خَطيئةٌ اسمُها الخَدَم

تقديم

المقالة التالية سبقت بسنوات عدّة اللقاء الموجود في الموقع باسم خطيئة الخدم، وإن كانت معنيّة بنفس الموضوع وبنفس النَّفس الحاضر في الحوار الإذاعيّ.


خَطيئةٌ اسمُها الخَدَم

 

قبل بضعة أيام لفت انتباهي مشهد سيدة قطرية دخلت إلى مقهى راقٍ بصحبة خادمتها الآسيوية.

شعرت منذ الوهلة الأولى بالدماء تجري ساخنة في عروقي، لما خِلتُه سيكون نسخة مكرورة من تلك الحالات التي تدخل فيه أي عائلة عربية لتتناول طعامَها تاركة الخدم يعتنون بالأطفال على طاولة أخرى. وينتهي الأمر بالخدم أن يحصلوا على بقايا طعام الأسرة، أو – في أحسن الحالات – أرخص طبق في قائمة الطعام.

بيد أنّ الأمر – ويا للغرابة – لم يكن كذلك.

إذ إنّ الشابة القطرية أجلست خادمتها على الطاولة وذهبت بنفسها تطلب كأسي عصير لهما وطبقاً من كعك الجبنة (cheesecake) غالي الثمن للخادمة. ورغم أنّني لم ألحظ حديثاً من أيِّ نوع يدور بينهما، إلا أنّني لمحتُ ابتسامة الخادمة عدة مراتٍ، وهو أمرٌ يندرُ حصوله بين الخدم وأرباب العمل في محيطنا العربيّ.

لم أستطع منع نفسي من التوجه إلى الشابّة القطرية عندما توجّهت لدفع الحساب لأشكرها على حسن صنيعها مع خادمتها. ورغم أنّها جَفلتْ مِنّي في البداية، ربّما ظنًّا منها أنّني أعاكسها، فإنّها بَدَتْ مرتاحة أكثر عندما عبّرت عن استحسانيْ معاملتها الآدمية للخادمة، وحقيقة أنها تعاملت معها على أنها إنسان بِغَضِّ النظر عن جنسيتها أو طبيعة عملها. وختمت كلمتي لها بأنْ سألت الله تعالى أنْ يُيَسِّر لها أبناءَ حلالٍ من أمثالها في درب حياتها، وانصرفت.

*       *       *

لا يحتاج المرءُ أن يكون مطلعاً على إحصائياتٍ أو دراسات اجتماعية في عموم الوطن العربي ليتعرف على بشاعة وضع العمالة الأجنبيّة (الآسيوية والأفريقيّة تحديدًا) فيه، فنماذج ذلك الوضع غير الإنساني ماثلة حيثما التفتنا. وما يجري على نطاق المؤسسات – الخاصة والعامة – ليس أفضل بحال مما يجري على نطاق الأفراد والأسر.

حسبك من ذلك ضيق الغرف المخصصة للخدم في منازلنا (دعك من سكن العُمّال). فغرفة الأجير (الخادمة، المربية، السائق، وغيرهم) لا يمكن أن تصل إلى نصف مساحة غرفة أصغر أبناء الأسرة المقيمة في نفس المنزل. وأعرف عن بعض أقربائي أنهم يستخدمون خادمتين اثنتين في جميع حاجاتهم في المنزل، بما في ذلك جلب كوب ماء أثناء تناول الطعام، ورغم ذلك فإنك لو فتحت باب الغرفة التي تسكنانها كلتاهما أثناء نومهما لضرب مصراع الباب رأسيهما المستلقيين على فراش على الأرض!

ناهيك طبعاً عن ساعات العمل الطويلة والمنهكة التي يدفع أرباب العمل خدمهم إليها منذ الصباح الباكر. فتجدهم أوّل من يستيقظ، وأطول من يعمل، وأقلّ من يأكل (مع ملاحظة أنهم يأكلون طعامنا الذي قد لا يناسبهم بالضرورة) وأكبر من يعاني، وأكثر من يُطلب، وأدنى من يرتاح، وآخر من ينام!

طبعاً، سيجادل البعض قائلاً: وما حاجة الخادم في غرفة كبيرة، أو وقت فراغ؟ وكأنّ الأجير يبنغي عليه أن يوقف حياته بأسرها لأهل البيت الذي يعمل فيه، ولا حقّ له في وقت يرتاح فيه أو يشاهد التلفاز أو حتى يخلو فيه إلى نفسه دون أن يشعر بالاختناق من ضيق الغرفة بينما يكدح ليعيل أسرته في ضيق الغربة.

ومجرد طرح أسئلة كتلك (وأنا لم أتحدث عن الرواتب المتدنية بعد) يشير إلى نظرتنا المختلة لمفهوم الإنسانية عندما تصبح جنسية الشخص أو مرتبته الاجتماعية أو مهنته سَدًّا يحول دون إدراكنا إياها.

هل يحقّ لنا، إذن، أن نستغرب بعض التصرفات الدونية التي يقوم بها بعض الخدم بحق أطفالنا؟ ولا شك أنّ كلاً منا اطلع ولو مرة واحدة على مقاطع مصورة لتصرفات بعض الخدم التي تعدم الإنسانية مع أطفال رُضَّع أثناء غياب الكبار عنهم.

لست أدافع – يقيناً – عن أولئك الخدم الذين عدموا الرحمة في قلوبهم، ولكني أرجو في المقابل حلّ المشكلة من جذورها؛ ألا وهي أن نعالج معاملتنا غير الإنسانية للكثير من الخدم. فانتقاص حقوقهم الإنسانية، ناهيك عن المهنية والشخصية، هي ما يدفع أكثرهم إلى صبِّ انتقامهم من كفلائهم على الأطفال العاجزين عن الشكوى. وصدق أبوالفتح البُسْتيِّ حين قال:

أحسِنْ إلى الناس تستعبدْ قلوبَهمُ        لطالما استعبدَ الأنسانَ إحسانُ

لقد أعطانا سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه درساً في حلِّ مشكلة كتلك، عندما جاءه أحد أثرياء المدينة المنوّرة يطلب منه قطع أيدي بعض عماله الذين سرقوا من بستانه في عام الرمادة (المجاعة). فما أن علم أمير المؤمنين بِعَوَز أولئك الأجراء وجوعهم رغم إيفائهم رب العمل حقه، حتى صاح آمراً ذلك الثري الجشع أن يطعم جوعتهم، وهدّده بقطع يده هو إذا اضطرهم بسبب الجوع للسرقة مجدداً.

ما نفعله بحق الخدم يعطينا مؤشراً على حجم التجبر والطغيان في نفوسنا، إلا أن ثمة سبباً يمنعنا من رؤية تلك الحقيقة، وتتمثل في أننا لا نملك دولاً نحكمها حتى يتحول الواحد منا إلى شبيه لفرعون.

*       *       *

وحتى نصل إلى علاج، فأزعم أننا نحتاج إلى استعادة مفهوم صحيح للإنسانية، مجردٍ من توصيفات الجنس والجنسية والدين والمستوى المعيشيِّ. ذلك أن الرفاهية في مجتمعاتنا، الخليجية تحديداً، أعمتنا عن المشترك الإنساني بيننا وبين من تغربوا عن أوطانهم وأهليهم بسبب الحاجة ليقوموا لنا بسائر شؤون حياتنا.

ويسبق ذلك الأمر، فإن إدراكنا لديننا الحنيف يحتاج إلى مراجعة شديدة في هذا السياق، كما هو الحال في أمور أخرى كثيرة. ذلك أن التدين المعاصر بات في عمومه قاصراً على أداء الشعائر وممارسة الطقوس الدينية، فيما تجاهل حقيقة أنّ (الدِّينُ المُعَامَلة) كما بيّن العلماء. و(المُفلِسُ) كما عرَّفهُ لنا نبي الإسلام ﷺ هو الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ولكنه طغى على حقوق العباد بأن شتم وقذف وسفك دماء الناس وأكل مالهم وضرب ضعيفهم {فيُعطى هذا من حسناتِهِ وهذا مِن حَسناتِهِ، فإن فنِيَتْ حسناتهُ قبل أنْ يُقضَى ما عليهِ أُخِذ من سيئاتِهمْ فطـُرحَتْ عليهِ ثمَّ طـُرحَ فِي النَّار}.

لقد وجّه إلينا الحبيب عليه الصلاة والسلام توجيهات واضحة ودقيقة حيال كيفيّة النظر إلى الأجراء ومن قبلهم العبيد والأسلوب المتوافق مع شرع الربّ تقدّس في عُلاه في معاملتهم، فقال {إخوانُكم خَوَلُكُمْ، جَعلهُم اللهُ تحتَ أيدِيكُمْ، فمَنْ كانَ أخوهُ تحتَ يدِهِ فليُطعِمْه مِمّا يَأكلْ، وليُلبِسهُ مِمّا يَلبِسْ، ولا تُكلّفُوهُم ما لا يُطيقونَ، فإنْ كَلّفتُمُوهُم فَأعِينُوهُمْ}.

إذن، هم إخواننا أوّلًا قبل أن يكونوا خَوَلنا (أيْ من يُصلحون شؤوننا ويتخوّلون رعاية أمورنا) وعلينا بالتالي أنّ نحبّ لهم ما نحبّ لأنفسنا حتى نستكمل الإيمان، وهم بعد ذلك تحت أيدينا فنحن رُعاة لهم وواجبنا نحوهم هو مساواتهم بنا في المأكل (الذي يناسب كلينا) والملبس (فليس ثمّة لباس يُميّزهم عنّا كما هو حاصلٌ مع الخادمات الآن) ونحنُ ممنوعون من تكليفهم بما لا يطيقون من الأعمال سواء بالكمّ أو الكيف، وإن حصل من ذلك شيءٌ فواجبنا إعانتهم في كافّة تلك الأعمال. فليس ثمّة عُذرٌ يمكن قبوله لتبرير المعاملة غير الآدميّة التي نشهدها بين ظهرانينا، وإلّا كُنّا لهم ظالمين.

وحيث كانت آخرُ وصية له عليه الصلاة والسلام هي {الصَّلاةَ، الصَّلاةَ، وما مَلَكَتْ أيمانُكُم}، فما عساه يقول حين يرانا نعامل الأجراء معاملة نهانا أن نعامل بمثلها العبيد؟

*       *       *

آخر الكلام، قول خير الأنام، عليه الصلاة والسلام {مَنْ لا يَرحَمْ، لا يُرحَمْ}.


خطيئة الخدم

شاركنا رأيك • Share Your Views ↓

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.