حَتّى تَقطعَ ذلكَ الحَبْل

عندما يولد الطفل يخرج معه حبلٌ جلديٌّ ممتدٌّ من رحم الأمّ التي أنجبته يتّصل بسُرّته وإليها يُنسب، ولذلك يُعرف باسم”الحبل السُّرّيِّ”. غرض ذلك الحبل توفير الغذاء والهواء للجنين أثناء وجوده في بيئة لا يمكنه استخدام الحواسّ والأعضاء التي أوجدها اللهُ سبحانه وتعالى له في جسده قبل خروجه إلى الحياة مستقلاًّ عن والدته، وهما في هذه الحالة الفمّ لتناول الطعام والأنف للتنفّس.

وظيفة هذا الحبل تنتهي بمجرّد الولادة، إذ إنّه يُعقد في أقرب موضعٍ منه لبطن الوليد بقطعة بلاستيكيّة تمنع دخول أيّ شيءٍ إليه بحيث يُؤثّر على صحة الوليد، ويُقطع الجزء الباقي منه، ومع مرور الأيّام وانعدام استخدام تلك القطعة الزائدة، فإنّها بدورها تضمر وتتحوّل إلى حالة من الموات بحيث تسقط بشكلٍ تلقائيٍّ من موضعها ليبقى أثرها في تلك السّرة التي نبصرها في البطن، بعدما أدّى ذلك الحبلُ وظيفته الماديّة المطلوبة في فترة الحمل.

إلا أنّ ما لا ينتبه له وُلاة الأمور – وأنا أشير إلى الآباء والأمهات بالدرجة الأولى، لا إلى القائمين على أمر الدولة، وإن كان الكلام قد ينطبق عليهم لاحقًا بدرجة أو أخرى – هو أنّ هناك حبلاً آخر لا تُبصره العيون وإنْ كانت نتائجه ماثلة لذوي البصيرة.

ذلك الحبل في حقيقته حبلٌ نفسيُّ يمتدّ بين ذاتِ الطفل الوليد وبين ذاتِ والدته التي ترفضُ التخلّي عنه وإطلاقه من إسارِ رحمِها العاطفيّ، فهو لا يزال يتزوّد بتلك المشاعر والأحاسيس التي تُمدّه بها تلك الأمّ. وهو وإن أضحى منفصلاً عنّها جسديًّا بحكم انقطاع الحبل السُّرّيِّ فإنّه لا يزال متّصلاً بها بقيد الحبل النفسيِّ الذي يأبى الضّمور ومن ثمّ الانقطاع لوحده، إذ إنّه ما فتئ يُستخدم باستمرارٍ منذ ساعة الولادة.

أثرُ ذلك الحبل النفسيِّ تجدُه في انعدام قدرة الطفل – الذي يكبر جسديًّا يومًا بعد آخر – على الاستقلال عن أمّه في كَيْنونتِه، فيبقى في نظر ذاته لنفسه، وكذلك في نظرها هي له ابنَها الذي لم يخرج بعد من رَحِمِها النفسيِّ، وهو ما تظهر علاماته عليه في حياته طيلة عمره، وتخرج شواهده على المجتمع ما بقي حيًّا، حتّى لو ماتت أمّه ودُفنت في قبرها. إذ إنّ ذلك التعلّقَ المَرَضِيَّ بالوالدة يستبقي الوليد – أيًّا كان عمره – في حالة جنينيّةٍ نفسيّةٍ يعجز معها عن ممارسة حياته الطبيعيّة في معزل عن مشاعر الأم وأحاسيسها التي قد تكون قاتلة بالنسبة له دون علم أحدهما بذلك.

تُبصر ذلك الحبل النفسيّ في حرص الوالدة على ابنها من أن يقع له مكروه لازمٌ في حياته، كأن يتعثّر عندما يحاول المشي لأنها لا تريد أن يُصاب بألمٍ.

تُبصره في دوام إرضاعها له حتى بعد أوان الفطام، وإطعامه وجبته حتى وإن أمسى قادرًا على تناولها بنفسه.

تُبصره في استبقائه إلى جوارها واستعادته دومًا إذا ابتعد عنها زحفًا أو حبوًا أو مشيًا أو دراسة أو وظيفة أو زيجة.

تُبصره في قراراته التي تبحث دائمًا عن “رضا الوالدين” وخاصّة “رضا الأم” الذي إن فاته فقد “يدخل النار” حتى وإن كان ذلك على حساب رغباته وطموحاته وآماله، لأنّ الجنّة – حرفيًّا كما يبدو – {تحت أقدام الأمّهات}.

تُبصره في تقديمه إيّاها على ذاته وأهله وعياله، لا من باب البرّ بالوالدين المأمور به شرعًا، بل من باب الشعور بالذنب تجاه أمِّهِ، دون أن يعرف ذنبًا حقيقيًّا ارتكبه في حقّها ما عدا أنّه أراد أحيانًا أنْ يعيش حياته هو لا حياتها هي فيه.

تُبصره في توقّعاته في زوجته التي “لا تطبخ مثل أمّه” و “لا تعتني بالأطفال مثل أمّه” و “لا تقوم بتدليله مثل أمّه”.

تُبصره في انعدام قدرته على أن يحيا سويًّا، قادرًا على الإنجاز، محتملاً المسؤوليّة سواء مع نفسه أو في علاقاته بالآخرين.

تُبصره في معاملته لأطفاله الذين يعانون من محاولاته الدائمة أن يعيش حياته الضّائعة من خلال حياتهم المأمولة، فيفرض عليهم ما كان عاجزًا عن ممارسته في حياته الباكرة لأن كان سيُغضب أمّه إن هو فعل ذلك.

تُبصره في شيخوخته المبكّرة التي تفرض عليه حياة من الأمراض الجسديّة والآلام العاطفيّة والصّدمات النفسيّة والفواجع الذهنيّة، لأنّه لم يتمكّن من تطوير جهازٍ وقائيٍّ من العدوى الشعوريّة أو تنمية قدرة شخصيّة على التعامل مع الآلام النفسيّة، لأنّه بقي جنينًا في رحمٍ لم يخرج منه إلى الحياة التي يواجه فيها تلك الأمور مواجهة الإنسان الطبيعيّ القادر على التعافي من كافّة العوارض التي تعنّ له في الحياة.

تُبصره في شعوره المُمتدّ باليأس، وعُمُره الغامر بالتسيير، وذاتِه التي بقيت طفلة لم تكبر، إذ لم يكن في استطاعتها ذلك وهي ما تزال جنينًا في ذلك الرحم النفسيِّ الضيّق.

تلك حياةٌ لا يؤسف كثيرًا على صاحبها عندما يموت… ذلك أنّها حياة بلا طعمٍ ولا نكهة، بل حالة من الموت عاشها صاحبها منتظرًا إلى أن يأتيه الأجل فيُوارى التُّراب، وذلك قبل أن يكون له دورٌ في حياته هو.

أختِمُ الكلام بالسؤال: هل هذه هي حياتك أنت؟ وإذا كانت كذلك، فما عساك الآن فاعل لتغييرها؟! ذلك أنّ {اللهَ لا يُغيِّرُ مَا بقَوْمٍ حَتّى يُغيِّروا مَا بأَنْفُسِهِمْ}، صدق الله العظيم.

2 thoughts on “حَتّى تَقطعَ ذلكَ الحَبْل

  1. مهما حاولنا أن نقطعه فلن يُقطع.

    دور الأبوين أن يحييا فيه روح المسؤولية والمبادرة، ويقتنعا أنّ هذا هو الدور المنوط بهما، والابتعاد عنه مسافة عشرة أمتار، ومشاهدته كيف يؤدي دوره وإنجازه نحو هدفه، ومن ثمّ دعمه.

    الآن السؤال موجه لي: ماذا عساي أن أفعل بالنسبة لي؟

  2. مقال جميل فعلًا، نحتاج لأن نقطع ذلك الحبل السّريّ حين يكبر الوليد حتى لا يكون عالة على والديه.

Leave a Reply to فريد Cancel reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.