هَلْ جَرَّبْنا الجُوعَ؟

تقديم

تساؤلٌ دائماً ما يحضُرني مع حلول الشَّهر الفضيل، وأحسَبُه لا يزال جديراً بالطّرح رغم مرور السنين!

هَلْ جَرَّبْنا الجُوعَ؟

 

في رمضان أتساءلُ كثيراً إنْ كان أحدٌ منا قد جرّب الجوع!

قد يبدو التساؤل ساذجاً، بل وغبيّاً للبعض.

لولا أنّ ما ألمسُه من تجربة الصِّيام – في الخليج على الأقل – يُضفي الكثير من الوجاهة على ذلك التساؤل.

نحن نصومُ فعلاً، ولكن هل جَرّبنا الجُوع؟

*       *        *

ما يدفعني لإعلان ذلك أنّني لاحظتُ شخصياً عليّ وعلى زوجتي أنّنا نتناول الطعام في رمضان أكثر منه في بقية العام.

طبعاً من يعرفني وزوجتي قد يسخرُ منّا، إذ إنّ وَزنَ كلينا معاً لم يبلغ مذ اقترنّا وإلى الآن المئة وعشرة كيلوغرامات؛ ونعوذ بالله من شر حاسدٍ إذا حسد!

ورغم ذلك، فإنّنا في الشَّهر الفضيل نتناول وجبتين يوميّاً، وهو أمرٌ لا يحدث إلّا لماماً باقي العام. إذ إنّ الطعام له أغراض محدّدة وواضحة، ومنها تجديد الطاقة وإبقائنا على قيد الحياة. ممّا يعني أننا في باقي أيام العام نتاوله تناولّاً وظيفيّاً، أيْ بغرض تحقيق هدف إسكات الجوع ومواصلة الحياة بصيغة طبيعيّة.

لكنّ الحال في رمضان يبدو مختلفاً. فالطعام الذي نتناوله في وجبة السّحور على الأقل، يدفعني إلى ظنّ السّوء في أنفسنا. فرغم أنّنا مقتنعون بأنّ {فِي السّحُورِ بَرِكَة} كما أخبرنا الصّادق المصدوق صلّى الله عليه وسلّم، إلا أنّني أزعم أنّنا نتناوله بدافع الخوف من الجوع في يوم الصِّيام الآتي، أكثر من غيره.

وإذا صحّ هذا الزعم، وما أسمعه عن وجبات سحور البعض يؤكّده لي قطعاً، فإنّ ذلك معناه أنّ البركة التي يفترض بنا أن نتوخّاها في السّحور أوشكت أن تكون لاغية. ومعها زوالها تزول حكمة الصّوم التي أعلمنا الله سبحانه وتعالى بها عندما فرضه علينا {لعَلـَّكُمْ تتـَّقـُون}. وغير خافٍ علينا سلوكيات كثرة كاثرة من المسلمين أثناء الصِّيام، والتي يعزُون فيها تعكّر مِزاجهم إلى الصِّيام. وهذه إحدى أعاجيب الصّوم المعاصر، إذ يفترض في الصِّيام أنْ يُزكّي النّفس لا أن يُفسد الأخلاق!

*       *        *

ممّا يحضُرني في هذا السياق فيلمٌ تسجيليٌ قصيرٌ شاهدته قبل بضعةِ أشهر (كان هذا في عام ألفين وتسعة 2009).

الفيلم، الذي تمّ تصويرُه في إحدى بلدان شرق آسيا، يصوّر لنا مشهد ذهاب بعض الزّبائن إلى أحد المطاعم الشعبية لتلك البلد. وهناك يتم إعداد وجبة طعام متوسّطة المستوى لتُقدّم لرُوّاد المطعم. نشاهِدُ في الفيلم بعد فراغ أولئك الزبائن من عشائهم أنّهم لم يلتهموا كل ما كان على أطباقهم، وإنما اقتصروا على تناول بعضه وترك البعض الآخر.

فَضَلات تلك الصحون تحوّلت إثر عودتِها إلى المطبخ إلى أكياس القمامة التي يُخزّنها المطعمُ على مقربةٍ من الباب الخلفيّ.

وهناك تبدأ رحلةٌ أخرى لتلك الفضلات، إذ يأتي شخصٌ من خارج المطعم ليُصنّفَ تلك الأطعمةِ الزّائدةِ بحسب نوعيّتها في شِوالات عِدّة جاء بها معه. فهو يضع أصنافَ اللحوم في أحد تلك الشِّوالات، وأنواعَ الرّزّ وخيوط النودلز الآسيويّة في شِوالٍ آخر، وأنواع الخضراوات والفواكه في شوال ثالث، وهكذا.

وبعدها يقوم بتحميل تلك الشِّوالات في السّلة الأمامية لدراجته الهوائية، ومن ثمّ يقودها صوبَ أطراف المدينة.

هناك، تنتظرُه عشرات الأسر الفقيرة، التي لا تجد قوتَ يومها إلا فيما يجلبه لها هذا الشّخص من فضلات الأطعمة.

وتبدأ حال وصوله عملية توزيع الطعام من الشِّوالات مباشرة إلى آنية كلِّ أسرة بحسب حاجتها وعدد أفرادها. وهو مشهدٌ تختلط فيه أنواع الأطعمة المتبقية بشكل يبعثُ على القيء. إلا أنّه بدا واضحاً أنّ تلك الأسر اعتادته حتّى أضحى أمراً طبيعياً جدّاً لديها.

المضحك المبكي فيما يجري في هذه المناطق النائية، أنك إذ ترى الأطفال وهم يتناولون ما تبقى من أفخاذ الدجاج أو صدورها المقلية، فإنّك تلحظ الفرحة عارمة على وجوهم، وكأنّهم إذ يلتهمون خيوط النودلز أو ما بقي من بعض الفواكه قد حازوا وجبة فاخرة في مطعم مَلكيّ.

وما يجري في البيوت ليس أقلّ غرابة. إذ تجد أفراد الأسرة الفقيرة وقد التفُّوا جالسين حول مائدة الطعام وهم يبدؤون بشُكر الرّبّ القدير على هذه النّعمة التي أنعم بها عليهم. واللهُ وحده العالِمُ كم من الوقت مضى على أيٍّ من تلك الأسر قبل أن يجدوا ما يسدّوا به جَوعَتَهُم.

*       *        *

أعود الآن إلى تساؤلي الأوّل: هل جرّب أحدٌ مِنّا أن يجوعَ حَقاً في رمضان؟

إنّ كثيرين من أبناء هذه الأمة لا يكادُ يعرفُ الجوعَ في شهر مُخصّصٍ للصّيام، ويعزو سوءَ خُلقه إلى أدائه الطّاعة، ويُضيّع وقته أمام عروض التّلفزة الفارغة في البيت، أو في الخيام الرمضانية اللاهية خارجه، وذلك مع التأكيد على تصفيد الشياطين في الشَّهر الفضيل. وهو رَغمَ كلّ ذلك يشتكي من طول اليوم وحرارة الجوّ، ويمتعِض أشدّ الامتعاض إذا لم يُبصر أحدٌ هلالَ شوال في التاسع والعشرين من رمضان!

إذن ما الذي يتحققّ لنا في شهر التّغيير الشّامل جرّاء الامتناع عن الأكل، ما دام هذا مُقتضى الحال. وإذا كان المولى سُبحانه رَبَط الصِّيام بأمرين أساسيّين {لَعَلَّكُمْ تَتَّـقُونَ} و{لَعَلَّـكُمْ تَشْكُرُونَ}، فأيّ حِكمة تلك التي يُحقّقها صيامُنا في هذا الزمان؟!

تقبّل اللهُ مِنّا ومِنكم… وإنّا للهِ وإنّا إليهِ راجِعون!


By Rabab Maher

2018WCBLogo-RababMaher

هَلْ تُدْخِلُ البَدانَةُ النَّارَ؟

تقديم

مقالة سبقَ نشرُها عام 2009، والإحصاءات المذكورة فيها باتت الآن أسوأ مِمّا كانت عليه آنذاك، ولذلك ما انفكّ موضوعُها يُلحّ على معاودة تقديمها مع الأيّام.

هل تُدخِلُ البَدانةُ النَّارَ؟

 

حتى أكون أكثر دِقّة، فإن السؤال ينبغي أن يكون: هل البدانة التي تؤدّي إلى الأمراض، وبعضها قاتلة، خطيئةٌ تُدخلُ النار؟

السؤال ليس من عندي، وإذا بدا مُستهجناً أو رأى البعض مبالغةً فيه، فإننا بحاجة لمراجعة بعض الإحصائيات لنتعرّف على المشهد الحقيقيِّ للبدانة في الخليج، لنُقيّم بعدها جديّة السؤال ونوعية الإجابة.

*       *        *

أحد تعريفات البدانة هو: التراكم غير الطبيعيّ للدّهون في مخزون الأنسجة الدّهنيّة تحت الجلد.

وتشير آخر الإحصاءات أن نسبة البدانة في دول الخليج العربيّة بلغت (60%) جاءت الكويت في مقدمتها تليها الإمارات ثمّ قطر. وتًعدّ هذه النسبة وبائيّة في الإحصاءات الطبيّة الدولية.

هذه النسبة ليست ثابتة في شَتّى المراحل السّنيّة.

فنسبة السُّمنة عند الأطفال قبل الخامسة تتراوح ما بين (5–10%)، ترتفع تدريجيا لتتراوح بين (10–15%) عند أطفال المرحلة الابتدائية. ثم تكون بين أبناء المرحلة المتوسطة من (15–20%)، لتتراوح لاحقاً بين (20–40%) لدى طلاب الثانوية.

وهذا يعني أن تقدّم المواطن الخليجي في العمر يعني زيادة فرص بدانته. والطريف في كافة الإحصاءات التي وقعت عليها أن نسبة بدانة الإناث (من شتى الأعمار) تزيد عن الذكور (باستثناء السعودية)، ففي الكويت مثلاً بلغت تلك النسبة (44%) وهي واحدة من أعلى النِّسب في العالم قاطبة.

خطورة البدانة تكمن في تأثيرها على صحة الإنسان: الجسديّة والعقليّة والنفسيّة.

تقول الدراسات الحديثة إنّ إصابة الشخص البدين بمرض قاتل تكاد تكون حتميّة. بعض هذه الأمراض هي: ضغط الدم، تصلّب وانسداد الشرايين، السّكري، ارتفاع الكوليسترول، أمراض العمود الفقري، الأمراض الوعائيّة الدماغيّة، بعض أنواع السرطان مثل (المعدة، الأمعاء، الرحم)، إضافة إلى أمراض الجهاز التناسليّ لدى المرأة.

ويُشار هنا إلى أن السُّمنة في الخليج وثيقة الصّلة بالنمط الغذائيّ العامر أصلاً بالنّشويات البيضاء (مثل الرّز والخبز الأبيض)، حيث أضيفت له الوجبات السريعة (المقليّات والغازيّات). وهذه الوجبات وحدها فيها من الأمراض ما يزيد على أمراض السُّمنة (مثل فقر الدم، هشاشة العظام، الرّبو، عسر الهضم). والأطفال تحديداً أكثر عرضة لها، إذ يصابون بضعف جهازهم المناعيّ، ما يُسهل إصابتهم بتلك الأمراض في سِنٍّ مبّكرة.

ناهيك طبعاً عما تُسبِّبه تلك المأكولات من الضّرر على العمليات الذهنية والصحة النفسية كالخمول وضعف الذاكرة واستلاب إرادة الامتناع عن تناول تلك الأطعمة (تماماً مثل النيكوتين)، فضلاً عن تنشيط الجين الخاص بالسُّمنة.

زِد على ذلك كله، الفاتورة التي يدفعها المجتمع لعلاج الأمراض الناتجة عن الشحوم الزائدة. ففي السعودية، ثبت أنّ البدانة تكلّف واحداً وخمسين مليار ريال سنوياً. وهو مبلغ مرشّح للزيادة، إذا علمنا أنّ عدد الأطفال البدناء تجاوز الثلاثة ملايين طفل في المملكة، وأنّ احتمالات إصابتهم بمرض السّكر وحده تبلغ (75%).

*       *        *

إذا عدنا إلى السؤال حول مدى خطيئة البدانة فإنني أجد من الصعب قبول أيّ رأيٍ يرى أنّ “في الأمرِ سَعَة”. وأذكـِّر بقول النبيّ ﷺ، وهو الذي لم يشبع قطّ من خبز الشّعير، عندما قال {مَا مَلأ ابنُ آدَمَ وِعَاءً شَرّاً مِنْ بَطنِه}.

بل وأجد خطيئة الوالدين مضاعفة. فإضافة إلى أنّ التهاون الشديد في التعاطي مع البدانة يشير إلى انعدام المسؤولية الراعي عن رعيّته، و{كَفى بالمَرْءِ إثماً أنْ يُضَيّعَ مَنْ يَعُول}، فإنّ الثابت علميّاً أنّ الأطفال الذين ينشأون في رعاية والدين بدينين، أكثر عرضة للبدانة بأربعة أضعاف نسبة غيرهم. ناهيك عما يؤكّده الطب الحديث بشأن العيوب الخَلقيّة في الأمعاء والأعصاب والحبل الشوكيّ لدى الأطفال المولودين من أمٍّ بدينة، وزيادة عرضتهم لأمراض القلب.

عندما طرَحَتْ زوجتي هذا السؤال عَليّ، أشارت إلى أهمّية قيام علماء الدين بدورِهم في هذا المضمار. وتذاكرنا عندها قدوتَنا المصطفى ﷺ الذي وُصف بطنُه بأنّه {كالقرَاطِيسِ بَعْضُها عَلى بَعض} بسبب العضلات، وأنه {لمْ تعِبهُ ثلجة} أي سمنة.

بيد أنّها لم تلبث طويلاً حتى استدركَتْ بملاحظة أنّ أكثر المشايخ الذين تشاهدهم في الفعاليات العامّة هم أنفسهم من البدناء. وبينما تسمع تغليظهم الشّديد على حرمة التّدخين (الذي يأتي ضرره بعد سنوات من الإدمان، على عكس البدانة)، فإنّك تكاد تسمع صعوبة تنفّس أحدهم وتلمح عرقه المتصبّب إذا بذل أدنى جهد عضليّ.

وحيث إنّ المُبتلى لا يُستفتى، فقد أمرتُ شهرزاد بالسكوت عن الكلام المباح!


By Rabab Maher

2018WCBLogo-RababMaher

مَوَاسِمُ الأعْيادِ.. بَينَ الذَّاتِ والآخَرِ

تقديم

هذه المقالة من جملة المقلات التي اختفت من موقع صحيفة العرب القطرية حيث كنت أداوم النشر، وذلك بعد تطوير موقع الصحيفة الإكتروني عدَة مرات. وها أنا أعيد نشرها للراغبين في الاطلاع على موضوعها.

مَوَاسِمُ الأعْيادِ..

بَينَ الذَّاتِ والآخَر

 

يصعُب على المتابع تجاهل تزايد صرخات الاستهجان في الوسط المسلم كلّما شارفنا موسماً من مواسم الأعياد، مثل الاحتفالات بأعياد الميلاد (Christmas) أو رأس السنة الميلادية وغيرها. ورغم تزايد أصوات المُندّدين بمشاركة المسلمين أعياد غيرهم فإنّ الواضح هو تزايد المشاركة فيها سواء من الأفراد أو المؤسسات التجارية والفنادق.

الرافضون لتلك المشاركة، التي تزّايد عاماً بعد آخر، يرجعون سبب الرفض للحُرمة الشرعيّة في مشاركة المسلمين غيرهم في أعيادهم، لأنها مشابهة لتأييدهم في عقائدهم.

لست بحاجة للتأكيد على أنني لست فقيها أو مفتياً شرعيّاً حتى أتجنب الخوض في المسألة من هذا الباب.

ولكنني في المقابل، أزعم أنّ ثمّة سبباً آخر نحتاج للتفكّر فيه، قد يعيدنا إلى الوعي ويُبصِّرنا بما ينبغي فعله في مناسبات كتلك. ولتوضيح ما أعنيه، أرجو منكم الصّبر على القصة التالية.

*       *        *

قبل بضعة أعوام، دُعيت إلى حفل استقبال في منزل السفير الأمريكيّ في الدوحة، وذلك احتفاء من السفير – الجديد آنذاك – بمجموعة القطريّين الذين شاركوا في برنامج الزائر الدولي للولايات المتحدة خلال الأعوام الفائتة. ذلك البرنامج يتبع الخارجية الأمريكيّة التي تروّج للثقافة الأمريكيّة من خلال دعوة مختلف الشرائح الثقافيّة في أنحاء العالم للاطلاع على بعض النماذج الحياتيّة في المجتمع الأمريكيّ مثل دور الأديان في الشراكة المجتمعيّة هناك (وهو البرنامج الذي شاركت فيه عام 1998).

حرصت على الحضور بعد مقاطعتي فعاليات السفارة الأمريكيّة منذ شنَّت واشنطن حربها على أفغانستان عام 2001. وكنت أرغب، فضلاً عن التعرف على السفير الجديد، في أن أتلمس طبيعة السياسة الأمريكيّة الخارجية الجديدة، بعدما تمّ انتخاب الرئيس السابق باراك أوباما حينها.

وقبيل رغبتي في الانصراف، سمعت أحد الإعلاميّين البارزين يقول للسفير إنّه يعتذر مجدداً عن المواد الناقدة للولايات المتحدة التي تُنشر له في الصحف القطرية. السفير البالغ التهذيب والدبلوماسيّة شكره في المقابل على تلبيته الدعوة دون أن يعتب عليه شيئاً. بيد أنّ الإعلاميّ المعروف لم يكفّ عن الاعتذار مجدداً (أي للمرة الثالثة) عن طبيعة أعماله التي عزا سبب نشرها لرغبات الجمهور العربيّ.

لم أصدق ما سمعت، خاصة أن أبرز ما مَيَّز السفير هو حديثه إلى الجميع بلغة عربيّة فصيحة حرص على تعلمها أثناء عمله في عدة دول عربيّة على مدى سنوات. بمعنى أنه كان حريصاً على الاقتراب منا أكثر من ذلك المثقف المعتذر. وكان واضحاً من خلال حديثي الشخصيّ مع سعادته أنّ الدبلوماسيّة رفيعة المستوى قد بدأت عودتها بعد انحسارها إبان ولايتي الرئيس الأمريكيّ الأسبق جورج بوش الابن.

*       *        *

لست واثقاً لطبيعة مُراد ذلك المثقف القطريّ من اعتذاره لسفير لم يعتب عليه أصلاً، بل ويُقدِّر أنّ الاختلاف بين الأشخاص، ناهيك عن الشعوب، ركنٌ لازمٌ من أركان الحياة البشريّة.

لكنّني أثق أنّ الأزمة الداخلية التي يعيشها المواطن العربيّ تكمن في احتقاره لذاته الحضاريّة، وربّما الشخصيّة أحياناً، كلما وقف أمام ما يُمثِّله الغرب المتقدم عليه. وهذا التفوق الغربيّ، وإن كان لا يشمل جميع المجالات الحياتية، جاء على حساب التقدير الذاتيّ الواجب علينا في حقِّ أنفسنا.

تلك القصة ليست سوى مثال واحد من عديد الأمثلة التي نشهدها على كافة مستويات العلاقة مع الآخر، والغربيّ تحديداً. وما تسْمِيَةُ (عقدة الخواجة) التي تشير إلى انتقاص العربيّ نفسه أمام الأجنبي، إلا نتيجة حتمية لذلك الشعور المُكوِّن لرؤيتنا لذواتنا في علاقتنا مع الآخر.

إذن، المعضلة ليست مسألة (دِين) إنما هي مسألة (دُون). فالشعور بالدونيّة والنقص يعني بالضرورة العمل على التشبه بالنموذج الأعلى والأكمل. وهو في هذه الحالة، الغربيّ المنتصر منذ بضعة قرون (عسكرياً وتكنولوجياً على الأقل). مسألة نبَّهنا لها ابن خلدون في مقدمته، عندما أوضحَ أن المغلوبَ مولعٌ دائماً بالتشبه بالمنتصر في شعاره وزيِّه ونِحلته وسائر أحواله وعوائده، التي تشمل أعياده أيضاً.

*       *        *

الآن نسال: كيف نتصرف إزاء هذا الوضع؟

أزعم أن أوّل ما نحتاجه للتعاطي مع الأمر هو استعادة انتمائها لذاتنا الحضاريّة، وإحياء ثقتنا بأنفسنا سواء على المستوى الشخصيّ أو الثقافيّ. لأن تلك العقدة الحضاريّة ستكون أكبر عائق يحول بيننا وبين بلوغ أي تغيير نريده على مستوى سلوكيات المجتمع المغلوب حالياً.

وحالما استعدنا شيئاً من ذلك الاعتزاز بالنفس، الذي له مِمّا يؤيده الكثير من تاريخنا وديننا، فسيكون بالإمكان التعامل مع الآخر، أياً كان، بندية وتساوي. إذ ليس المقصود من استعادة الثقة في الذات أن تكون على حساب احتقار الآخرين مهما كانت انتماءاتهم العرقية أو الدينيّة أو الثقافيّة. وقد وضع القرآن الكريم لنا قاعدة لسبب وجود تلك العلاقات بين الشعوب والقبائل أنها {لِتـَعَارَفوا}، مع التأكيد على أنّ ميزان الأفضلية المعنيّ بالتقوى هو ميزان ربانيٌّ خاصّ، لا يمكن للبشر الحكم فيه لأنّه مختصّ بالضمائر وخلائج النفوس.

ومن هنا، نحتاج إلى التذكير أّن الاحترام أمرٌ ينبغي على الأمم والأفراد اكتسابه، لأنّه لا يأتي من باب الاستجداء. واكتسابه يبدأ باحترام أبناء الأمة لأنفسهم وثقافة حضارتهم ودينهم وقيمهم العليا.

لأنّنا إذا عَدِمنا كلّ ذلك، فلا يمكن أن نتوقّع توقّف احتفالات المغلوب بأعياد الغالب، وغيرها من عاداته وعوائده.


By Rabab Maher

2018WCBLogo-RababMaher

إسَاءَتُنا لِرَسولِنا ﷺ

أتساءلُ، لو أنّ أحداً لم يخرج في مظاهرةٍ أو يُحرق علماً أو يقتحم سفارة أو يدعو إلى مقاطعة مواقع على الإنترنت، هل كان أحدٌ مِنَّا سيعرفُ أنّ ثمَّةَ وضيعاً أنتجَ فيلماً يُسيء فيه إلى نبيّنا على الصَّلاة والسلام؟!

وللتذكير، فإنّ رُبع القرن الماضي شهد نماذج عِدّة مشابهة للحدث الأخير، أذكر منها على سبيل المثال: رواية “آيات شيطانيَّة” لسلمان رشدي، الصور الكرتونية الدنماركية، فيلم “فتنة” لعضو البرلمان الهولندي غيرت فيلدر، إحراق المصحف في إحدى كنائس ولاية فلوريدا، وغيرها مما لا يتسع المجال لحصره.

أعود فأقول: أكان يمكنُ لأيّ من هذه المحاولات الوضيعةِ لِلنَّيل من نبيّ هذه الأمَّةِ أنْ تجد لها رواجاً مثل الذي لقيته بعدما أشهرناها نحن بجهالتنا للعلن؟!

الإجابة هي: قطعاً، كلا.

بيد أنّ السؤال الأهم، في تقديري، هو: ما الذي يجعلنا ندخل نفس الجُحر الذي منه نلدغ كلّ مرة؟!

إجابة هذا السؤال تحتاج إلى بيان.

*       *        *

واحدٌ من أشهر الأبيات المتداولة لدى العرب من قديم قول شاعرهم:

لو كُلّ كَلبٍ عَوَى، ألقـَمْتـَهُ حَجَراً

لأصْبَحَ الصّخْرُ مِثقالاً بدينارِ!

والمعنى الذي ما فتئت جماهير أمتنا تتجاهله صاغِراً عن صاغِر، أنّ الحكيم هو من يتجاهل الكلاب التي تنبح عليه أثناء سيره، لأنّه لو انشغل بإلقام كلّ منها حجراً لإسكاته، لنتج عن ذلك أنّ الحصى سيصبح بقيمة الذهب، لكثرة ما سيحتاجه المرء لإسكات الكلاب العاوية… وما أكثرها!

ولكنّ الحكمة وحدها، أو بالأحرى غيابها، ليست السبب الوحيد في تكرُّرِ تلك المشاهد التي تمارسها الجماهير المسلمة، والتي غالباً ما تعود علينا بالخسارة بالمناسبة.

ذلك أنّ الإعلام الغربيّ يتشبثُّ بصُورنا ونحن نشتم ونُحرق وندمّر وندعو إلى هلاك الآخر، ليؤكدّ من خلال تلك الصور أنّنا أمّة من الغوغاء، وأنّ وصولَ بعضنا إلى الحكم، خاصة المنسوبين إلى التّيار الإسلاميّ، يعني بالضرورة إقصاء الآخر وتهميشه، بل ربما تصفيته.

ما أزعمه سبباً لهذا كله، أمران اثنان كلاهما يُعَبّر عن حالة نفسيّة غير سَويّة.

الأمر الأول: هو حالة اليأس التي أحاطت بنا لعقود طويلة، وربما لقرون مُمتدة بعد تقطـّع أوصال الأمة وانشغال قادة دويلاتها بملذاتهم ومصالحهم الضيّقة عن مصلحة الأمة بامتدادها طولاً وعرضاً.

تلك الحالة، التي نرى فيها أنفسنا الطرف الخاسر دائماً، هي ما تدفعنا للبحث عن انتصار… أيّ انتصار، يُشعرنا أنّ لحياتنا معنى وأنّ لوجودنا قيمة.

وتجليات هذه الحالة لا تقتصر على “انتصارنا” للرسول عليه السلام في الحوادث المشابهة، بل يمكن إبصارها في كافّة ردود أفعالنا على مختلف المستويات.

خذ منها مثلاً ما ينتاب المشجعين في ميادين الرياضة من مشاعر جيّاشة تجاه فوز فريق أو خسارته في منافسة رياضية، مهما بلغت من الصغر. ولعلـّي لست بحاجة لتذكير الكثيرين بما شهدناه في تصفيات كأس العالم المُؤهّلة لجنوب أفريقيا 2010 عندما نشبت الفتنة بين جماهير مصر والجزائر لأجل مباريات غرضها التأهل لكأس العالم فحسب، لا الفوز به، بالمناسبة!

ما جرى آنذاك، هو نفسه الذي يجري الآن، مع اختلاف الرُّتوش والمظاهر، لأنّنا في الحالتين نبحث عن انتصارٍ… أيّ انتصارٍ في حياتنا المُترَعَة بالهزيمة!

أما الأمر الثاني: فهو رغبتنا الماسّة في التخفيف عن ضمائرنا المتعبة بسبب ابتعادنا عن منهج النبيّ عليه الصلاة والسلام وشريعته الغرّاء، فتَرانا نعمل على تعويض ذلك البُعد المُشين بأن نُظهر أنفسنا في مظهر المنافح عن نبيّه والمدافع عن كرامته ﷺ، وهو في غِنى عن ذلك عليه السلام، إذ إنّ المولى سبحانه وتعالى تكفّل له بذلك عندما قال {إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ}.

وهذا أيضاً شعورٌ له مظاهر متعددة لدى شرائح كبيرة من أبناء هذه الأمة، يصفعك حيثما التفتّ.

إذا أردت مثالاً، فما عليك إلا أن تلقي نظرة سريعة إلى حال الذين يضعون المُلصقات القائلة “كُلّنا فِداك يا رسول الله”، لتتعرف على مقدار التناقض الذي يعيشونه بين ما يزعمون من فداء الرسول على السلام وبين ما يعزمون على تطبيقه من شرعه واتِّباع هديه.

وإذا سألت أحدهم عن تقصيره البيّنِ في شتّى أمور الشريعة التي يزعم أنه يفتدي نبيها الكريم، كانت الإجابة من أمثال “على الأقل أنا أصَلّي” أو “على الأقل أنا متحجبة”، بل أحياناً “على الأقل أنا مسلم”.

ويا سبحان الله، فما أشبه هؤلاء بما ذكره الكتاب الكريم عن الذين زعموا الإيمان ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم، فتراهم {يَمُنّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلـَمُوا}.

*       *        *

خلاصة الأمر أنَّنا نُسيء لرسولنا الكريم أكثر مما يُسيء إليه أولئك الأشقياء بما يفترونه عليه، ﷺ. ذلك أنّهم يُكرّرون ما يقولون وهم يناصبونه العداء، فيما نفعل ذلك بينما نزعم أنّنا له أوفياء ولدينه أولياء.

وأزعم أنّه لو عُرض هذا الأمر عليه ﷺ، لقال لنا مثلما قال لعمر بن الخطاب الذي أراد أنْ يضرب عنق يهودي جاء يستوفي دَينه من المصطفى بأنْ افترى عليه بأنَّه مِمّن يماطلون في أداء الحقّ لأهله، فقال {كُنّا أحوجَ إلى غيرِ هذا منكَ يا عُمَر، أنْ تأمُرَني بحُسن الأداءِ، وتأمُرَهُ بحُسن التّقاضيْ}.

ذلك أنّ الرّحمة المهداة للعالمين، إنّما جاء ليُحِقّ الحَقّ بكلمات الله، ويقيم العدل بين الناس مهما كان دينهم. وإنّه ما كان ليرضى أنْ نضع وِزرَ أنفسِنا على غيرنا بحجَّة أنّهم قالوا عنه ما ليس فيه.

إذ:

لو كُلّ كَلبٍ عَوَى، ألقـَمْتـَهُ حَجَراً

لأصْبَحَ الصّخْرُ مِثقالاً بدينارِ!


By Rabab Maher

2018WCBLogo-RababMaher

شعبٌ وثورةٌ ونَصرٌ

لا يسَعُني وأنا أشهد ما يجريْ على أرض الشّام إلا أنْ أزفّ خالص التبريكات للشعب السوريِّ الباسل على انتصاره الباهر، فيما تحتبسُ دموع الفرح إلى حين الانتهاء من الشّكليات الأخيرة لثورتهم المباركة.

أما المُتشكِّكين من جديّة ما أقوله، أو المُتذمِّرين من تأخر سقوط النظام المجرم، فإن ما يُعميهم حالياً عن إبصار ذلك النّصر السّاحق الذي أتحدّث عنه هو اهتمامهم بالمظهر لا الجوهر.

وإذا أردتم معرفة السبب، فإليكم التفصيل.

*       *        *

تحضُرني في هذا السِّياق مناسباتٌ عِدّة تحاورتُ أثناءها مع بعض الإخوة السُّوريّين من شتى الطوائف، باستثناء أتباع النظام والمستفيدين منه، طيلة ثلاثة العقود الفائتة.

كانت المواقف التي أذكُرها متعلقة بمسألةِ وقوف الحقّ في مواجهة القوة وكيفيّةِ إدراك آليّاته وأساليبه، إضافة إلى إحسان تطبيقِه، حتى نتمكّنَ من رؤية بصيص النّور في نهاية النفق المظلم في مجتمعاتنا العربيّة.

ولست بحاجة لتذكير القارئ الكريم بمقدار اليأس الذي استولى على عقليّة المواطن العربيّ بشأن التغيير في كافة البلاد العربيّة في السنوات السابقة للربيع العربيّ، والذي يرجع سببه إلى قسوة الأنظمة في عقاب من تُسوّلُ له نفسُه مجرّدَ التفكير في أن يقول: لا!

ولذلك، فإنّ كافة الحوارات التي جرت بيني وبين أولئك النفر، سواء من سوريا أو غيرها من البلدان العربيّة، كانت تنتهي بتذكيري بما كان يُعدّ حكمة جديدة ولكنها أكيدة في نفس وعقل الإنسان العربيّ؛ تلكم هي (مليون مَرّة “جَبَان”، ولا مَرّة واحدة “الله يرحَمُه”)! ومفادها، لمن لم يسمع بها من قبل، أنّ من الأفضل للمواطن الخضوع في ذلٍّ لما يجري حوله بحيث يوصفُ بأنّه “جَبَان” مليون مَرّة في اليوم، عن أنْ يتجرّأ بعمل شيء، أو حتى قول شيء، يؤدي به إلى الموت، بحيث لا يذكره الناس إلا بقولهم “الله يرحَمُه”.

ولست أفشي سرّاً بإعلاني مقدار ما صعقتني تلك المقولة حينما سمعتها للمرّة الأولى. ولم يزدني سماعها، حتى ولو على سبيل المزاح، إلا غضباً من البيئة التي أنتجتها وتقززاً من العقلية التي أفرزتها.

ذلك أنّها لا تمنع الفعل الإيجابي في الحاضر فحسب، بل إنّها تجعل من العجز إرثاً يُوَرّثُ للأجيال المقبلة بحيث تتخذ من الحياة الذليلة غاية المنال، أو “بطولة” كما وصفتها إحدى شخصيات الراحل عبدالرحمن منيف، رحمه الله، بغضّ النظر عما يعتورها من خنوع واستكانة للظلم والظالم.

وما زاد سوءة تلك المقولة أنّها لم تتوقف فحسب عند مسألة المواجهة مع أنظمة الإجرام العربيّة، التي ما برحت تتساقط واحداً تلو الآخر، بل تجاوزتها لتشمل مناحٍ شتّى من حياة الإنسان العربيّ. فقد كانت حاضرة مثلاً عندما دار الحديث عن إمكانية المطالبة بتغيير بعض سياسات المؤسّسة التي يعمل فيها أولئك النفر أو تداول الرئاسة في أقسامها، وهي مطالبات تفيد العمل ولا تضرّ الإدارة بحال. بل إنها استُخدمت ذات مرة في العزوف عن الشكوى بشأن مقصف المؤسسة، خشية أنْ تضع أصحاب الاعتراض على “لائحة سوداء” لدى الإدارة العليا بسبب سخطهم على قرار اتخذَتْه!

والتحوّل الذي تشهده الشعوب المقاومة هو آية القول في اعتقادي بانتصار الشعب السوريّ البطل في وجه آله القمع من النظام المجرم وحلفائه، والتي يواجِهُها بصدرٍ عارٍ وعزيمة جبارة معتمداً فيها على الله سبحانه وحده {وَكَفـَى بـِرَبّكَ وَكِيْلاً}. خاصة أنّ بواسل الشام يعلمون أنّهم لا يواجهون النظام المجرم فحسب، بل الدعم الإيرانيّ المُطلق، والتأييد الروسي من ورائه بحكم المصالح.

ذلك أنّ لسان الحال لدى أبطال الشام الآن، ومن سبقهم من الشعوب المقاومة، تحوّل إلى (مليون مرّة “الله يرحمه”، ولا مرة واحدة “جبان”).

هذا هو أوّل وربّما أكبر مَعْلم من معالم الانتصار في الربيع العربيّ؛ إنه الانتصار على الخوف، والإقدام على مواجهته رغم معرفتنا يقيناً بما قد ينتظرنا حين نلقاه. فلا بأس عندها من أن تـُقدَّم الأرواحُ رخيصة في سبيل الوصول إلى الغاية.

لقد قال الزعيم الأمريكي الراحل مالكولم إكس (Malcolm X) في لقاء تلفزيونيٍّ ذات مرة “إذا لم يتمكَّن الرجل الأسود من أنْ يثبت للرجل الأبيض في أميركا أنه قادرٌ وعازمٌ على دفع ثمن حريّته، فإنّه لن يتمكّن من إطلاق سراحه من قيد العبودية”. وحين سُئل عن الثّمن الذي يتحدّث عنه، أجاب بوضوح “إنّ ثمنَ الحريّة هو الموت!”.

وأبطالُ الربيع، الذي نسأل المولى سبحانه أنْ لا يُبقي ولا يذرَ نظاماً ظالماً إلا وطالَهُ، يثبتون لنا أنّهم قادرون وعازمون على دفع فاتورة هذا الثمنِ الباهظ تحت الحساب في انتظار تحصيل عاقبته بعد حين!

*       *        *

أعودُ فأقول: أباركُ للشعب السوريّ الباسل انتصارَه السّاحق في ثورته المباركة، فإنّ جوهرَها هو ما قد حصل فعلاً في النّفوس وتحوّل داخل مجرى الدّم في العروق.

أما المظهر الحاليّ لشلال الدّم المتدفِّق فلا يعدو أنْ يكون إجراءً شكليّاً جداً لرسم خارطة الطريق للوصول إلى الحريّة المنشودة.

وعندها، سيَثبُتُ للجميع ذلك النصرُ الذي نباركُه لِبَواسل الشام. وهو يومٌ ستتساقط فيه دموع الفرح الحبيسة في مآقينا حين نهتف معهم بأنْ “يحيا الشّعب، ويسقط نظام الأسد”.


By Rabab Maher

2018WCBLogo-RababMaher