كُلّما اقتربَ الموتُ

مقالة نُشرت قبل عشرة أعوام، تعاود الإلحاح اليوم.


كُلّما اقتربَ الموتُ

 

قبل بضعة أعوام، عَتِبت عليَّ إحدى زميلات العمل أنْ فات ما سمّتْهُ “عيد ميلادها” دون أن أقدمّ لها هدية أو أبارك لها تلك المناسبة.

ورغم أنني لم أعرفها آنذاك بالقدر الكافي، على الأقل ليس بما فيه الكفاية لأعرف تاريخ ميلادها أو حتّى أن أهتمّ به، فإنني أعلمتـُها أنني لا أرى ما يُسمّى زورًا وبُهتانًا “عيد ميلاد” مناسبة تستحق العناء ناهيك عن الإهداء. وكان مما قلتُه، فضلاً عما ينبغي مراعاته أصلاً في الجانب الشرعيّ، إنّ الناس في هذا اليوم يتوقفون ملتفتين للخلف للنظر إلى حيث اليوم الذي فيه وُلدوا، ولكنهم يتغافلون عن رؤية ما هو مقبلٌ عليهم وهو يوم الموت الذي بات أقرب مما كان عليه قبل عام، وعليه، فإنّ من غير المعقول لذي لُبٍّ حكيمٍ أنْ يُضيّفَ الناس كعكًا فيما هو يحتفي بيوم موته العاجل!

زميلتي تلك جاءتني بعد أيام تشكرني على المعروف الذي أسديته لها بحديثي عن حفل الميلاد، وقالت لي إنها نقلت كلامي لإحدى صديقاتها وهي تتعهّد ألّا تحتفل بهذه المناسبة مُطلقًا.

*         *         *

أذكر هذه الحادثة كلّما صادف يومُ ميلادي، وبناءً على موعظتي تلك، فإنّني دأبت على التوقف في تلك المناسبة لأسأل نفسي ذات الأسئلة التي أطرحها كلّ عام، فيما أقف على عتبة موتٍ ليس عنه محيد: ما الذي فعلته فيما مضى؟ وما الذي أهملته؟ وما الذي تنوي فعله في القليل الباقي؟

في هذا العام، قررت تصفية ما أسميه بـ(الصّداقات الفارغة).

فلقد كنت في السابق، مثل كثير من النّاس، أسعَدُ جدًا عندما أرقبُ قائمة العناوين في هاتفي النقال أو بريدي الإلكتروني تزدادُ يومًا بعد آخر. وكنت أظنّ، كما يظنّ الكثيرون، أنني بهذا أبني صداقاتٍ مع أناس جُدُد، وأوثقُ ما لديّ أصلا ً من صداقات.

لولا أنني اكتشفت، وبالطريقة الصعبة، أنّ كثيرًا من تلك العناوين ليس سوى أرقام تزيد بها القائمة، ولا تعني الكثير في عالم العلاقات الحقيقيّ، ذلك أنّها مُفرغة من الإحساس بالمسؤولية والالتزام الصادق تجاه من يوصفون بأنّهم أصدقاء أو أحبّة. ولو لم أكن دائمًا من يبادر بالاتصال أو المراسلة، لما كان بيني وبين بعضهم أدنى رابط لسنوات عديدة. وقد كان من بين أصحاب تلك الأرقام أو العناوين من لم يتواصل معي ولو مرة واحدة بعدما أعطاني رقمه بغرض “التواصل” كما زعم، بل إنّه لم يكن يجيبني أيضًا حتى عندما كنت أنا المبادر في ذلك. وإذا كان ثمة اتصال ما، فهو في الغالب لمصلحةٍ شخصيةٍ للمُتصِل، وليس للمُتصَل به.

بعض أولئك “الأصدقاء” تلقوا رسالة لم يألفوا مثلها مِنّي، مفادها أنني عزمت على إزالة أرقامهم وعناوينهم الإلكترونيّة والتي مفادها إنهاء العلاقة معهم بشكل أكثر وضوحًا وشفافية مع الذات، وذلك لما خبـِرته منهم من إهمال لما افترضته فيهم – واهمًا – صداقة وثيقة. ولأنهم استغربوا واستنكروا مني تلك اللهجة الجديدة فإنّي أعلمتهُم أنّ الحياة قصيرة بما فيه الكفاية، ولست مستعدًا بالتالي أن أضيّعها على من لا أحسبه يستحقّ أن أتحمّل مسؤوليّة الصداقة من جانبٍ واحدٍ تجاهه!

العجيب أنّ بعضَهم وجدَ من الوقت ما يكفي لكتابة رسالة أو حتّى رسائل مُطوّلة لتبرير التقصير الحاصل منه تجاه علاقة ما فتئت الهوة تزداد بيننا فيها. وبدا الأمر طريفًا عندما تكاثرت تلك المراسلات والردود في فترة وجيزة جدًا، لدرجة أنني أخبرتُ أحدَهُم في آخر الأمر “إنّ إمكانيّة أن أتلقى منك رسالة بدت أكبر بكثير عندما خاصمتك عمّا كانت عليه عندما صادقتك!”

أمّا من اعتذر وأراد أن يعيد بناء العلاقة مجددًا، فإنّني طلبته التمهلَ بضعة أسابيع أو حتى أشهر ليثبت له صدق رغبته في التواصل الحقيقيّ. وعللتُ ذلك برغبتي ألا تكون رغبته تلك محكومة بالعاطفة أو حتى الشعور بالذنب، إنما لأنه عازم على أن يتحمل التزامات تلك العلاقة. فالصداقة ليست كلها معشرٌ طيبٌ أو جلسة مؤنسة، فهناك ساعاتُ الغضَب وأوقاتُ الضِّيق وأيامُ العُسر، وكلها تحتاجُ صديقًا صدوقًا صادقَ الوعدِ مُنصفًا. وقد أثبتت التجربة بعد ذلك أنّ القليل من هؤلاء من صدق مع نفسه في إيفائه بوعد الصدق.

ذلك أنّ ممّا أُعلِّمه في دوراتي التدريبيّة الشخصيّة في مسألة التعرّف على الذات باستكشاف القيم الشخصيّة العُليا، أنّ المرء لا يُخصّص وقتًا أو طاقةً أو مالاً ليبذله في أمرٍ ما إلّا إذا كان ذات قيمة عُليا بالنسبة له. فإذا وجدت أنّك تتوانى عن ادّخار شيءٍ من ذلك وتتكاسل عن المبادرة لفعل شيء تجاهه (مثل التواصل مع شخصٍ ما) فإنّ معنى ذلك ببساطة أنّ ذلك الشخص ليس من ضمن قائمة أوليّاتك، ولا تجد له أهمّية في حياتك. وعليه فإنّ ادعاء أنّه “صديق” لا يتجاوز أن يكون شبيهًا بصداقات وسائل “عدم” التواصل الاجتماعيّ التي تُلصق ذلك التوصيف بكُلٍّ من ضغط زرًّا يطلب فيه إضافته لقائمة معارفك، لا أكثر!

وعندما يُدرك الواحد منّا ذلك، فإنّه سيتخفّف من الكثير من مشاعر الذنب وتأنيب الذات، لأنّه أوّلاً سيتعرّف حقًّا على ما يعتبره ذا قيمة في حياته، وكذلك لأنّه سيدرك أنّ تلك القائمة من الأسماء والعناوين ليست صداقات أصلاً، ولا ينبغي النظر إليها على أنّها كذلك. فالصداقة الحقيقيّة تبدأ مع الذات قبل الآخر وذلك بأن يكون المرء صادقًا مع نفسه، وإذا عجِز عن ذلك فسيكون في الصدق مع غيره أعجز.

*         *         *

لقد علّمني يوم ميلادي أنني ميتٌ لا محالة، وحيث يقول من مرّ بتجربةٍ قريبةٍ من الموت إنّ شريط حياتك يمر أمام عينيك في ثوان، فإنني أريد أن يحملَ شريط حياتي لقطات أحبّ رؤيتها قبل أن أوَدّعَ دنيانا هذه، وتلك الصداقات الفارغة قطعًا ليست من جملة ما أحبّ إنفاق عمري فيه.

ومما يُروى عن الإمام الحسن البصري رضي الله عنه أنه كان يسير في جنازة، فأشار إلى الكفن المحمول وسأل رجلاً بجواره: أتراهُ لو عادَ إلى الدنيا، أكان يصنع نفس ما صنع في حياته؟ (بمعنى تقصيره البشري في عمل الخير)، فأجابه الرجل مُستهجنًا ذلك: كلا! فقال له الإمام: فإن لم يَكن هُوَ، فكُنْ أنت!

للهِ ما أصدقها من مقولة: إن لم يكن هو، فلأكن أنا إذن!

*         *         *

كلّ عام يقتربُ فيه موتكم وأنتم لأنفسِكم أحبّ، وإلى اللهِ تعالى أقرب!

شاركنا رأيك • Share Your Views ↓

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.