خَطيئةٌ اسمُها الخَدَم

تقديم

المقالة التالية سبقت بسنوات عدّة اللقاء الموجود في الموقع باسم خطيئة الخدم، وإن كانت معنيّة بنفس الموضوع وبنفس النَّفس الحاضر في الحوار الإذاعيّ.


خَطيئةٌ اسمُها الخَدَم

 

قبل بضعة أيام لفت انتباهي مشهد سيدة قطرية دخلت إلى مقهى راقٍ بصحبة خادمتها الآسيوية.

شعرت منذ الوهلة الأولى بالدماء تجري ساخنة في عروقي، لما خِلتُه سيكون نسخة مكرورة من تلك الحالات التي تدخل فيه أي عائلة عربية لتتناول طعامَها تاركة الخدم يعتنون بالأطفال على طاولة أخرى. وينتهي الأمر بالخدم أن يحصلوا على بقايا طعام الأسرة، أو – في أحسن الحالات – أرخص طبق في قائمة الطعام.

بيد أنّ الأمر – ويا للغرابة – لم يكن كذلك.

إذ إنّ الشابة القطرية أجلست خادمتها على الطاولة وذهبت بنفسها تطلب كأسي عصير لهما وطبقاً من كعك الجبنة (cheesecake) غالي الثمن للخادمة. ورغم أنّني لم ألحظ حديثاً من أيِّ نوع يدور بينهما، إلا أنّني لمحتُ ابتسامة الخادمة عدة مراتٍ، وهو أمرٌ يندرُ حصوله بين الخدم وأرباب العمل في محيطنا العربيّ.

لم أستطع منع نفسي من التوجه إلى الشابّة القطرية عندما توجّهت لدفع الحساب لأشكرها على حسن صنيعها مع خادمتها. ورغم أنّها جَفلتْ مِنّي في البداية، ربّما ظنًّا منها أنّني أعاكسها، فإنّها بَدَتْ مرتاحة أكثر عندما عبّرت عن استحسانيْ معاملتها الآدمية للخادمة، وحقيقة أنها تعاملت معها على أنها إنسان بِغَضِّ النظر عن جنسيتها أو طبيعة عملها. وختمت كلمتي لها بأنْ سألت الله تعالى أنْ يُيَسِّر لها أبناءَ حلالٍ من أمثالها في درب حياتها، وانصرفت.

*       *       *

لا يحتاج المرءُ أن يكون مطلعاً على إحصائياتٍ أو دراسات اجتماعية في عموم الوطن العربي ليتعرف على بشاعة وضع العمالة الأجنبيّة (الآسيوية والأفريقيّة تحديدًا) فيه، فنماذج ذلك الوضع غير الإنساني ماثلة حيثما التفتنا. وما يجري على نطاق المؤسسات – الخاصة والعامة – ليس أفضل بحال مما يجري على نطاق الأفراد والأسر.

حسبك من ذلك ضيق الغرف المخصصة للخدم في منازلنا (دعك من سكن العُمّال). فغرفة الأجير (الخادمة، المربية، السائق، وغيرهم) لا يمكن أن تصل إلى نصف مساحة غرفة أصغر أبناء الأسرة المقيمة في نفس المنزل. وأعرف عن بعض أقربائي أنهم يستخدمون خادمتين اثنتين في جميع حاجاتهم في المنزل، بما في ذلك جلب كوب ماء أثناء تناول الطعام، ورغم ذلك فإنك لو فتحت باب الغرفة التي تسكنانها كلتاهما أثناء نومهما لضرب مصراع الباب رأسيهما المستلقيين على فراش على الأرض!

ناهيك طبعاً عن ساعات العمل الطويلة والمنهكة التي يدفع أرباب العمل خدمهم إليها منذ الصباح الباكر. فتجدهم أوّل من يستيقظ، وأطول من يعمل، وأقلّ من يأكل (مع ملاحظة أنهم يأكلون طعامنا الذي قد لا يناسبهم بالضرورة) وأكبر من يعاني، وأكثر من يُطلب، وأدنى من يرتاح، وآخر من ينام!

طبعاً، سيجادل البعض قائلاً: وما حاجة الخادم في غرفة كبيرة، أو وقت فراغ؟ وكأنّ الأجير يبنغي عليه أن يوقف حياته بأسرها لأهل البيت الذي يعمل فيه، ولا حقّ له في وقت يرتاح فيه أو يشاهد التلفاز أو حتى يخلو فيه إلى نفسه دون أن يشعر بالاختناق من ضيق الغرفة بينما يكدح ليعيل أسرته في ضيق الغربة.

ومجرد طرح أسئلة كتلك (وأنا لم أتحدث عن الرواتب المتدنية بعد) يشير إلى نظرتنا المختلة لمفهوم الإنسانية عندما تصبح جنسية الشخص أو مرتبته الاجتماعية أو مهنته سَدًّا يحول دون إدراكنا إياها.

هل يحقّ لنا، إذن، أن نستغرب بعض التصرفات الدونية التي يقوم بها بعض الخدم بحق أطفالنا؟ ولا شك أنّ كلاً منا اطلع ولو مرة واحدة على مقاطع مصورة لتصرفات بعض الخدم التي تعدم الإنسانية مع أطفال رُضَّع أثناء غياب الكبار عنهم.

لست أدافع – يقيناً – عن أولئك الخدم الذين عدموا الرحمة في قلوبهم، ولكني أرجو في المقابل حلّ المشكلة من جذورها؛ ألا وهي أن نعالج معاملتنا غير الإنسانية للكثير من الخدم. فانتقاص حقوقهم الإنسانية، ناهيك عن المهنية والشخصية، هي ما يدفع أكثرهم إلى صبِّ انتقامهم من كفلائهم على الأطفال العاجزين عن الشكوى. وصدق أبوالفتح البُسْتيِّ حين قال:

أحسِنْ إلى الناس تستعبدْ قلوبَهمُ        لطالما استعبدَ الأنسانَ إحسانُ

لقد أعطانا سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه درساً في حلِّ مشكلة كتلك، عندما جاءه أحد أثرياء المدينة المنوّرة يطلب منه قطع أيدي بعض عماله الذين سرقوا من بستانه في عام الرمادة (المجاعة). فما أن علم أمير المؤمنين بِعَوَز أولئك الأجراء وجوعهم رغم إيفائهم رب العمل حقه، حتى صاح آمراً ذلك الثري الجشع أن يطعم جوعتهم، وهدّده بقطع يده هو إذا اضطرهم بسبب الجوع للسرقة مجدداً.

ما نفعله بحق الخدم يعطينا مؤشراً على حجم التجبر والطغيان في نفوسنا، إلا أن ثمة سبباً يمنعنا من رؤية تلك الحقيقة، وتتمثل في أننا لا نملك دولاً نحكمها حتى يتحول الواحد منا إلى شبيه لفرعون.

*       *       *

وحتى نصل إلى علاج، فأزعم أننا نحتاج إلى استعادة مفهوم صحيح للإنسانية، مجردٍ من توصيفات الجنس والجنسية والدين والمستوى المعيشيِّ. ذلك أن الرفاهية في مجتمعاتنا، الخليجية تحديداً، أعمتنا عن المشترك الإنساني بيننا وبين من تغربوا عن أوطانهم وأهليهم بسبب الحاجة ليقوموا لنا بسائر شؤون حياتنا.

ويسبق ذلك الأمر، فإن إدراكنا لديننا الحنيف يحتاج إلى مراجعة شديدة في هذا السياق، كما هو الحال في أمور أخرى كثيرة. ذلك أن التدين المعاصر بات في عمومه قاصراً على أداء الشعائر وممارسة الطقوس الدينية، فيما تجاهل حقيقة أنّ (الدِّينُ المُعَامَلة) كما بيّن العلماء. و(المُفلِسُ) كما عرَّفهُ لنا نبي الإسلام ﷺ هو الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ولكنه طغى على حقوق العباد بأن شتم وقذف وسفك دماء الناس وأكل مالهم وضرب ضعيفهم {فيُعطى هذا من حسناتِهِ وهذا مِن حَسناتِهِ، فإن فنِيَتْ حسناتهُ قبل أنْ يُقضَى ما عليهِ أُخِذ من سيئاتِهمْ فطـُرحَتْ عليهِ ثمَّ طـُرحَ فِي النَّار}.

لقد وجّه إلينا الحبيب عليه الصلاة والسلام توجيهات واضحة ودقيقة حيال كيفيّة النظر إلى الأجراء ومن قبلهم العبيد والأسلوب المتوافق مع شرع الربّ تقدّس في عُلاه في معاملتهم، فقال {إخوانُكم خَوَلُكُمْ، جَعلهُم اللهُ تحتَ أيدِيكُمْ، فمَنْ كانَ أخوهُ تحتَ يدِهِ فليُطعِمْه مِمّا يَأكلْ، وليُلبِسهُ مِمّا يَلبِسْ، ولا تُكلّفُوهُم ما لا يُطيقونَ، فإنْ كَلّفتُمُوهُم فَأعِينُوهُمْ}.

إذن، هم إخواننا أوّلًا قبل أن يكونوا خَوَلنا (أيْ من يُصلحون شؤوننا ويتخوّلون رعاية أمورنا) وعلينا بالتالي أنّ نحبّ لهم ما نحبّ لأنفسنا حتى نستكمل الإيمان، وهم بعد ذلك تحت أيدينا فنحن رُعاة لهم وواجبنا نحوهم هو مساواتهم بنا في المأكل (الذي يناسب كلينا) والملبس (فليس ثمّة لباس يُميّزهم عنّا كما هو حاصلٌ مع الخادمات الآن) ونحنُ ممنوعون من تكليفهم بما لا يطيقون من الأعمال سواء بالكمّ أو الكيف، وإن حصل من ذلك شيءٌ فواجبنا إعانتهم في كافّة تلك الأعمال. فليس ثمّة عُذرٌ يمكن قبوله لتبرير المعاملة غير الآدميّة التي نشهدها بين ظهرانينا، وإلّا كُنّا لهم ظالمين.

وحيث كانت آخرُ وصية له عليه الصلاة والسلام هي {الصَّلاةَ، الصَّلاةَ، وما مَلَكَتْ أيمانُكُم}، فما عساه يقول حين يرانا نعامل الأجراء معاملة نهانا أن نعامل بمثلها العبيد؟

*       *       *

آخر الكلام، قول خير الأنام، عليه الصلاة والسلام {مَنْ لا يَرحَمْ، لا يُرحَمْ}.


خطيئة الخدم

Video

خطيئة الخدم

المسمع الصوتيّ التالي هو حوار أجراه معي الإعلاميّان الفاضلان: عقيل الجناحي وعبدالرحمن الحرميّ في البرنامج الإذاعي كيف أصبحت؟ في حلقة الأربعاء 21/ كانون الثاني، يناير/ 2015.

الحوار جاء في سياق فقرة ردّة فعلك والتي تناولت موضوع هروب الخدم، وفيه ألقيت قصيدة خواطر نَفَرٍ زَعيف وهي من الشعر “الحَلمَنتيشيّ” الذي تختلط فيه الكلمات العاميّة بالعربية الفصيحة.


خَطيئةٌ اسمُها الخَدَم

Video

دور الشعر في تناول القضايا الوطنيّة والاجتماعيّة

اللقاء التالي هو الجزء الخاص بي من حوار دار في برنامج حياتنا على شاشة تلفزيون قطر، أجراه معي الإعلاميّان الفاضلان: أحمد المالكي وعبدالرحمن الشمّري، في تشرين الثاني، نوفمبر/ 2018.

الحوار جاء في سياق التعريف بديوان قصائد في زمن الحصار ودور الشعر في تناول القضايا الوطنيّة والاجتماعيّة.

للراغبين في مشاهدة الحوار كاملًا، فيمكنهم الرجوع إليه عبر الرابط التالي: برنامج حياتنا – الحلقة 284.

 

ماذا سَيَفعَلُ الأمرِيكِيُّ؟

تَظنُّ كثرةٌ كاثرةٌ من المسؤولين الكبار لدينا أنَّ جلب موظفين أمريكيِّين، أو غربيِّين “بيض” على العموم، هُو ما سَيَحُلُّ مشاكلنا. وهذا الظنّ يتجسّد في الحرص على تقديم الغربيِّ على غيره في المناصب القياديّة والتي تحتاج إلى خبرةٍ وحُسنِ إدارةٍ وأسلوبِ عملٍ مِهَنيٍّ، وهو ما يتِمُّ بِغَضِّ النّظر عن حقيقةِ مؤهلاتِه وخبرتِه مقارنة بغيره من الجنسيّات الأخرى، ناهيك عن أبناء الوطن.

ولأنّ {بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}، فإنّ من المُفيد البحث في مِصداقيّة هذه النَّظرة ومدى توافقها مع واقع الحال. ذلك أنّ أولئك المسؤولين يَرون في المدافعين عمّن يعتبرون أنفسَهم ذوي حقٍّ في تلك المناصب دونًا عن نظرائهم من الغربيين، إنّما ينطلقون من نظرةٍ عصبيَّةٍ في مسألةِ الانتماء لا مسألة الكفاءة. وحتى لا نكون ضمن قائمة الاتهام تلك، فإننا نعرض هذا المثال، للوصول إلى ذلك المآل.

*      *      *

ذات مرّةٍ دُعيتُ إلى عشاءِ عَملٍ مع صديقٍ أمريكيٍّ يَشغلُ مَنصِبًا في وزارة خارجيّة بلادهِ إلى مطعمٍ تابعٍ لفندقٍ عالميٍّ مشهورٍ، مُرصَّعٍ بالنُّجوم الخَمسِ على مَدخلِهِ.

وَرَغمَ أنّ المواصفات سابقة الذِّكرِ تُوحيْ بأنّها تجربةٌ “لتذوّق الجَنّة” فإنّ التجربة نفسها لم تكن تمامًا كذلك. فرغم أنّ نادلة الاستقبال في المطعم قادتنا إلى طاولة بعينها، فإنّنا انتظرنا بضعَ دقائق حتى جاءنا أحدُهم بقائمةِ الطعام، وانتظرنا بضع دقائق أخرى حتى جاءنا من يأخذُ مطلوبنا.

الانتظار لم يكن وحده السِّمة المُميزة للتجربة، فعندما جاءتنا الأطباق الرئيسية، لم يُكلّف أحدٌ من النَّدَلة نفسَه بتنظيفِ الطاولة من فُتات الخبزِ المُتناثر جَرّاء تناول المقبّلات، فَضلًا عن أنّ أحدًا منهم لم يَعرِضْ علينا تغييرَ طاقم الفِضّيات باعتبارِهِ جُزءًا من تقاليد المطاعم العريقة.

ورغم تناوب نحو خمسةٍ من نَدَلَةِ المطعم، بِرُتبٍ وأجناسٍ وجنسياتٍ مختلفة على خدمتنا، فإنَّنا اضطُرِرنا للتّصويتِ عليهم مَرّات عِدَّة بما بدا أقربَ إلى الصُّراخ رَغمَ قُربِهِمْ مِنّا، وذلك حتى نُعطيهم حسابَهُم!

ورغمَ كُلِّ ذلك، وَطِبقًا للعُرف الأمريكيِّ، فإنّ مُضَيِّفي تَرك مَبلغًا مُعتبَرًا من المال لفاتورةٍ باهظةِ الثَّمَن أصلًا، خاصَّة إذا قُورِنَتْ بِكَمِّيَّة الطعام المُقَدَّم!

*      *      *

الآن، كيف تعنينا هذه القصَّة في التّحقّقِ من مِصداقيَّة ظنّ مسؤولينا الكرام بخصوص القدرات التي يحسبونها استثنائيّة لدى الأمريكيِّ عن نظيره العربيِّ؟

نحتاج للإشارة في هذا السِّياق إلى أنَّ نظامَ الخدمة في مطاعم الولايات المتحدة يختلفُ عَمّا لدينا هنا.

فالعُرفُ السَّائدُ يَقضيْ بأنَّ النّادل هُو الوجهُ الذي يَعتني بضيوف المطعم وراحتهم، فيما يعتني الطباخون بطعامهم، ممّا يعني أنّ نظام العمل يُفرِّق بداية بين جُودةِ المُنتج (المأكل والمشرب) وجودةِ الخدمة (أسلوب التقديم).

ولذلك فإنّ إدارات المطاعم هناك تدفعُ مبالغَ معتبرة للطَّبَّاخين (كبير الطباخين – المعروف بـ”الشيف” – على وجه الخصوص) لضمان جودة الطعام المُقدّم للزبائن. ولذلك فإنّ لديك الحقّ – أيُّها الزّبون – في إرجاع طبقك إذا لم تجده موافقًا لتوقعاتك، إذ إنّ إدارة المطعم مسؤولة عن جودة أداء طبَّاخيها.

أمَّا النّدلة، فإنَّهم في الغالب يحصلون نظير عملهم من إدارة المطعم على دولارات لا تزيد أحيانًا عن ستة أو سبعة دولارات للساعة الواحدة. ورغم هذا فإنّ كثيرين منهم يَجنُون مبالغَ معتبرة في كلّ يوم عمل، لدرجة أنّ بعضهم يمكن أن يحصل على بضع مئات من الدولارات في الورديّة الواحدة.

نظام العمل والرواتب هذا تصاحبه سياسة (نادل لكلّ طاولة) ومن خلاله يتمّ تخصيص طاولاتٍ بعينها لكلِّ نادلٍ ليُلبِّي احتياجات جُلّاسِها، وهذا التخصيص يشمل حصول النادل على كامل الإكراميّة المَتروكة مع فاتورة الحساب. وفي حين يَضمَنُ الطّبّاخُ لقمةَ عَيشِهِ بإتقانِ فَنِّهِ في الطبخ، فإنّ النّادل يسعى جُهدَهُ لِنَيْلِ رِضا الزّبون بحيث يدفعُ له هذا الأخيرُ استحقاقَ رعايتِه له أثناء تجربة تناول وجبته.

ولهذا فإنّك في مطاعم أمريكا تجدُ أنَّ النّادل بعدما يقودُك إلى طاولتك يُعرّفُكَ باسمِه أوَّلًا حتى لا تعتازَ للطَّلَب من غيرِه، وأنت على الأرجح ستراه حاضرًا كُلّما احتجْتَه، وأحيانا حتى عندما لا تحتاجه، فهو يُدرِكُ جيدًا أنّ راحتك على الطّاولة تعني مَزيدًا منَ الكَرَم منْ لَدُنكَ لِأجْلِهِ.

هذه الثقافة معدومةٌ تمامًا لدينا حتى في مطاعم النجوم الخمس، إذ إنّ العاملين في المطعم يجمعون إكراميّات الزبائن ويتقاسَمونها بينهم مع نهاية وَردِيَّاتِهم.

والفرقُ بينَ هذا النظام والنّظام الأمريكيّ أنّ نظامَهم يكافئُ العاملَ تبَعًا لجُهدِه وإتقانِه، أمّا عندنا فإنّه يعنيْ مُساواة المُحسنِ بالمُسِيء، وما يترتَّبُ على هذه السّياسة فعليًّا هو أنْ يُعاقِبَ المُحسنُ بإعطائِه أقلَّ مِن حقِّهِ، ويُكافِئ المُسِيءِ بِنَيْلِه ما لا يَستَحِقّ. ويَتِمُّ بذلك تكريسِ قِيَمِ اللامبالاةِ وانعدامِ الدَّافعيَّة، بِمَا أنّ الجميعَ يقفون على قَدَمِ المُساواةِ عند كَرَمِ الزُّبون، سواءٌ فيهِم باذلُ الجُهدِ والمُخلِدُ إلى الأرض.

إذن، الأمرُ قائمٌ على نظامٍ مَبْنِيٍّ على رُؤيةٍ واضِحَةٍ ومُتكاملةٍ للأمورِ في بلادِهِم، وليسَ مُتعَلِّقًا بِزُرقَةِ عُيُونٍ أو شَقارِ شَعرٍ أو بَياضِ بَشرةٍ.

وَليسَ أدلَّ على ذلك من أنّك ترى الغربيّين يعجزون عن إنجاز مثل ما يُمكنهم فعلُه في بلادِهم عندما يَعملونَ بينَ ظُهرانينا، فأنظمةُ العملِ المُتعارف عليها هنا تلتزمُ بالرُّوتين أكثر من التزامها بالإنجاز. وعليه، فإنّ الأشخاص، أيًّا كانت جنسياتهم، سيبقون حَبيسِي تلك الأنظمةِ واللوائحِ مَهمَا بَذَلوا من جُهد.

وَمِن غيرِ أنْ تَتَّضِحَ رُؤى مؤسساتِنا وغاياتِها، ويَتِمُّ تغييرِ أنظمة عملها، وتَتطوَّر أساليب تفكيرِها الإداريِّ، فإنَّ العَجزَ سيكونُ مصيرًا محتومًا لِمَن يعمل على الوصول، مَهما كانَ جِنسُه أو جِنسِيَّته.

*      *      *

لَعَلّ الشاعر الراحل محمود غنيم عبّرَ عن شيءٍ من ذلك المعنى حين قال:

مَا حِيلة العُصفورِ، قَصُّوا رِيشَهُ      وَرَمَوْهُ فيْ قفَصٍ، وَقالوا: غَرِّدِ!

وإذا كان هذا حالُ العصفور، فما عساه يفعل الأمريكيُّ؟

اعتذارٌ لِلجيلِ المُقبِلِ

اعتذارٌ قديم، لا يزالُ واجبَ التّقديم…

 

اعتذارٌ لِلجيلِ المُقبِلِ

 

أعلم أنني لا أمتلك حقَّ الحديث نيابة عن أحد بعَيْنِه، ناهيك عن جيل بأكمله، ولكنني أرى أنّ الجيل المقبل يستحقُّ اعتذاراً خالصاً مِنّا، خاصَّة مع انصرام عام ميلادي ودخول آخر. ذلك أنَّنا لم نسمع مِمّن قبلنا اعتذاراً عما اقترفته أيديهم بحقِّنا، سواء من الناحية الماديَّة أو الفكريِّة. وعليه، فإنّ أقلّ ما يمكن أن نقدِّمه للجيل المقبل، بينما نُحمِّله مسؤولية المواصلة، هو التماس الصّفح عن سوءاتنا وأخطائنا في حقِّه.

*       *       *

يا أبناء الغد..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..

قد لا تجدون في شخصي المتواضع سبباً يدعوكم لقبول هذا الاعتذار الذي نصَّبت نفسي نائباً عن جيلي في إبلاغكم إياه. وهذا يقيناً حقُّكم. لكنّ ما يدفعني إليه هو ثقتي أنّكم لن تتمكّنوا من قراءة حاضركم والعمل لمستقبلكم (أفراداً وأمة) إلّا إذا اسْتَقَيتُم دروس ماضيكم، واتَّعظتم من عِبَرِ تاريخكم.

ذلك الماضي، وذلك التاريخ الذي ستواجهونه يوماً ما، إنَّما هو حاضرنا الآن. هذا الحاضر الذي نعيشه نحن هنا والآن، دون أنْ نبصر حقّ من يأتي بعدنا في الحياة الكريمة.

إنّ اليأس يا أحبتي هو السِّمة الأبرز لعصرنا. اليأس من أن يطرأ علينا أيُّ تغيير من أيِّ نوع. لقد بلغ بنا اليأس مبلغاً حتى أصبحنا لا نرى بالإمكان أبدع مما كان، وباتت خلاصة أمثلتنا تقول (أمسك مجنونك، حتى لا يأتيك من هو أجنّ منه)، وذلك ثقة مِنّا في أنّ ما سيأتي لا بد أن يكون أسوأ مما هو كائن. وأيّ خير يُرجى من قوم يرتعون في المهانة بين الشعوب، ويدوس على كرامتهم كلُّ سافل، وقد انتزع منهم شعورهم بالمواطنة، بل بالإنسانية أحيانا، بينما يدعون قائلين: “الله لا يغير علينا”!

فإنْ كان ثمّة مرض أنتم بحاجة إلى علاجه فهو هذا الوهن الذي أصاب أرواحنا، والعجز الذي قيد إرادتنا، والقنوط الذي استلَب الأمل من أنفسنا.

ولكن الأمر في حاضرنا ليس قاصراً على اليأس وحده يا أحبتنا، فالعقل العربي/ المسلم أمسى واحداً من عوائق يقظتنا. فلقد تراكم على هذا العقل مئاتٌ من سنوات التخلف الذي ورثناه عن أسلافٍ لنا، وأبَيْنا أنْ ننسلخ عمَّا لحق به من دَنَسٍ في المنطق والتفكير السليم.

ولست أقول إنّ كلّ ما ورثناه ممّن سبقونا بالإيمان كان شراً، ولكننا أخطأنا – كما أخطأ بعض من كانوا قبلنا – بأن أسبغنا على كل ما ورثناه صفة القدسيّة، وأخذنا به ظناً بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

لقد عجزنا – كما عجز بعض أسلافنا – عن التفريق بين التقدير لأشخاص علمائنا وأدبائنا ومفكرينا، وبين التقديس الذي أضفيناه عليهم وعلى آرائهم وأقوالهم وأفعالهم التي كانت وليدة زمانها وبيئتها. فاختلَّ لدينا عالم أفكارنا، واختلطت رؤانا، وعجزنا عن إبصار طريق تقودنا إلى مبتغانا.

لذلك أقول لكم، لا تقعوا في نفس الحفرتين اللتين انقسم أبناء جيلنا فيهما؛ فوقع بعضهم في حفرة التقديس المفرط لتراثنا، برغم ما فيه من سوءات وأخطاء، فيما وقع آخرون في حفرة الجحود المطلق له، برغم ما يعمُر به من الحقِّ والنُّور. ولقد صدق من قال: إن الحقَّ فضيلةٌ بين رذيلتين. فلا تجنحوا إلى التطرف، لا في الدين ولا في الدنيا، فإنه لا يأت بخير.

وجدير بكم أثناء عملكم على تغيير واقعنا المرير أنْ تتذكروا أنَّكم بشر، والبشر بحاجة إلى تنظيم علاقاتهم فيما بينهم، سواء كانت بين ذوي القربى، أو الجيران، أو مع أتباع المذاهب والأديان الأخرى، أو بين الرئيس والمرؤوس، أو المواطن والدولة، أو الأمة وغيرها من الأمم. ذلك أنّ اختلال هذه العلاقات، خاصة مع من يخالفكم الرأي أو المنهج، هو ما يؤدِّي إلى الفرقة والاختلاف. وقد قال أحد أدبائنا مفسراً سبب حاجة الأمة لعلاقات تساعدها على الوحدة قائلًا:

تأبَى الرماحُ إذا اجتمعنَ تكسّراً       وإذا افترقنَ، تكسّرَتْ آحادا!

إنّ النهضة التي نرجوها لأمتنا يا جيل الغد الواعد، تبدأ من دواخلنا؛ عندما نغير طرائق تفكيرنا، ونُحسن فهم ديننا، ونُدرك حقيقة ثوابتنا، ونَعِيْ واقع حياتنا، ونُؤسِّس لعلاقات قائمة على المبادئ فيما بيننا أفراداً وجماعات ومؤسسات ودول. ودون ذلك، لن تقوم لأمتنا قائمة. وإنّ الغد لن يكون مشرقاً إلا إذا عزمتم أنتم أنْ تستخرجوا له شمس نهضتكم.

*       *       *

يا أبناء الجيل المقبل..

لا ترضوا بنا عائقاً للتغيير الذي تريدون، أو عثرة أمام النهضة التي تبنون. واجعلوا من يأسناً سبباً لأملكم، ومن ضعفنا دافعاً لقوتكم، ومن فرقتنا حاجة لوحدتكم، ومن تخاذلنا عِبرة لعزيمتكم، ومن شَكِّنا يقيناً لإيمانكم.

لقد كنا دائماً نرمي بالمسؤولية على عواتق غيرنا. لم نكن يوماً مسؤولين بما فيه الكفاية لتحمُّل نتيجة أخطائنا، إلا من رحم ربِّي. ولم ندرك أنَّ التجربة الإنسانية محكومة بالخطأ في رحلتها للوصول إلى الصواب، وممسوسة بالخطيئة في صراطها نحو الفضيلة، ومشمولة بالظلمة في دربها نحو النور.

أيُّها الجيل المقبل..

لقد هَدَّنا التعب من خطايا أجسادنا ودَنَس أنفسنا وثقل أرواحنا، وها نحن نعطيكم صَكَّاً يُبرِّئكم من خطايانا وآثامنا في حقكم، فلتغفروا لنا خطيئتنا، وتجاوزونا للوصول إلى مبتغاكم. فلقد صدق فينا قول من وصفنا من أبنائنا الغيورين علينا:

نحن شعوبٌ

يأنفُ منها العارُ

ويخجلُ منها العيبُ.

حُقَّ علينا السيفُ

وحُقَّ الضّربُ.

لا ذنبَ لنا..

لا ذنبَ لنا..

نحن الذنبُ!

مَا لَمْ نَفْقِدهُ بِرَحِيلِ الـمِسِيرِيِّ

تقديم

في تمّوز – يوليو 2008 التحق إلى جوار ربّه المفكرّ الكبير الأستاذ الدكتور عبدالوهاب المسيري، رحمه الله تعالى. كان العالم الذي عرفَهُ غير العالم الذي يعمل على تكوينه، وبدأت بذوره في شقِّ طريقها من تربة التغيير شيئًا فشيئًا، فغادرنا وهو يؤمن بأنّ غراسه لا بدّ أن تؤتي أكلها يومًا ما، إذا ما اعتنى بها أهل الحقّ وقاوموا بها أهلَ الباطل. ذلك أنّ إيمانه بالبطولة كان إيمانًا نابعًا من إيمانه بالمعتقد الذي يتشرّبه الأبطال، وهو معتقد منسربٌ من النبع الربّانيِّ الأصيل.

الآن وبعد أكثر من عشرة أعوام على رحيله، تبدو الحاجة لاستعادة ذلك الفكر الذي أورثنا إيّاه أكثر ما تكون، لحاجتنا المسيسة إلى التغيير الذي كان يدعو إليه ويُناصره ويقاوم الطغيان لأجلِه. وهذا فقط ما سيجعل فقدان المسيريِّ مجرّد انفصال عن جسد لا أكثر، لأنّ أفكار العظماء تبقى دائمًا في نفوس من يعيشون على هداها من أتباعهم مهما طال بهم العهد بالاستبداد الذي عاشوا لمقاومته وتغييره.


مَا لَمْ نَفْقِدهُ بِرَحِيلِ الـمِسِيرِيِّ

 

DrElMesiri

 

ابتسم صديقي المثقف ابتسامة ساخرة حين رآني أقرأ كتاب (الصهيونية والحضارة الغربية الحديثة). سألني دون أن يخفي سخريته تلك “أما زلتم تقرأون هذه الكتب؟!”

مِسكينٌ صديقي… لم يعرف أنَّني أقرأ كتاباً لعبدالوهاب المسيري!

نعم… الفرقُ كُلُّه يكمن في أن تقرأ له – رحمة الله – لا لغيره، وفي هذا الموضوع تحديداً. ذلك أن أحداً من العرب لم يفهم الصهيونية ويضعها على طبق من فضة لنظرائه من المُفكرين ومن حوله من القراء مثل عبدالوهاب المسيري.

يظنُّ البعض أن ما يجعل المفكر الراحل رحمه الله متميزاً في معرفته بـ(اليهود واليهوديّة والصهيونيّة) أنه أنفق من عمره قرابة خمسة وعشرين عاماً لإنجاز ذلك العمل الموسوعيِّ.

ورغم أنّ هذا الكلام لا يخلو من صِحّة، فإنّه في الوقت ذاته لا يخلو من مغالطة. فالوقت وحده ليس العنصر الأهم فيما أسفرت عنه بحوث المسيري، وإنْ كان لعب دوراً أساسياً في رحلة تكوينه الفكرية بتصويب مُنطلقاته وتحديد اتّجاهه.

ما يُميّز عبدالوهاب المسيري أنّه كان إنساناً حريصاً على الفهم. وهاتان الميزتان (الإنسانيّة والحرص على الفهم) هما ما جعلاه يرتقي أعلى مراتب الفكر، ليس في العالم العربي وحده، بل في الأرض قاطبة.

إنسانيّة عبدالوهاب المسيري تتجلّى لك منذ أوّل لحظة تتعرّف فيها عليه، ومحبّته تتسلّل إلى قلبك بهدوء أقرب إلى الصّمت ولكنّها تنفذ إليه بسرعة الضّوء. يُشعرك عندما يُنصت إليك أنّك أنت المفكر وأنّه ليس سوى أحد تلامذتك. تنسى أنّك أمام عَلَمٍ من أعلامِ الأمّة أثناء حديثك معه، خاصة عندما يروي لك إحدى نِكاتِه العامرة بالعُمقِ والسُّخرية اللاذعة مَعاً، حتى لتنسى أنّ قائلها أحد المفكّرين المبرزين.

تذكُر زوجتي كيف أنّه ترك مِنصة المحاضرة التي كان يوشك أنْ يُلقيها في الدّوحة ليقدم إلينا حتى يُسَلِّمَ عليها. استعجالُه نحونا يوحي لمن يراه بأنّه ربّما يدينُ لنا بحياته، ومعرفتُه بأنّها ليست زوجتي فحسب، بل كريمة أحِد تلامذته العِظام (الفقيد ماهر عبدالله، رحمه الله) جعلته يتناسى آلام ظهرِه وجميعَ الحاضرين المحيطين به. وما زاده تقديرًا أنّه قدَّم نفسَه لها بقوله “أنا عبدالوهاب المسيري”، هكذا.. دون مُقدّماتٍ جوفاء وتعريفاتٍ خلّابة، خلافا للذين يصعُب عليهم أن يُعرّفوا أنفسَهَم إلّا بـ”الدكتور”!

أمّا حِرصُه على الفهم فيتجلّى في كُلِّ شأنِه.

ومن المهم التفريق بين الحرص على الفهم وبين محاولة الفهم، ذلك أنّنا في العموم نحاول الفهم، فإذا توفرت لدينا أبسط مُعطياته فإنَّنا نَركَنُ إليها باعتبارها حقيقة مُطلقة. وليس هذا شأن مُفكِّرٍ عظيمٍ كالفقيد.

حِرص المسيري على الفهم أكثر ما يَتبَدّى في إنشائه (النماذجَ التَّحليليَّة المُركَّبة) كما يَصِفُها هو في أدبيّاته. ذلك أنَّه حين تعجز التّعريفات والنّماذج التي استحدثها الآخرون في تفسير معنى الموضوع الذي يبحثه المسيري، فإنّه يتصدّى له باستحداث نموذجه الخاصِّ بحيث يكون شاملاً لكُلِّ أبعاد الموضوع ومُفسِّراً لكافَّةِ تفاصيلِه في الوقت نفسِه. لأنّ قُصور التّعريفات الأخرى لا يعني التّشكيك في صِحَّة التفسير فحسب، بل الطّعن في فَهمِنا للحقيقةِ ذاتِها.

لذلك فإنَّك تجد الكثير من النَّماذج التي طَوَّرها المسيري في مؤلفاته، والتي تَتَّصِفُ بـ”قُدرتِها التَّفسيريَّة العالية” على حدِّ قولِه، بخلاف التعريفات والتفاسير التي يُعلِّقُ عليها أحياناً بأنَّها “لا تُفسِّرُ شيئاً”!

فإذا أردت مثلاً فَهمَ الحَركَةِ النِّسويَّة المُتطرِّفةِ (Feminism) فما عليك سوى الرجوع إلى نموذج (التَّمَركُز حَولَ الأنْثى)، وإذا أردت فهْمَ العَلمانِيَّة (الجُزئِيَّة أو الشَّاملة) على حقيقتها، فعليك بكتابِه المّعْنِيِّ بهذا الخصوص وبذلك العنوان. أما إذا أردت فهم أيِّ تفصيلة عن أيٍّ من (اليهود واليهوديّة والصهيونيّة) فإنك ستجد بُغيَتك في أغلب كُتبه، ناهيك عن الموسوعة الخاصة بها. وستتكشّفُ لك أشياء ما كنت لتدركها باستخدام مفردات الخطاب العربي/ المسلم المعاصر أو تحليلاته، لأنّها فعلاً “لا تُفسِّرُ شيئاً”!

هذا الحرص الشديد على الفهم هو ما دفعه إلى التّحولات الفكريَّة العظيمة التي مَرّ بها على مدى سبعين عاماً. فانتقاله من فكر الإخوان المسلمين مُبِّكّراً إلى الماركسيَّة كان مدفوعاً برغبته الجامحة في استيعاب الأشياء ومن ثَمَّ الإيمان بها بعقله أوَّلاً، لا بقلبه فحسب. ولأنّ الحقيقة وحدها كانت غايته فقد أبقى باب البحث مفتوحاً على مصراعيه، ولم يلبث طويلاً حتى اهتدى إلى ساحة الإسلام الرّحبة ليعثر على ضالَّتِه. ولقد كان يؤثر عنه قولُه مازحًا لرفاقه اليساريين قُبيل تحَوُّله عنهم بأنَّه “مَاركسِيٌّ على سُنةِ اللهِ ورسولِه”!

لعلّ هذا تحديداً هو أكثر ما سنفتقده برحيله. فما أكثر المفكرين (وعَديدُهم تُطلَقُ عليه تسمية “المفكّر” جُزافاً) الذين حكروا عقولهم على إعجابهم بالفكرة لا على رغبتهم في الوصول إلى الحقيقة.

أما المُفَكّر الحق، عبدالوهاب المسيري، فقد جَنّد فكرَه ليدافع عن قضية الإنسان الذي آمنَ بتفرُّدِه في الكون وتركيبته اللامحدودة وانفصاله عن عالم الطبيعة/ المّادة، لا كما يراه دعاة الفكر المَادي العَلمانيِّ. ولهذا فإنك تجد أنشطته العامة، فضلاً عن إنتاجه الفكري، تُلامِسُ إنسانية الإنسان في كلِّ موقعٍ شَغَلَهُ في ميادين الثقافة والسياسة والمجتمع بكافَّةِ شرائحه.

نعم.. لقد فقدنا عبدالوهاب المسيري الإنسان.

ولكنّه حرص قبل رحيله أنْ يترك ما ينير لنا شيئاً من عتمة الطريق. ولا عجب أنَّ مقدمة موسوعته الأبرز ضمّت هذه الكلمات: “هل تموتُ الفروسية بموتِ الفارس؟ هل تموتُ البطولة باستشهادِ البطل؟ وهل يختفي الصمودُ إن رحلَ بعضُ الصامدين؟”. فكأنه يوصينا بألا نطيل عليه البُكاءَ عندما يَترجّلُ عن صَهوَةِ فِكرِه.

*       *       *

قبل سَنواتٍ، بعثتُ له أبياتاً أهَنِئه فيها بالعيد برسالة نصّيّة عبر هاتفه المحمول. فما كان منه إلا أن قرأها على زُوّاره، قائلاً “إنَّها من صَديقٍ عَزيزٍ يُؤمِّـلُ منه الكثير”. فكانت كلماته هذه وساماً أعَلِّقُه على صدر روحي ما بقيت.

قلت له في ختام أبياتي تلك:

سَألتُ رَبِّي المَجِيدا

إذا شَـهِـدتَ العِـيـدا

وقـد لَبِـسْتَ الجَديدا

بأنْ تَعـيـشَ سَعـيـداً

وأنْ تَـمُوتَ شَهِـيـداً

وخَـالِـدَ المَحْـمُـودا!

أسألُ الله تبارك وتعالى أنْ يكون ذلك هو الحال معه ومعي. اللهم آجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها.

آمين.

ديوان قَصَائِدُ في زَمَنِ الحِصَارِ

قارئي العزيز..

هذا ديواني الأخير يسبق غيره بالصدور، معلنا رفضه لا للحصار فحسب، بل للعقلية التي أفرزته، والنفسيّة التي قبلته، والاخطاء التي تحتاج إلى التصويب مما أبرزها لنا في ذواتنا.

فيُمسِكُ قبضةَ الشِّعرِ

ويُشْهِرُ عاضِدَ الفِكْرِ

لِيَقطعَ دَابِرَ الشَّرِ!

فلا يحابي بين بعيد أو قريب، فالخطأ واجب التصحيح حتى إن صدر عن حبيب، وإلا كنا مع المُذَبذَبينَ فلا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

ثمّة بضع وعشرون قصيدة تكشف أضلاع الثلاثية المُدَنَّسَة وطبيعة الوطنيّة، وتضرب رأسي الفِتنة، وتفضح الفتاوى المُحاصِرَة وما قالَ السُّفهاء في تَلمودِ أحفادِ مُسيلمة، لتروي لنا حِكايةَ العائلةِ الكبيرةِ وما كان من إِخوَةِ يوسُف، لتعلن دعاءً في جَوفِ الليل أن ذلك كله خيرٌ لكُم.

 

PoemsInTimeOfSiegeBook-BackCoverCanvasMockup-KhalidAlMahmoud

 

PoetryBook-FrontCover-KhalidAlMahmoud

PoemsInTimeOfSiege BookContents KhalidAlMahmoud

SiegePoetryBook-BackCoverMockup-KhalidAlMahmoud


 

poemsintimeofsiege 2nd+3rd+editions book khalidalmahmoud

أَفْضَلُ مِنْ حَجِّنا

يحسُنُ بنا ونحن نعيش هذا الحصار المفيد التَّأكُّد من عدمِ تَحوُّلِنا إلى شعبٍ من الشَّكَّائينَ البَكّائينَ كلّما عَنَّت لنا مشكلة بسيطة، وذلك بتضخيمها والتسابق في تعظيم ردود الفعل عليها.

وحتّى يتمّ لنا هذا، فإنّنا بحاجة لتدريب عضلة هزيلة في أذهاننا ما فتئت تضعف على مرّ الأيّام، ألا وهي استبصارُ المِنحَةِ في المِحْنَة.

*       *       *

دعُونا أوّلاً نُحرّرُ المصطلحات الواردة أعلاه حتى لا تشغبَ على موضوعِنا الرئيس، وهو حجُّ هذا العام غيرُ المُمكن حتى اللحظة.

فبداية، ينبغي لنا التّعرُّف على مقدار فائدة هذا الحصار في مظاهر عديدة ما كُنّا لنُدرِكها لولاه. فنحن أقرب الآن إلى الأمن الغذائيّ مِمّا كُنّا عليه، ونحن أكثر سيادة في قرارنا الوطنيّ، وسُمعتنا الأخلاقيّة في معاملة دول الحصار وشعوبها المُضطهدة أضحت معلومة للجميع، واللُحمة التي يعيشها الشعب القطريّ مع قيادته غير مسبوقة البتّة، والحرص على انتمائنا لمبادئ الإسلام والبقيّة الباقية من مروءة العروبة في علاقاتنا مع المظلومين نجحت بامتيازٍ في الاختبار.

ورغم ما أسلفناه توّاً فينبغي الاعتراف كذلك بأنّنا لا نزال نعاني من ثقافة الشكوى والتباكي في عموم ثقافتنا المجتمعيّة. نظرة عابرة لما تحويه عموم تغريدات منتسبي “تويتر” تعطيك صورة واضحة لتلك الثقافة التي تجذّرت في النفوس، ووجدت الآن متنفساً “مشروعاً” لها حتّى تنطلق بغير ملام. فهناك ميلٌ شديد لتحميل دول الحصار مسؤوليّة كلّ ما كان وما هو كائنٌ، وربّما ما سيكون من مشاكل ومُعضلات في عالمنا العربيِّ من أقصاه إلى أقصاه، ناهيك عن الأمّة المسلمِة.

فمع اعترافي بحقيقة كونهم بذرة شَرٍّ كبيرة الخطر وعظيمة الأثر، إلّا أنّ مثل تلك البذرة ما كان لها أن تنمو لولا أنّها وجدت مرتعاً خصباً يسمح لها بالتمدّد. ولولا وجود تلك التُّربة المناسبة لما كان لتلك البذرة أن تخرج إلى النّور وتتطاول على ما حولها من جِنانِ الخيرات. حَسبُك من ذلك مقارنةُ نجاحِ انقلابِ عَسْكَرِ مصر في مقابلِ فشلِ انقلابِ عَسْكَرِ التُّركِ، فكُلُّ إناءٍ بما فيه ينضَح وكُلّ شعبٍ مع واليه يَسْرَح.

وبناء على هذا فإنّ المشاكل التي تعترضنا في خِضمّ هذا الحِصار (الذي أؤكّد لكم أنّه مفيدٌ أكثر من كونِهِ جائر) هي في العموم مشاكل بسيطة، ومنها ما سنأتي عليه بعد هُنيهةِ من مشكلة الحجِّ والعمرة.

أما العضلة الهزيلة فهي ليست عَضَلةً بَدنيّة تكبر بزيادة البروتين أو المنشطات في صالات بناء الأجسام، إنّما عضلةٌ ذِهنيّةٌ نَفسِيَّةٌ تنمو بتغيير المعتقدات الحاكمة في عقولنا وتقوى بتغيير منظورنا للحياة مِن حولِنا. وتلك العضلة وحدها يمكنها إحداث تحوّلٍ عميقٍ في إدارتنا لا للوضعِ الرّاهنِ فحسب، بل لحياتنا بأسرها إلى أن تأزَفَ ساعة النّهاية.

*       *       *

التوضيح السّابق ضروريٌّ حتى نُدرك فائدة المنع من إتيان بيت الله الحرام.

فالباكون على منعهم من العمرة والحجِّ، خاصّة أولئك الذين أدّوا الفريضة من قبل، يتعامَون عن حقيقة أنّهم أمام فرصة ذهبيّة لتحصيل أجرهما بأفضل طريقة ممكنة، ألا وهي النّيّة.

فالمعروف في الشرع الحنيف أنّ النيّة هي أصل العَمل ومربط الثواب لأنّها عمل القلب الذي يتوجّه إلى المولى سبحانه وتعالى، ومن دونها لا يكون للعمل أدنى مثوبة، بل إنّه يعود على العبد بالخسران في الدّنيا والآخرة. وصدق الشاعر الذي قال:

إذا حَجَجتَ بمالٍ أصلُهُ دَنَسٌ

فَمَا حَجَجتَ، ولَكنْ حَجَّت العِيرُ!

وحيث حال الطغاةُ دون البيت الحرام، فإنّهم لا يحولون دون ربِّ البيت الذي يُؤجر بالنّيّةِ أضعاف ما يُؤجر بالعمل متى عَلِمَ صِدقَ نيَّة عبيده. وقد ربط الرحمن سبحانه أداء الحجّ بالاستطاعة إليه سبيلاً، وهو يعلم أنّ من النّاس من سيُمنع عن بيته الحرام لظروفٍ هو تعالى أعلم بها. ولكنّه في ذات الوقت ربط الأعمالَ بالنِّيّات، وعلّمنا رسوله ﷺ أنّ من ينوي عمل الحسنة ولا يفعلها فإنّ الله سبحانه وتعالى يكتبها عنده حسنة كاملة، بكرمه وفضله.

ونحن نعلم أنّ حجّ أحدنا لن يخلو من رَفَثٍ أو فُسُوقٍ أو جِدالٍ يفسِدُ نقاءَه وينتقصُ من أجره، فعلامَ نحرِمُ أنفسنا من أجرِ حجَّةٍ كاملةٍ بمجرّد تحقيق نيّةٍ صالحة؟!

أضف إلى ذلك أنّ ثمّة درجاتٍ في الجَنّةِ يبلغها العبادُ بما يُرضيهم الله تبارك وتعالى به من جَرّاء ما أُسِيء إليهم من عبيدٍ آخرين، ما يعني أنّ بإمكاننا إعلاء درجاتنا في الجنّة بتلك النيّة الصادقة، والإمساك بتلابيب خونة الحرمين الشريفين يوم القيامة حتّى يَقتصَّ تبارك وتعالى لنا منهم.

*       *       *

ولنا هُنا أنْ نستذكر: إلى أين ستذهب الأموال المنفقة في الحَجِّ والعُمرةِ، وهي بالملايين؟! أوليست ستؤول إلى جُيوبِ أولئك المنتفعين من الحرمين والذين يعيشون في غنى فاحشٍ بينما جيران بيت الله الحرام لا يجدون ما يقتاتون به في اليوم والليلة!

إذن، أليس خيرٌ لأولئك المُتباكين على منعهم من بيت الله أنْ يتصدّقوا على أنفسهم ببذل مال الله إلى من هم بأمَسِّ الحاجة له من عباد الله؟

أولسنا نُبصر كلّ ساعة ما يجري في بلاد الشّام وأرض اليمن وقِطاع غزّة ومُسلمي أراكان، وغيرهم الكثير؟ فما أشدّ غفلتنا إذ نحسبُ أنّ عُمرتنا في رمضان أو حجّنا البيت الحرام أولى قدراً وأعظم أجراً من صيانة دماءِ المسلمين وستر عَوراتِهم وكشف كرباتهم. إنّ في تلك المباذل خيراتٌ عِظامٌ لو صدقت النّيّة وحَسُنَ العمل {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}.

جاء في تاريخ الإمام المُحدِّثِ المجاهدِ عبدالله بن المُبارك أنّه “خَرجَ إلى الحَجِّ فاجتاز ببعضِ البلاد فماتَ طائرٌ معهم فأمرَ بإلقائِهِ على مَزبلةٍ هناك، وسار أصحابُهُ أمامَه وتخَلَّفَ هو وراءَهم، فلَمَّا مَرَّ بالمزبلة إذا جاريةٌ قد خَرَجَت من دارٍ قريبة فأخذتْ ذلك الطائر ثُمَّ لَفَّتهُ وأسرَعَتْ به إلى الدّار، فجاءَ فسألها عن أمرِها وأخذِها المَيْتَة، فقالت: أنا وأخي هنا ليسَ لنا شَيءٌ إلا هَذا الإِزار، وليسَ لنا قُوتٌ إلَّا ما يُلقى على هذه المَزبلة، وقد حَلَّتْ لَنا المَيْتَةُ منذ أيام، وكانَ أبونا لهُ مَالٌ فظُلِمَ وأُخِذَ مالُهُ وقُتِلَ.

“فأمَرَ ابنُ المُباركِ بِرَدِّ الأحْمَالِ وقالَ لوَكِيلِه: كمْ معكَ مِنَ النَّفقة؟ قال: ألفُ دِينار. فقال: عُدَّ منها عشرينَ ديناراً تكفينا [في مَسيرِ عَودتنا] إلى مَرْو وأعطِها الباقيْ [أيْ كُلَّ ما فِي القافلة من طعامٍ ومَتاعٍ وأموالٍ]، فهذا أفضَلُ مِنْ حَجِّنا هذا العام”.

هَلْ جَرَّبْنا الجُوعَ؟

تقديم

تساؤلٌ دائماً ما يحضُرني مع حلول الشَّهر الفضيل، وأحسَبُه لا يزال جديراً بالطّرح رغم مرور السنين!


هَلْ جَرَّبْنا الجُوعَ؟

 

في رمضان أتساءلُ كثيراً إنْ كان أحدٌ منا قد جرّب الجوع!

قد يبدو التساؤل ساذجاً، بل وغبيّاً للبعض.

لولا أنّ ما ألمسُه من تجربة الصِّيام – في الخليج على الأقل – يُضفي الكثير من الوجاهة على ذلك التساؤل.

نحن نصومُ فعلاً، ولكن هل جَرّبنا الجُوع؟

*       *       *

ما يدفعني لإعلان ذلك أنّني لاحظتُ شخصياً عليّ وعلى زوجتي أنّنا نتناول الطعام في رمضان أكثر منه في بقية العام.

طبعاً من يعرفني وزوجتي قد يسخرُ منّا، إذ إنّ وَزنَ كلينا معاً لم يبلغ مذ اقترنّا وإلى الآن المئة وعشرة كيلوغرامات؛ ونعوذ بالله من شر حاسدٍ إذا حسد!

ورغم ذلك، فإنّنا في الشَّهر الفضيل نتناول وجبتين يوميّاً، وهو أمرٌ لا يحدث إلّا لماماً باقي العام. إذ إنّ الطعام له أغراض محدّدة وواضحة، ومنها تجديد الطاقة وإبقائنا على قيد الحياة. ممّا يعني أننا في باقي أيام العام نتاوله تناولّاً وظيفيّاً، أيْ بغرض تحقيق هدف إسكات الجوع ومواصلة الحياة بصيغة طبيعيّة.

لكنّ الحال في رمضان يبدو مختلفاً. فالطعام الذي نتناوله في وجبة السّحور على الأقل، يدفعني إلى ظنّ السّوء في أنفسنا. فرغم أنّنا مقتنعون بأنّ {فِي السّحُورِ بَرِكَة} كما أخبرنا الصّادق المصدوق صلّى الله عليه وسلّم، إلا أنّني أزعم أنّنا نتناوله بدافع الخوف من الجوع في يوم الصِّيام الآتي، أكثر من غيره.

وإذا صحّ هذا الزعم، وما أسمعه عن وجبات سحور البعض يؤكّده لي قطعاً، فإنّ ذلك معناه أنّ البركة التي يفترض بنا أن نتوخّاها في السّحور أوشكت أن تكون لاغية. ومعها زوالها تزول حكمة الصّوم التي أعلمنا الله سبحانه وتعالى بها عندما فرضه علينا {لعَلـَّكُمْ تتـَّقـُون}. وغير خافٍ علينا سلوكيات كثرة كاثرة من المسلمين أثناء الصِّيام، والتي يعزُون فيها تعكّر مِزاجهم إلى الصِّيام. وهذه إحدى أعاجيب الصّوم المعاصر، إذ يفترض في الصِّيام أنْ يُزكّي النّفس لا أن يُفسد الأخلاق!

*       *       *

ممّا يحضُرني في هذا السياق فيلمٌ تسجيليٌ قصيرٌ شاهدته قبل بضعةِ أشهر (كان هذا في عام ألفين وتسعة 2009).

الفيلم، الذي تمّ تصويرُه في إحدى بلدان شرق آسيا، يصوّر لنا مشهد ذهاب بعض الزّبائن إلى أحد المطاعم الشعبية لتلك البلد. وهناك يتم إعداد وجبة طعام متوسّطة المستوى لتُقدّم لرُوّاد المطعم. نشاهِدُ في الفيلم بعد فراغ أولئك الزبائن من عشائهم أنّهم لم يلتهموا كل ما كان على أطباقهم، وإنما اقتصروا على تناول بعضه وترك البعض الآخر.

فَضَلات تلك الصحون تحوّلت إثر عودتِها إلى المطبخ إلى أكياس القمامة التي يُخزّنها المطعمُ على مقربةٍ من الباب الخلفيّ.

وهناك تبدأ رحلةٌ أخرى لتلك الفضلات، إذ يأتي شخصٌ من خارج المطعم ليُصنّفَ تلك الأطعمةِ الزّائدةِ بحسب نوعيّتها في شِوالات عِدّة جاء بها معه. فهو يضع أصنافَ اللحوم في أحد تلك الشِّوالات، وأنواعَ الرّزّ وخيوط النودلز الآسيويّة في شِوالٍ آخر، وأنواع الخضراوات والفواكه في شوال ثالث، وهكذا.

وبعدها يقوم بتحميل تلك الشِّوالات في السّلة الأمامية لدراجته الهوائية، ومن ثمّ يقودها صوبَ أطراف المدينة.

هناك، تنتظرُه عشرات الأسر الفقيرة، التي لا تجد قوتَ يومها إلا فيما يجلبه لها هذا الشّخص من فضلات الأطعمة.

وتبدأ حال وصوله عملية توزيع الطعام من الشِّوالات مباشرة إلى آنية كلِّ أسرة بحسب حاجتها وعدد أفرادها. وهو مشهدٌ تختلط فيه أنواع الأطعمة المتبقية بشكل يبعثُ على القيء. إلا أنّه بدا واضحاً أنّ تلك الأسر اعتادته حتّى أضحى أمراً طبيعياً جدّاً لديها.

المضحك المبكي فيما يجري في هذه المناطق النائية، أنك إذ ترى الأطفال وهم يتناولون ما تبقى من أفخاذ الدجاج أو صدورها المقلية، فإنّك تلحظ الفرحة عارمة على وجوهم، وكأنّهم إذ يلتهمون خيوط النودلز أو ما بقي من بعض الفواكه قد حازوا وجبة فاخرة في مطعم مَلكيّ.

وما يجري في البيوت ليس أقلّ غرابة. إذ تجد أفراد الأسرة الفقيرة وقد التفُّوا جالسين حول مائدة الطعام وهم يبدؤون بشُكر الرّبّ القدير على هذه النّعمة التي أنعم بها عليهم. واللهُ وحده العالِمُ كم من الوقت مضى على أيٍّ من تلك الأسر قبل أن يجدوا ما يسدّوا به جَوعَتَهُم.

*       *       *

أعود الآن إلى تساؤلي الأوّل: هل جرّب أحدٌ مِنّا أن يجوعَ حَقاً في رمضان؟

إنّ كثيرين من أبناء هذه الأمة لا يكادُ يعرفُ الجوعَ في شهر مُخصّصٍ للصّيام، ويعزو سوءَ خُلقه إلى أدائه الطّاعة، ويُضيّع وقته أمام عروض التّلفزة الفارغة في البيت، أو في الخيام الرمضانية اللاهية خارجه، وذلك مع التأكيد على تصفيد الشياطين في الشَّهر الفضيل. وهو رَغمَ كلّ ذلك يشتكي من طول اليوم وحرارة الجوّ، ويمتعِض أشدّ الامتعاض إذا لم يُبصر أحدٌ هلالَ شوال في التاسع والعشرين من رمضان!

إذن ما الذي يتحققّ لنا في شهر التّغيير الشّامل جرّاء الامتناع عن الأكل، ما دام هذا مُقتضى الحال. وإذا كان المولى سُبحانه رَبَط الصِّيام بأمرين أساسيّين {لَعَلَّكُمْ تَتَّـقُونَ} و{لَعَلَّـكُمْ تَشْكُرُونَ}، فأيّ حِكمة تلك التي يُحقّقها صيامُنا في هذا الزمان؟!

تقبّل اللهُ مِنّا ومِنكم… وإنّا للهِ وإنّا إليهِ راجِعون!


Incognizance: Discordance between Theory and Practise

إِنْسَانِيَّتُنا المُشْتَرَكَةُ.. أَينَ ذَهَبَتْ؟

تقديم

مقالة منشورة، تعاود أسباب نشرها مداهمتنا كلّ عام، فنُعيد نشرها من جديد.


إنْسانيَّتُنا المُشتركَةُ..

أيْنَ ذَهَبَتْ؟

 

ثمّةَ ما يؤكّد لي أنّنا كمسلمين تجاهلنا عبر القرون حقيقة أنّنا ننتمي إلى الأسرة الإنسانيّة الواحدة. وما يزيد الطين بِلَّة، أنّنا حريصون على أنْ نبقى كذلك!

*       *       *

خلال الأسبوع الماضي، استمعت إلى برنامجين إذاعيّين يناقشان قضيّتين مختلفتين، الأولى أزمة اللغة العربيّة في المجتمعات العربيّة المسلمة، والثانية يوم الحب، أو ما يُعرف بـ”عيد القِدّيس فالنتاين – “St. Valentine’s Day”.

ما استرعى انتباهي في البرنامجين أنّ النقاش انحصر على قضيّة الواجب الشرعيِّ في استخدام اللغة العربيّة كونها لغة القرآن التي لا يُفهم الدين بغيرها؛ وعلى قضيّة الحلال والحرام في الاحتفال بـ”يوم الحبِّ”، لدرجة أنّ إحدى المشاركات وصفت الورود الحمراء في هذا اليوم بأنّها “مِنْ جَهنّم”!

طبعاً، لست في مقام التقليل من أهميّة الجانب الشرعي في القضيتين، فانتماؤنا للدّين الإسلاميّ يجعل موافقة حكم الشّرع أمراً ليس عنه مناص.

لكن ما أزعم أنّه مُهمٌّ في هذا السياق أنّنا بحاجة إلى وضع الكثير من قضايا العصر التي تواجهنا في سياقها الإنسانيِّ العام، وذلك حتى يَسْهُل علينا فهمُها أوّلاً، ومن ثمّ تَبيّنُ الصواب بشأنها.

والمُتأمِّل في الخطاب القرآني يجد ذلك الانتماء طبيعياً للغاية. فكُلّ من أوحي إليه من المرسلين عليهم السّلام وُصفَ إبَّان بعثته لقومه بأنّه {أخَاهُمْ}. وعديد الآيات القرآنيّة تخاطب البشر جميعاً بلفظ {يَا أيّهَا النَاسُ}، سواء كان ذلك لتأكيد الانتماء إلى الأصل الواحد {إنّا خَلقنَاكُمْ مِنْ ذكَرٍ وَأنثى} أو تحقيق غاية مشتركة {اعْبُدُوا رَبّكُمُ الذيْ خَلقكُمْ}، {اتقوا رَبَّكُم الذيْ خَلقكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ}، {وَجَعَلناكُمْ شُعُوباً وَقبَائِلَ لِتعَارَفوا}، أو مجرد التبصير بالمشترك الإنساني {أنْتُمُ الفقرَاءُ إلى اللهِ}. بل إنّ القبلة التي نتوجه إليها في الصلاة والحجِّ وَردَتْ ضمن ذلك السِّياق المُشترك {إنّ َأوْلَ بَيْتٍ وُضِعَ للناسِ للذيْ بـِبَكّة}، {وَأذنْ فِي النّاسِ بالحَجِّ يَأتوكَ رِجَالاً} رغم قصر مسألة الدّخول إلى بيت الله الحرام على المسلمين دون غيرهم من النّاس.

ما تقوله هذه الآيات إنّ الهداية الربّانية جاءت للناس جميعاً وليس للمسلمين وحدهم. وما يجعل المسلمين في وَضعٍ مُتميِّزٍ عن غيرهم من الأمم هو طبيعةُ القِيَم المرتبطة بأسلوبِ حياتِهم على هذه الأرض {كُنْتُمْ خَيْرَ أمَّةٍ أخرجَتْ للنَّاسِ، تأمُرُونَ بالمَعْرُوفِ، وَتنهونَ عَنِ المُنكَرِ، وَتُؤمِنُونَ باللهِ}.

وهنا ينبغي التأكيد على أنّ (الصّواب الشّرعيِّ) الذي يدعو إليه الإسلام لا بدّ أنْ يقع في نفس الدائرة التي ينطلق من أجلها (الصّواب الإنسانيِّ). فقضيتا التحليل والتحريم موقوفتان على المنفعة والضَّرر للإنسان بقدر ارتباطهما بالطَّاعة والتسليم للربِّ سبحانه وتعالى. وقد أكدَّ القرآن الكريم ذلك عندما أشار إلى ذكر نبيِّنا ﷺ في التوراة والإنجيل بوصفه أنّه {يُحِلُّ لهُمُ الطيِّبَاتِ، وَيُحَرِّمُ عَليْهِمُ الخَبَائِثْ}. ومعنى هذا أن الالتزام بأوامر الشّرع في الحِلِّ والحُرمة إنَّما يحقِّق مصلحة إنسانيّة مشتركة، كون الطّيبات وحدها ما تقع في دائرة الحِلّ، والخبائث وحدها ما تقع في دائرة الحرمة.

وما تبيّنه الآية الكريمة هو أنّ مسألة التحليل والتحريم لم توجدا لتحقيق مصلحة المسلمين وحدهم، بل الإنسانيّة جمعاء.

لذلك، فإنّنا في سياق الحديث عن اللغة العربيّة مثلاً، يمكننا أن نبحث في مسألة الحفاظ على اللغة الوطنيّة لدى شتّى الأمم. فاللغة بالنسبة لأيِّ أمّة ليست مجرد وسيلة تخاطب بين الناس، إنما تتجاوزها لتكون وعاء يحفظ ثقافة البلد ويسهم في تحديد هويتها وترسيخ انتماء أبنائها للوطن. وعليه، فإن الحفاظ على اللغة الوطنيّة – لأيّ أمّة كانت – هو حفاظ على تراثها ودفاع عن حاضرها وتحصين لمستقبل أجيالها. بل إنّ المفكرين من شتّى المشارب والأعراق يذهبون إلى أنّ الحرص على اللغة الوطنية لأيّ أمة هو ضمانٌ لحفظ أمنها القوميِّ.

أما فيما يتعلق بيوم الفالنتاين، فإنّ عقلاء الغربيّين والمسيحيّين الذين ظهر هذا اليوم من بين ظُهرانيهِم ما فتئوا يحذرون من تنامي القيمة الاستهلاكيّة على المناسبات الاجتماعية والدينيّة (أعياد الميلاد، رأس السنة، فالنتاين، وغيرها)، بحيث أصبح الكسب الماديّ هو السّبب الرئيس وراء ترويجها بين الناس وتعزيز أهميتها عندهم. وهذا بدوره يُحَوّل تلك المناسبات عن الغاية التي يفترضُ أن تحقّقها بتعزيز التآلف بين الناس.

ناهيك طبعاً عن مفهوم الحب الذي ينتهكه هذا العيد المزعوم إلى أبعد الحدود. فكلمة الحب “Love” في الثقافة الغربيّة (العلمانية) باتت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمعاشرة الجنسيّة. ولك أنْ تلاحظ انتقال مفهوم الحب في اللغة الإنجليزية إلى ثقافتنا المعاصرة، حيث لا يتحقق إلا بـ”Make Love” – أو ممارسة الحُبِّ” والمقصود هو العلاقة الجنسيّة المباشرة. فلم يعد الحبّ يعني ذلك الشعورَ النّبيل المنتمي للقلب والروح كما في الثقافات الأخرى، لا الجسد وحده.

ومن يعرف شيئاً في علم الطاقة، فإنه يعرف أنّ اللون الأحمر هو لون منطقة الطاقة الجَذريّة (Root Chakra)، وموقعها في جسم الإنسان هو المنطقة التناسليّة. وإحدى مهمات هذه الشاكرا هي الاعتناء بالحاجات الإنسانيّة الأساسيّة ومن أهَمِّها الحاجة الجنسيّة. ولذلك فإنّ اللون الأحمر لونٌ يهيِّجُ الرّغبة الجنسيّة أكثر من غيره لدى الإنسان. ولنا أن نلاحظ ربطه برومانسيّة يوم فالنتاين لأنها غدت مفهوماً جنسيّاً خالصاً.

والأمر ليس مقتصراً على هاتين القضيتين وحدهما. فنحن بَرَعنا في إخراج قضايانا الإنسانيّة من سياقها الكبير لجعلها قاصرة على السّياق الدّينيّ أو القوميّ لدينا. وما قضية فلسطين، التي تنتهك فيها كل القيم الإنسانيّة النبيلة، إلا نموذجاً صارخاً على عجزنا عن إدراكها ضمن إطارها الكليّ، وسذاجتنا في تسويقها لشرفاء العالم وأنصار العدالة فيه. قارن ذلك بأسلوب الصهاينة في تسويق المحرقة اليهوديّة للعالم لتبرير ما يرتكبونه من جرائم بحقِّ الفلسطينيّين يومياً.

*       *       *

إنّ عودتنا للسياق الإنسانيّ ليست خروجاً عن الدّين الإسلاميّ، بل هي تأكيد لانتمائنا له. وهي إلى ذلك تعزيز لحقيقة أنّ هذه الرّسالة إنّما جاءت لتكون هي وصاحبها ﷺ {رَحْمَةً لِلعَالمِيْن}.