خطيئة التموين

مُنعت هذه المقالة من النشر في إحدى الصحف القطريّة.


خطيئة التموين

 

حالة الضحك التي انتابتني عندما اطلعت على قائمة الأطعمة المُتّهمة بإضعاف الجهاز المناعيّ لم تكن لأنّها تُمثّل السفرة الخليجيّة فحسب، فالسبب الآخر هو حقيقة أنّ الحكومة هي التي تُزوّدنا بتلك الأطعمة عبر خدمة التموين!

وبينما تسعى حكومتنا مشكورة لحصر الوباء وحماية البلد منه، فمن المهمّ مُراجعة نمط حياتنا الذي يُيسّر انتشار ذلك الفيروس، والذي يمكن تحصين أبداننا منه بشكلٍ طبيعيٍّ ابتداءً.

*       *       *

ما يعنينا مِمّا وَرَد في القائمة هو: الرّزّ الأبيض، والسكّر الأبيض، وكافّة المقليّات (خاصّة زيت الذرة) إضافة إلى ما تخالطه المواد الحافظة.

ولست بحاجة لتذكير القطريّين أنّ القائمة تعني غالبيّة طعامهم اليوميّ، وكذلك قائمة التموين التي تمنحهم الدولة بأسعار مخفّضة باعتباره مؤونة البيت وهي الرّزّ والسكّر وزيت الذرة والحليب المُبخّر (وهو ليس حليبًا البتّة)، ويا لها من مؤونة!

*       *       *

يُمكن تفهّم الظروف التي أنشأت الحاجة لمعونة التموين (وهي قطعًا معونة) منذ خمسينيّات القرن الماضي، عندما استدعت ظروف معيشة أهل البلد تدخّل الحكومة لتمكينهم من تحصيل احتياجاتهم “الطعاميّة” نظرًا لضعف قدرة عديد أرباب الأسر المادّية لعملهم في وظائف لا تغطّي احتياجاتهم.

لكنّ الظروف تغيّرت، واختلف معها حال غالبيّة المجتمع الساحقة، والذي اكتسب مؤهلات تعليميّة وترقّى في المناصب الوظيفيّة وبات دخل الفرد يتزايد مع طفرة النفط، حيث اقتصرت الحاجة على فئات خاصّة من المجتمع تستحقّ المعونة، ولم يعد الأمر ينطبق على بقية المجتمع المُرفّه.

*       *       *

ما أراه شخصيًّا أنّ استمرار التموين يُعدّ خطيئة ترتكبها الحكومة بحُسن نيّة، وهي خطيئة متعددة الأوجه

أوّلها منحُها لمن لم يعد يستحقّها، ومنعها (أو التسبّب فيه) عن الأسر ذات الحاجة الحقيقيّة والتي تعتاش على رواتب الضمان الاجتماعيّ التي لا يتجاوز أيُّها ثمانية آلاف ريال، وهو مبلغ لا يكفي حاجاتهم في ظل التضخّم المتزايد الذي نشهده منذ عقدين. فكُلّ ريال يُنفق في دعم التموين مأخوذ ممّن هم أحقّ به في فئات الضمان.

ثانيها أنّ استمرار تحصيل التموين الحكوميّ هو تأكيد لقيمة الإعالة في نفسيّة المواطن وتثبيت حاجته الدائمة لمن يقوم على أمره ويهَبُه رغم استغنائه، فهو يستطيع توفير مؤونة أهله من راتبه المُرتفع أصلًا. وتثبيت قيمة الاعتماد على الغير يحرم المجتمع من قيمة الاستقلاليّة وتحمّل المسؤوليّة الشخصية والأسريّة. وهذا يعني أنّ الخطيئة هي تكريس الإعاقة الداخليّة لدى المواطنين بمنحهم التموين، في وقتٍ نحن أشدّ ما نحتاج استقلالهم فيه.

أمّا ثالثة الأثافي في خطيئة صرف التموين، فهو طبيعة التموين ذاته! فالمواد “الطعاميّة” التي اختيرت لتكون أساس ميرة الأسر القطريّة عندما بدأ العمل بهذا النظام هي ذات المواد التي نشهد مصائبها الصحيّة على أبناء الوطن وتُعطّل قدراتهم الجسديّة والذهنيّة والنفسية باستمرار. ولست بحاجة للتذكير بالأرقام المخيفة لنسب البدانة والأمراض المُزمنة المُصاحبة لها مثل السّكريّ وأمراض القلب وارتفاع الكوليسترول، وما يُصاحب ذلك من “قصّ المعدة” (كأنّ حجم المعدة هو المشكلة، وحاشا لله تعالى!)، ناهيك عن السرطان واختلال أداء الغُدد وعديد الأمراض التي تتسبّب فيها تلك المواد “الطعاميّة”.

وإذا لم يكن من الأمراض التي تُسبّبها مواد التموين سوى إضعاف الجهاز المناعيّ، والذي تُؤكّده تلك القائمة التي أضحكتني ضحكًا كالبكاء، فإنّ ذلك وحده سببٌ كافٍ لمُراجعة تلك الخدمة المجانيّة التي تُساعد على نشر الوباء، ناهيك عمّا تُهدره من أموالٍ طائلة تبلغ المليارات. والمبلغ ليس مبالغة بالمناسبة، فما عدا قيمة الدعم الذي تقدّمه الحكومة لصرف التموين، فهناك البنى التحتيّة الصحّية التي أُنشئت لعلاج الأمراض الناتجة عنه، وكافّة تكاليف تشغيلها. ناهيك عن المبالغ الطائلة التي تُنفق لأجل العلاج في الخارج حيث ارتفع المبلغ من نحو خمسمئة مليون ريال في 2009 إلى مليارين ونصف المليار عام 2014. ولنا أن نتخيّل مقدار الزيادة الممكنة خلال السنوات التالية!

ومن الضرورة التأكيد أنّ فيروس كورونا ليس فاتكًا كما يُساء الظنّ، ويمكن التصدّي له ببساطة عبر تمكين أجهزتنا المناعيّة الطبيعيّة لتقوم بالمهمة التي أوجدها الخالق سبحانه وتعالى لتأديتها. وعليه، فإنّ التغيير الذي ندعو إليه في نظامنا “الطعاميّ”، والذي يبدأ بالتوقّف عن توفير ذلك التموين القاتل، هو أحد الأسباب التي نتّخذها لمقاومة الوباء بعد التوكّل على الله عزّ وجلّ.

أقلّ ما يُقال في حقّ التموين أنّه بحاجة لمراجعة شاملة من حيث المستفيدين منه من جهة، ونوعيّة موادّه من جهة ثانية، والكيفيّة التي يُقدّم بها من جهة أخرى.

لقد قالت العرب من قديم “درهمُ وقايةٍ خيرٌ من قنطارِ علاج”. وإنّ إصابة أحدٍ ما بالفيروس، أو حتى الموت بسببه لا قدّر الله، سيكون جزاءً وفاقاً لتقصيرنا في شُكر نعمة العافية التي أنعمها الله علينا، وفرّطنا نحن فيها حفظها، ولنتأمّل قوله تعالى {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ، فبِمَا كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ، وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} صدق الله العظيم.

شاركنا رأيك • Share Your Views ↓

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.