فإنّك في مطاعم أمريكا تجدُ أنَّ النّادل بعدما يقودُك إلى طاولتك يُعرّفُكَ باسمِه أوَّلًا حتى لا تعتازَ للطَّلَب من غيرِه، وأنت على الأرجح ستراه حاضرًا كُلّما احتجْتَه، وأحيانا حتى عندما لا تحتاجه، فهو يُدرِكُ جيدًا أنّ راحتك على الطّاولة تعني مَزيدًا منَ الكَرَم منْ لَدُنكَ لِأجْلِهِ.

هذه الثقافة معدومةٌ تمامًا لدينا حتى في مطاعم النجوم الخمس، إذ إنّ العاملين في المطعم يجمعون إكراميّات الزبائن ويتقاسَمونها بينهم مع نهاية وَردِيَّاتِهم.

والفرقُ بينَ هذا النظام والنّظام الأمريكيّ أنّ نظامَهم يكافئُ العاملَ تبَعًا لجُهدِه وإتقانِه، أمّا عندنا فإنّه يعنيْ مُساواة المُحسنِ بالمُسِيء، وما يترتَّبُ على هذه السّياسة فعليًّا هو أنْ يُعاقِبَ المُحسنُ بإعطائِه أقلَّ مِن حقِّهِ، ويُكافِئ المُسِيءِ بِنَيْلِه ما لا يَستَحِقّ. ويَتِمُّ بذلك تكريسِ قِيَمِ اللامبالاةِ وانعدامِ الدَّافعيَّة، بِمَا أنّ الجميعَ يقفون على قَدَمِ المُساواةِ عند كَرَمِ الزُّبون، سواءٌ فيهِم باذلُ الجُهدِ والمُخلِدُ إلى الأرض.

إذن، الأمرُ قائمٌ على نظامٍ مَبْنِيٍّ على رُؤيةٍ واضِحَةٍ ومُتكاملةٍ للأمورِ في بلادِهِم، وليسَ مُتعَلِّقًا بِزُرقَةِ عُيُونٍ أو شَقارِ شَعرٍ أو بَياضِ بَشرةٍ.

وَليسَ أدلَّ على ذلك من أنّك ترى الغربيّين يعجزون عن إنجاز مثل ما يُمكنهم فعلُه في بلادِهم عندما يَعملونَ بينَ ظُهرانينا، فأنظمةُ العملِ المُتعارف عليها هنا تلتزمُ بالرُّوتين أكثر من التزامها بالإنجاز. وعليه، فإنّ الأشخاص، أيًّا كانت جنسياتهم، سيبقون حَبيسِي تلك الأنظمةِ واللوائحِ مَهمَا بَذَلوا من جُهد.

وَمِن غيرِ أنْ تَتَّضِحَ رُؤى مؤسساتِنا وغاياتِها، ويَتِمُّ تغييرِ أنظمة عملها، وتَتطوَّر أساليب تفكيرِها الإداريِّ، فإنَّ العَجزَ سيكونُ مصيرًا محتومًا لِمَن يعمل على الوصول، مَهما كانَ جِنسُه أو جِنسِيَّته.

*      *      *

لَعَلّ الشاعر الراحل محمود غنيم عبّرَ عن شيءٍ من ذلك المعنى حين قال:

مَا حِيلة العُصفورِ، قَصُّوا رِيشَهُ      وَرَمَوْهُ فيْ قفَصٍ، وَقالوا: غَرِّدِ!

وإذا كان هذا حالُ العصفور، فما عساه يفعل الأمريكيُّ؟

شاركنا رأيك • Share Your Views ↓

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.