إِنْسَانِيَّتُنا المُشْتَرَكَةُ.. أَينَ ذَهَبَتْ؟

تقديم

مقالة منشورة، تعاود أسباب نشرها مداهمتنا كلّ عام، فنُعيد نشرها من جديد.


إنْسانيَّتُنا المُشتركَةُ..

أيْنَ ذَهَبَتْ؟

 

ثمّةَ ما يؤكّد لي أنّنا كمسلمين تجاهلنا عبر القرون حقيقة أنّنا ننتمي إلى الأسرة الإنسانيّة الواحدة. وما يزيد الطين بِلَّة، أنّنا حريصون على أنْ نبقى كذلك!

*       *       *

خلال الأسبوع الماضي، استمعت إلى برنامجين إذاعيّين يناقشان قضيّتين مختلفتين، الأولى أزمة اللغة العربيّة في المجتمعات العربيّة المسلمة، والثانية يوم الحب، أو ما يُعرف بـ”عيد القِدّيس فالنتاين – “St. Valentine’s Day”.

ما استرعى انتباهي في البرنامجين أنّ النقاش انحصر على قضيّة الواجب الشرعيِّ في استخدام اللغة العربيّة كونها لغة القرآن التي لا يُفهم الدين بغيرها؛ وعلى قضيّة الحلال والحرام في الاحتفال بـ”يوم الحبِّ”، لدرجة أنّ إحدى المشاركات وصفت الورود الحمراء في هذا اليوم بأنّها “مِنْ جَهنّم”!

طبعاً، لست في مقام التقليل من أهميّة الجانب الشرعي في القضيتين، فانتماؤنا للدّين الإسلاميّ يجعل موافقة حكم الشّرع أمراً ليس عنه مناص.

لكن ما أزعم أنّه مُهمٌّ في هذا السياق أنّنا بحاجة إلى وضع الكثير من قضايا العصر التي تواجهنا في سياقها الإنسانيِّ العام، وذلك حتى يَسْهُل علينا فهمُها أوّلاً، ومن ثمّ تَبيّنُ الصواب بشأنها.

والمُتأمِّل في الخطاب القرآني يجد ذلك الانتماء طبيعياً للغاية. فكُلّ من أوحي إليه من المرسلين عليهم السّلام وُصفَ إبَّان بعثته لقومه بأنّه {أخَاهُمْ}. وعديد الآيات القرآنيّة تخاطب البشر جميعاً بلفظ {يَا أيّهَا النَاسُ}، سواء كان ذلك لتأكيد الانتماء إلى الأصل الواحد {إنّا خَلقنَاكُمْ مِنْ ذكَرٍ وَأنثى} أو تحقيق غاية مشتركة {اعْبُدُوا رَبّكُمُ الذيْ خَلقكُمْ}، {اتقوا رَبَّكُم الذيْ خَلقكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ}، {وَجَعَلناكُمْ شُعُوباً وَقبَائِلَ لِتعَارَفوا}، أو مجرد التبصير بالمشترك الإنساني {أنْتُمُ الفقرَاءُ إلى اللهِ}. بل إنّ القبلة التي نتوجه إليها في الصلاة والحجِّ وَردَتْ ضمن ذلك السِّياق المُشترك {إنّ َأوْلَ بَيْتٍ وُضِعَ للناسِ للذيْ بـِبَكّة}، {وَأذنْ فِي النّاسِ بالحَجِّ يَأتوكَ رِجَالاً} رغم قصر مسألة الدّخول إلى بيت الله الحرام على المسلمين دون غيرهم من النّاس.

ما تقوله هذه الآيات إنّ الهداية الربّانية جاءت للناس جميعاً وليس للمسلمين وحدهم. وما يجعل المسلمين في وَضعٍ مُتميِّزٍ عن غيرهم من الأمم هو طبيعةُ القِيَم المرتبطة بأسلوبِ حياتِهم على هذه الأرض {كُنْتُمْ خَيْرَ أمَّةٍ أخرجَتْ للنَّاسِ، تأمُرُونَ بالمَعْرُوفِ، وَتنهونَ عَنِ المُنكَرِ، وَتُؤمِنُونَ باللهِ}.

وهنا ينبغي التأكيد على أنّ (الصّواب الشّرعيِّ) الذي يدعو إليه الإسلام لا بدّ أنْ يقع في نفس الدائرة التي ينطلق من أجلها (الصّواب الإنسانيِّ). فقضيتا التحليل والتحريم موقوفتان على المنفعة والضَّرر للإنسان بقدر ارتباطهما بالطَّاعة والتسليم للربِّ سبحانه وتعالى. وقد أكدَّ القرآن الكريم ذلك عندما أشار إلى ذكر نبيِّنا ﷺ في التوراة والإنجيل بوصفه أنّه {يُحِلُّ لهُمُ الطيِّبَاتِ، وَيُحَرِّمُ عَليْهِمُ الخَبَائِثْ}. ومعنى هذا أن الالتزام بأوامر الشّرع في الحِلِّ والحُرمة إنَّما يحقِّق مصلحة إنسانيّة مشتركة، كون الطّيبات وحدها ما تقع في دائرة الحِلّ، والخبائث وحدها ما تقع في دائرة الحرمة.

وما تبيّنه الآية الكريمة هو أنّ مسألة التحليل والتحريم لم توجدا لتحقيق مصلحة المسلمين وحدهم، بل الإنسانيّة جمعاء.

لذلك، فإنّنا في سياق الحديث عن اللغة العربيّة مثلاً، يمكننا أن نبحث في مسألة الحفاظ على اللغة الوطنيّة لدى شتّى الأمم. فاللغة بالنسبة لأيِّ أمّة ليست مجرد وسيلة تخاطب بين الناس، إنما تتجاوزها لتكون وعاء يحفظ ثقافة البلد ويسهم في تحديد هويتها وترسيخ انتماء أبنائها للوطن. وعليه، فإن الحفاظ على اللغة الوطنيّة – لأيّ أمّة كانت – هو حفاظ على تراثها ودفاع عن حاضرها وتحصين لمستقبل أجيالها. بل إنّ المفكرين من شتّى المشارب والأعراق يذهبون إلى أنّ الحرص على اللغة الوطنية لأيّ أمة هو ضمانٌ لحفظ أمنها القوميِّ.

أما فيما يتعلق بيوم الفالنتاين، فإنّ عقلاء الغربيّين والمسيحيّين الذين ظهر هذا اليوم من بين ظُهرانيهِم ما فتئوا يحذرون من تنامي القيمة الاستهلاكيّة على المناسبات الاجتماعية والدينيّة (أعياد الميلاد، رأس السنة، فالنتاين، وغيرها)، بحيث أصبح الكسب الماديّ هو السّبب الرئيس وراء ترويجها بين الناس وتعزيز أهميتها عندهم. وهذا بدوره يُحَوّل تلك المناسبات عن الغاية التي يفترضُ أن تحقّقها بتعزيز التآلف بين الناس.

ناهيك طبعاً عن مفهوم الحب الذي ينتهكه هذا العيد المزعوم إلى أبعد الحدود. فكلمة الحب “Love” في الثقافة الغربيّة (العلمانية) باتت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمعاشرة الجنسيّة. ولك أنْ تلاحظ انتقال مفهوم الحب في اللغة الإنجليزية إلى ثقافتنا المعاصرة، حيث لا يتحقق إلا بـ”Make Love” – أو ممارسة الحُبِّ” والمقصود هو العلاقة الجنسيّة المباشرة. فلم يعد الحبّ يعني ذلك الشعورَ النّبيل المنتمي للقلب والروح كما في الثقافات الأخرى، لا الجسد وحده.

ومن يعرف شيئاً في علم الطاقة، فإنه يعرف أنّ اللون الأحمر هو لون منطقة الطاقة الجَذريّة (Root Chakra)، وموقعها في جسم الإنسان هو المنطقة التناسليّة. وإحدى مهمات هذه الشاكرا هي الاعتناء بالحاجات الإنسانيّة الأساسيّة ومن أهَمِّها الحاجة الجنسيّة. ولذلك فإنّ اللون الأحمر لونٌ يهيِّجُ الرّغبة الجنسيّة أكثر من غيره لدى الإنسان. ولنا أن نلاحظ ربطه برومانسيّة يوم فالنتاين لأنها غدت مفهوماً جنسيّاً خالصاً.

والأمر ليس مقتصراً على هاتين القضيتين وحدهما. فنحن بَرَعنا في إخراج قضايانا الإنسانيّة من سياقها الكبير لجعلها قاصرة على السّياق الدّينيّ أو القوميّ لدينا. وما قضية فلسطين، التي تنتهك فيها كل القيم الإنسانيّة النبيلة، إلا نموذجاً صارخاً على عجزنا عن إدراكها ضمن إطارها الكليّ، وسذاجتنا في تسويقها لشرفاء العالم وأنصار العدالة فيه. قارن ذلك بأسلوب الصهاينة في تسويق المحرقة اليهوديّة للعالم لتبرير ما يرتكبونه من جرائم بحقِّ الفلسطينيّين يومياً.

*       *       *

إنّ عودتنا للسياق الإنسانيّ ليست خروجاً عن الدّين الإسلاميّ، بل هي تأكيد لانتمائنا له. وهي إلى ذلك تعزيز لحقيقة أنّ هذه الرّسالة إنّما جاءت لتكون هي وصاحبها ﷺ {رَحْمَةً لِلعَالمِيْن}.

عِندَما رَحَلَ قُطْبَة

تقديم

في 3/ مارس من عام 2001، الموافق لـ 8/ ذي الحجة من عام 1421، انتقل إلى جوار ربّه سبحانه ابنُ الخال الحبيب الدكتور محمـد عبدالله قطبة رحمه الله تعالى. وأحسب شدّة الحزن على فراقه آنذاك كانت السبب الأكبر في عجزي عن رثائه بقصيدة تليق بمقامة العظيم. لكنّ مثله يبقى عصيّاً على النسيان، فليس مِمّن يزور الذاكرة مروراً؛ إنما يحفر اسمَه ورسمَه فيها، فلا يزول حتى تزول. والمقالة التالية، والتي نُشرت بعد وفاته بسنوات عدة، كانت خاطراً طالما رافقني، فلم أملك كبح جماح قلمي عنه. وكيف يتأتّى لذي ضميرٍ حيٍّ أنْ يتأبّى على نسبة الفضل لأولي الفضل، خاصة حينما تعاوده ذكراهم العطرة!


عِندَما رَحَلَ قُطْبَة

 

muhammadqutba article khalidalmahmoud

 

كلما حطّت قدماي مطار هيثرو في العاصمة البريطانية لندن، كما حصل معي الأمس، أتذكر بعض مشاهد رحلتي الأولى في صيف 1994.

أبرز مشهد من تلك الرحلة كان صحبتي؛ ذلكم هو الراحل محمد بن عبدالله قطبة، رحمه الله. الرجل الذي أنعم الله سبحانه وتعالى عليّ بأن أمضي معه بعض سنيِّ عمري لأتتلمذ على يديه في الشعر، فهو شاعر متمكن وله ديوانان مطبوعان (مشاعل ومشاعر) و(ديوان محمد قطبة، الأعمال الكاملة)؛ وفي اللغة الإنجليزية، إذ درّسنيها في جامعة قطر؛ وفي العمل العام إذ انتسبت لمركز شباب الدوحة الذي كان هو أحد أعضاء مجلس إدارته الذهبيِّ في مطلع التسعينيات؛ ناهيك عن صلة القرابة الوثيقة التي تربطنا بحكم كونه ابن خال أمّي حفظها الله.

ولعل ما يدفعني للكتابة عنه في ذكرى رحيله اليوم (الثامن من ذي الحجة) أنه كان من القلائل ممن أحب من الذين عجزت عن رثائهم بقصيدة عندما حلّ قضاء الله بنا وبهم.

ولكن الأهم من ذلك أنّ فقدان إنسان مثله ليس بالأمر الهيِّن. ومن عرف الراحل عن قرب، يدرك ذلك تماماً. إذ لم يسبق له أن وُضع في أيِّ موقف يُحَتّم عليه الاتصال مع الناس إلا وأبدى أروع مظاهر الإنسانية في علاقته مع أخيه الإنسان. وأكاد أقسم أنه الوحيد من كلّ من عرفت عن قرب ممن لم أسمع أحداً، غنياً أو فقيراً، شريفاً أو حقيراً، يشتكي منه في شيء، أيِّ شيء! وحسبك بمثل هذه التعامل الذي يجمع القلوب حوله، ويدفعُهم للترحّم عليه دليلاً على محبّة الربّ سبحانه وتعالى له. إذ ورد في الحديث الشريف {إنَّ اللهَ إذا أحَبَّ عَبداً نادَى جبريلَ: “إنّي أحِبُّ فلاناً فأحِبَّه”، فيُحِبُّهُ جبريل، ثمَّ يُنادي ملائكة السَّمَاءِ: “إنَّ اللهَ يُحِبُّ فلاناً فأحِبُّوه”، فتُحِبُّهُ ملائكة السَّماءِ، ثم يُوضَعُ لهُ القَبولُ فِي الأرض}.

*       *       *

محمد قطبة الذي ولد عام 1954، تلقى العلم على يدي والده الشاعر عبدالله عبدالرحمن قطبة رحمه الله. ومنذ نعومة أظفاره رضع حبّ هذه الأمة ديناً ولغةً وحضارة، فما زال يدفع عنها كلّ رزيئةٍ ويصدّ عنها كل نائبةٍ ويكتب ويعمل ويُربّي الأجيال لإعادتها على طريق الريادة مجدداً.

واصل رحلة تعليمه في المعهد الدينيّ ليتتلمذ على أيدي العلماء وعلى رأسِهم فضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله، والذي كان يُحبّه محبة خاصة لخُلقِه الرفيع وتديّنِه المعتدل، ناهيك عن نبوغِه في الشعر.

في جامعة قطر، تخصّص محمد قطبة في اللغة الإنجليزية، وأكمل دراساته العليا في جامعة (دَرَم – Durham) البريطانية. وقد كانت له سمعة مشهودة لدى كلّ من عرفه في أنحاء أوربا، حيث امتد نشاطه في القارة العجوز. حتى إنّ أهل الحيِّ الذي أقام في إحدى عائلاته المسيحية بكوا عندما رحل عنهم، وهم الذين ثاروا على تلك العائلة لإسكانِهم طالباً مسلما بين ظهرانيهم، وما ذاك إلا بسبب خلقه الرفيع.

قضى الفقيد نحو تسع سنوات في الغربة يدعو إلى الله، بالإضافة إلى دراسته، وأسلم نحو سبعة عشر قسيساً على يديه، ناهيك عن عشرات آخرين من العامة، بل والمساجين الذين كان يخصّهم بزيارات دعويّة وإرشاديّة، خاصّة المسلمين منهم. ورغم تأخيره كتابة رسالة الدكتوراة إلى آخر ستة أشهر من بعثته، فإنه وُفـِّقَ لكتابتها دون خطأ إملائيٍّ واحد، وهي سابقة لم تُعرف قبله في الجامعة. وعاد بعد ذلك إلى قطر ليعمل في الجامعة مُدرساً لمهارات اللغة الإنجليزية والترجمة.

ولم يكن العمل الدعويّ غائباً عن حياة الفقيد بعيد عودته، إذ كان أحد المبادرين المُبرزين فيه. وكان من جملة أسهم في توسيع أنشطة جمعية قطر الخيرية بوضع قدمٍ لها في ألبانيا، تلك الدولة الأوربّيّة المسلمة التي خرجت من رداء الشيوعيّة مطلع التسعينات من القرن المنصرم. وقد كانت الجمعيّة لا تزال تُعرف آنذاك باسم “لجنة قطر مشروع كافل اليتيم”.

ومن بعدها تولى منصبَ مساعد وكيل وزير التربية والتعليم عندما بادر سمو الأمير الوالد إبّان توليه ولاية العهد آنذاك في عملية إصلاح التعليم في قطر. وكان يجهد نفسه في العمل حرصاً على تحسين التعليم إضافة إلى ضمان حقوق موظفي الوزارة. ولعل ذلك كان سبب إصابته بالجلطة الدماغية التي عطّلت بعض أعضاء جسده عن العمل، لعظم التبّعة التي احتملها من ذلك المنصب.

ورغم حالته الصحية الصعبة بعد خروجه من الوزارة فإنه لم يتوقف عن خدمة الأمة، إذ عاد إلى الجامعة للتدريس مجدداً، إضافة إلى إدارته موقع (إسلام أون لاين – IslamOnline) لنشر تعاليم الدّين الوسطية.

وافاه الأجل المحتوم إثر نزيف في المعدة صبيحة يوم التروية من ذي الحجة من عام 1421. ورغم دفنه بعد وفاته بسويعات معدودة، إلا أنّ الآلاف حضروا جنازته حالما علموا برحيله. حتى أنّ أستاذه الشيخ القرضاوي لم يتمكن من إدراك مراسم الدّفن، وهو ما أبكاه حفظهُ اللهُ على تلميذه النجيب.

*       *       *

لعلنا لا نتقوَّل على الحقيقة إذا قلنا إنّه كان سميَّا في الاسم والمُسمّى لمحمد بن عبدالله ﷺ. إذ كان خلقُه أقرب ما يكونُ إلى القرآن، لا يَملّ من السلام على من يعرف ومن لا يعرف ولا تغادرُ البسمة شفتيه رغم ما لديه من أسباب المعاناة. حتى وهو على سرير المرض يعاني الجلطة التي بقيت آثارها معه إلى وفاته، لم يكف عن الاطمئنان على زواره والتهوين عليهم، كأنه الزائر لا المريض.

أما عطاؤه وسعيه في قضاء حاجات الناس، فحدِّث ولا حرج. ولو أنّنا قصَرنا العطاء على بذل المال لكان ذلك وحده يكفيه. وليس عجباً أن يُقال في المجتمع القطري “إذا أردت أن تُقضى لك حاجة، فاذهب إلى د. قطبة”. وكم عرفتُ – بحكم علاقتي الخاصة به – أنه استدان بعضاً من المال ليقرضه لذوي الحاجة، بل إنّه كان يُرسلني في قضاء بعض تلك الحوائج من ماله الخاص رغم علمي اليقين بحاجته إليه. فكان يصدُق فيه قول الشاعر:

تعوَّدَ بَسط الكَفِّ، حتّـى لو انَّـهُ

ثَـنـاها لـِقَـبْضٍ لم تُـجِـبه أنامِـلُـهْ

 

تـَراهُ إذا ما جـِئـتـَـهُ مـُـتــَـهلـِّـلاً

كأنَّـك تُعـطيـه الذي أنتَ سائـلُـهْ

 

هو اليمُّ، من أيّ النَّـواحيْ أتيتَـه

فلُجَّـتُـهُ المعروفُ، والبِرّ ساحِلُهْ

 

ولو لم يكن في كفـِّهِ غير روحِهِ

لَـجَـادَ بِـها، فَـليَـتَّـقِ اللهَ سَـائِـلُـهْ!

حسبُك دليلاً على ذلك أنّ انشغاله بقضاء حوائج الناس أنساه قضاء حاجة نفسه وأهله بطلب ما هو حقٌّ له من أرضٍ وقرضٍ ليبني عليها بيته، فقد كان يُقيم في منزلٍ صغير يجاور فيه والدته، حفظها الله، برّاً بها وإحساناً إليها. ولم تحصل عائلته على ذلك الحقّ إلا بعدما ذكر فضيلة العلامة يوسف القرضاويّ الأمر لسموّ الأمير الوالد حفظهما الله إبان توليه مقاليد الأمر في البلاد، والذي تفاجأ بهذا الأمر خاصّة أنّه كانت تربطه بالدكتور قطبة علاقة جيدة، فلعله لم يدر بخلده أنّ أحداً من الناس في هذا الزمان يُشغله فعلُ الخير وأداء الحقوق عن نفسه وأهله. فما كان منه إلا أن أوعز إلى من حوله بالوفاء لأهل ذلك الإنسان الذي أفنى حياته في خدمة الدِّين والوطن. وصَدَقَ الله العظيم إذ قال {… وَكَانَ أبُوهُمَا صَالِحاً}.

*       *        *

لقد كان الفقيد رحمه الله نبراساً لمن أراد الوصول. فعمل على أن يبلغ بخلقه ما يبلغه الصائمُ الذي لا يُفطر والقائمُ الذي لا يَفتر، وهو يتذكر في كلِّ ذلك حكمة الربِّ سبحانه في الموت والحياة {لِيَبْـلوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلاً}. وأنا أشهد أمامَ اللهِ أنّكَ قد أحسنت عملاً.

*       *        *

عندما غادر ملتقى الأدباء الشباب الذي أسّسهُ هو وترعرعتُ أنا فيه، كتبت أمازِحُه:

أقُـطـبَـة ٌ.. أيْنَ تَمضِيْ

يا عاشِقَ الإنجليزي؟

 

أراكَ أسرعتَ خـَطواً

?Why don’t you just take it easy

 

أنا أخـُطّ رِقـِاعاً

يـا سـَيـِّدَ التَّطْريزِ

 

فأنتَ مَنْ عـَـلـَّمَنِـيْ

نـَسْجَ الهَوى يا عزيزيْ!

ولستُ أحسَبُه يجيبني على ذلك السؤال إلا بقوله {يَا لـَيْتَ قوْمِيْ يَعلمُونَ، بمَا غَفرَ لِيْ رَبِّيْ وَجَعَلنِيْ مِنَ المُكْرَمِيْن}.

رحمك الله يا أبا جميلة وعبدالله وأحمد، وأحسن عقبانا فيك، وجمعنا وإياك مع الحبيب ﷺ.

آمين.

اغتِيالُ البَنَفْسَج

تقديم

مع حلول الثاني والعشرين من شباط/ فبراير تعاودنا ذكرى الشهادة بإعلان كلمة الحقّ، وهي تتجسّد في صورة الراحلة أطوار بهجت، رحمها الله [07.06.1976–22.02.2006]، الإعلاميّة التي وقعت شهادة حبّها للوطن بالدم.

هذه مقالة سبق وأن نُشرت مع حلول ذكرى اغتيالها الخامسة، أعاود إفشاءها كلّما عاودني أريجُ البنفسج، وفاء لذكرى عطرة تتأبّى على النسيان.


اغتِيالُ البَنَفْسَج..

فيْ ذِكرى رَحيلِ أطْوار بَهْجَت

 

atwarbahjat-profilephoto-khalidalmahmoud

 

لم يدُرْ بخلدي قط أن ما سألقاه في بغداد بعد نهاية الحرب سيكون أبعد من أيّ إشكالٍ سياسيٍّ أو غزوٍ عسكريٍّ وأصعب من أيِّ تجربة شخصية خضتها في حياتي.

ذلك أن التحدي الأكبر الذي لقيته في بغداد حينها وفي الدوحة بعدها، وربما لندن لاحقاً، كان صحفية عراقية شابة تنضح حماسة وثورة وانتماء للوطن. وكان مكتوباً لي أن تربطني بها علاقة خاصة منذ ساعة وصولي إلى مكتب الجزيرة في بغداد يوم الخميس 26/ حزيران، يونيو/ 2003.

تلكم هي الراحلة، عليها رحمة الله: أطوار بهجت السّامرّائيّ.

*       *       *

أولُ خِلافٍ دَبَّ بيننا، كان اسمُها!

فلقد كانت خرجت لتوّها من دورة تدريبية للمراسل الصحفي، وكان من بين مدربيها بعض كبار مراسلي الجزيرة مثل الزميلين تيسير علوني وعبدالحق صداح. ولذلك طلبتُ منها ساعة وصولي أن تصوّر لي خاتمة تقرير افتراضيٍّ لنتخذه نقطة انطلاق للعمل.

كانت أول ملاحظاتي عليها إيقاعُها البطيء في القراءة. وعلاوة على حاجتها لتسريعه، فإنّ اختصار اسمها بدا ضرورة ماسّة، لتستعيض عن (أطوار بهجت السامرائي) بـ(أطوار السامرائي) أو (أطوار بهجت) مع تفضيلي للخيار الثاني.

هاجَت، رحمها الله، وماجَت على هذا القرار الذي بدا لها تعسفياً. فمن أنا حتى أملك حَقَّ تغيير اسمها لها؟ وكيف يفرض عليها هذا الغريب أن تختار بين اسم عائلتها الذي عُرفت به، واسم أبيها رحمها الله الذي كانت تربطها بها علاقة خاصة؟

وحيث كنت أتوقع هذه الثورة، فقد حشدت لها عدداً من أقطاب الإعلاميين في مكتب بغداد للترجيح بين أحد هذين الاسمين. وانتهى الأمر، بعدما هدأت ثورتها، أن قلت لها إنها ستشكرني يوماً ما لأني دفعتها إلى هذا القرار.

ولم تكن الأيام التي تلت هذه الحادثة مختلفة عنها. فقد أصررتُ على ألا يُبثَّ لها تقرير حتى أعطيها الضوء الأخضر، باعتبارها ليست مستعدة للنزول على الهواء بعد. ولم تفلح شكواها لمدير المكتب آنذاك، حين قالت له ضاحكة إنّ أرضية المكتب لابُدّ أنها مصقولة من شِدّة النظافة، لأنّي أمسح الأرض بها في كلِّ مرة تُعِدُّ فيها تقريراً، على حدِّ تعبيرها.

وقد كان تشدّدي معها مبنياً على ثقتي في إمكاناتها الهائلة في العمل الصحفيِّ التلفزيونيِّ. ورغم أنّني كنت أرى رِقّة الأنثى في أعماق عينيها، فإنّ الصّلابة التي تجلّت على حِدّة حاجبيها دفعتني للاستمرار. ولذلك آثرت ألّا تخرج على المشاهدين حتى تكون قادرة على إعطائهم ما يستحقّونه وبما يناسب قدراتها. وقد قلت لها مراراً إنّ من اليسير أنْ يجد المراسل لنفسه مكاناً على شاشة إحدى الفضائيات، ولكن العسير أن يجد له مكاناً في ذاكرة المشاهدين وقلوبهم، وهذا هو ما أريده لها.

*       *       *

كانت رحمها الله تحبّ العراق كثيراً، ربما أكثر من نفسها. ولم يكن شيءٌ يغيظها أكثر من سماع كلمة تمسّ الوطن. وكانت أولى تجاربي معها في هذا المضمار عندما صحبتها لتغطية أوّل حفلٍ للفرقة الوطنية السيمفونية العراقية بعد الغزو.

كان المفترض أن تقوم هي بإعداد قصّةٍ إخبارية عن تلك الليلة، فتوجّهنا إلى كواليس قصر المؤتمرات للقاء مايسترو الفرقة وأعضائها. ولم يبد أنّ هناك شيئاً استثنائياً يؤهِّل الحدَث ليكون تقريراً يُبَثُّ على شاشة الجزيرة، إلى أن بدأت الفرقة في العزف.

كانت مقطوعتهم الأولى هي السلام الوطني العراقي السّابق “موطني”!

لم يكن لديّ شكٌ عندها في أنّ الحدث بات ساعتها أكبر منْ أنْ أترُكَ إنجاز القِصّة لها. فعزمْتُ على إعداد التقرير بنفسي، وطلبت منها أن تُعدّ واحداً من جانبهاً بغرض التدريب.

لم تكفّ عن الحركة الدؤوبة طيلة الحفل، وكانت تكتبُ النَّصَّ أثناء وقوع الحدث، بل وسارعَتْ إليّ فَرِحَةً لتخبرني بفراغها منه وذلك قبل أن تنتهي الأمسية. فلم أجد غير الابتسام للتعبير عن شفقتي على حماستها التي تطغى على منطقِ عقلها أحياناً.

لكنّ ابتسامتها تلك لم تلبث طويلاً، فعندما عاودت الفرقة لتعزف “موطني” مُجدّداً مع ختام الحفل، انخرطت في البكاء أسفاً على الوطن الذي نجّسَه العدوُّ وتآمر عليه الصديق. ولم تكن وحدها من بكى، فالمشاعر الجَيّاشة كانت عنواناً للقاعة التي امتلأت بمئات المثقفين والفنانين العراقيين، خاصةً أن الحفل شهدَهُ أربابُ الاحتلال الأنجلوأمريكي.

عندما انتهيت من التقرير في اليوم التالي، وقارَنَتهُ هي بتقريرها قالت، وهي تحاول الاستعلاء على الحدث، إنّها تُقرّ لي بجودة ما أعددتُه، وأنّها تأذن أنْ يُبثَّ على الهواء لأنّه يُعيدُ الاعتبارَ للعراق الذي شَوَّهته وسائلُ الإعلام بُعيد الغزو.

*       *       *

وتوالت الأحداث بعد ذلك، وتوثَّقت عرى الأخوَّة بيننا على شاكلة أشبه ما تكون باتصال الموج مع الشاطئ في أقصى حالات مَدّه وجَزره. ومَرّت الأشهر والسنوات، لتصبح أطوار واحدة من أشهر مراسلات الجزيرة وأكثرهنَّ مهنيَّة وإثارة للإعجاب. ومنّ الله سبحانه وتعالى عليها بارتداء الحجاب، واقترابها إلى الله أكثر فأكثر في حياتها الشخصية، إلى أن أزفت ساعة رحيلها عن هذا العالم المُختلّ.

فقد اختُطِفت ومن ثمّ اغتيلت، يوم الأربعاء 22/ 2/ 2006، على مرأى من الناس ومسمع مع اثنين من زُملائِها، بينما كانت تُغَطّي حادثة تفجير مرقد الإمام العسكريِّ في سامراء، المدينة التي جاءت منها. وكانت آخر كلماتها لمشاهديها تعبيراً عن عشقها للوطن: “رسالة يبدو العراقيون أحوج ما يكون إلى تذكرها: سُنياً كنتَ أو شيعياً، عَربياً أو كُردياً، لا فرق بين عِراقيِّ وعِراقيٍّ إلا بالخوف على هذا البلد”.

*       *       *

قلت لها ذات مرة، إنّني لم أقابل في حياتي شخصاً نال من اسمه نصيباً بقدر ما رأيته فيها. فلما تساءَلتْ عن معنى الكلام أجبتها بأن اسمها بالعربية “أطوار” يَدُلُّ على تبَدُّل الأحوال وتقلُّب الأيام، وهو ما عرفتـُه فيها طيلة فترة علاقتنا. أما بالإنجليزية، فإن اسمها يكتب هكذا “Atwar” ولو أننا فصلنا بين أول حرفين عن باقي الاسم لأصبح “At War” أيْ “في حالة حرب!” ولم أعهد أحداً في حياتي مستعداً للدخول في مواجهة مع الآخرين تصل إلى درجة الحرب المعلنة بمثل ما عهدته فيها. لم تتمالك نفسها من الضّحك، وكانت لها ضحكة صافية ومُجَلجِلَةٌ في آنٍ معاً (أليست أطوار!)، لكنَّها في الوقت نفسه أقرّتني على هذا الرأيِ برضاً بالغ.

أما الآن، وبعد التحاقها بالرفيق الأعلى، فقد كتبت لها قصيدة لم تنشر بعد، قلت لها في مطلعها خُلاصَة ما أحسبها قضت نَحبَها عليه:

سَلامٌ عَليكِ،

على ناظِرَيكِ،

على الدَّم ِ يَشخَبُ مِنْ وَجْنَتيكِ.

سَلامٌ على الأملِ المُستميتِ..

على قدميكِ

إذا ما حَفيتِ؛

وحَاشاكِ..

فالأرضُ نَعلٌ لَديكِ،

وهَذي السَّماءُ خِمارٌ عَليكِ.

سَلامٌ على الأرضِ إذ جِئتِ مِنْها،

وعُدْتِ إليها،

فَبُشرى لها،

ثُمَّ طُوبَى إليكِ.

*       *       *

رحمك اللهُ يا أطوار، وغفر لكلينا ما كان لصاحبه، وجمعنا في ظلِّ عرشه ومُستقرِّ رحمته بإذنه تعالى. اللهمَّ لا تحرمنا أجرها، ولا تفتِنَّا بعدها، واغفر لنا ولها. آمين.

مَوَاسِمُ الأعْيادِ.. بَينَ الذَّاتِ والآخَرِ

تقديم

هذه المقالة من جملة المقلات التي اختفت من موقع صحيفة العرب القطرية حيث كنت أداوم النشر، وذلك بعد تطوير موقع الصحيفة الإكتروني عدَة مرات. وها أنا أعيد نشرها للراغبين في الاطلاع على موضوعها.


مَوَاسِمُ الأعْيادِ..

بَينَ الذَّاتِ والآخَر

 

يصعُب على المتابع تجاهل تزايد صرخات الاستهجان في الوسط المسلم كلّما شارفنا موسماً من مواسم الأعياد، مثل الاحتفالات بأعياد الميلاد (Christmas) أو رأس السنة الميلادية وغيرها. ورغم تزايد أصوات المُندّدين بمشاركة المسلمين أعياد غيرهم فإنّ الواضح هو تزايد المشاركة فيها سواء من الأفراد أو المؤسسات التجارية والفنادق.

الرافضون لتلك المشاركة، التي تزّايد عاماً بعد آخر، يرجعون سبب الرفض للحُرمة الشرعيّة في مشاركة المسلمين غيرهم في أعيادهم، لأنها مشابهة لتأييدهم في عقائدهم.

لست بحاجة للتأكيد على أنني لست فقيها أو مفتياً شرعيّاً حتى أتجنب الخوض في المسألة من هذا الباب.

ولكنني في المقابل، أزعم أنّ ثمّة سبباً آخر نحتاج للتفكّر فيه، قد يعيدنا إلى الوعي ويُبصِّرنا بما ينبغي فعله في مناسبات كتلك. ولتوضيح ما أعنيه، أرجو منكم الصّبر على القصة التالية.

*       *       *

قبل بضعة أعوام، دُعيت إلى حفل استقبال في منزل السفير الأمريكيّ في الدوحة، وذلك احتفاء من السفير – الجديد آنذاك – بمجموعة القطريّين الذين شاركوا في برنامج الزائر الدولي للولايات المتحدة خلال الأعوام الفائتة. ذلك البرنامج يتبع الخارجية الأمريكيّة التي تروّج للثقافة الأمريكيّة من خلال دعوة مختلف الشرائح الثقافيّة في أنحاء العالم للاطلاع على بعض النماذج الحياتيّة في المجتمع الأمريكيّ مثل دور الأديان في الشراكة المجتمعيّة هناك (وهو البرنامج الذي شاركت فيه عام 1998).

حرصت على الحضور بعد مقاطعتي فعاليات السفارة الأمريكيّة منذ شنَّت واشنطن حربها على أفغانستان عام 2001. وكنت أرغب، فضلاً عن التعرف على السفير الجديد، في أن أتلمس طبيعة السياسة الأمريكيّة الخارجية الجديدة، بعدما تمّ انتخاب الرئيس السابق باراك أوباما حينها.

وقبيل رغبتي في الانصراف، سمعت أحد الإعلاميّين البارزين يقول للسفير إنّه يعتذر مجدداً عن المواد الناقدة للولايات المتحدة التي تُنشر له في الصحف القطرية. السفير البالغ التهذيب والدبلوماسيّة شكره في المقابل على تلبيته الدعوة دون أن يعتب عليه شيئاً. بيد أنّ الإعلاميّ المعروف لم يكفّ عن الاعتذار مجدداً (أي للمرة الثالثة) عن طبيعة أعماله التي عزا سبب نشرها لرغبات الجمهور العربيّ.

لم أصدق ما سمعت، خاصة أن أبرز ما مَيَّز السفير هو حديثه إلى الجميع بلغة عربيّة فصيحة حرص على تعلمها أثناء عمله في عدة دول عربيّة على مدى سنوات. بمعنى أنه كان حريصاً على الاقتراب منا أكثر من ذلك المثقف المعتذر. وكان واضحاً من خلال حديثي الشخصيّ مع سعادته أنّ الدبلوماسيّة رفيعة المستوى قد بدأت عودتها بعد انحسارها إبان ولايتي الرئيس الأمريكيّ الأسبق جورج بوش الابن.

*       *       *

لست واثقاً لطبيعة مُراد ذلك المثقف القطريّ من اعتذاره لسفير لم يعتب عليه أصلاً، بل ويُقدِّر أنّ الاختلاف بين الأشخاص، ناهيك عن الشعوب، ركنٌ لازمٌ من أركان الحياة البشريّة.

لكنّني أثق أنّ الأزمة الداخلية التي يعيشها المواطن العربيّ تكمن في احتقاره لذاته الحضاريّة، وربّما الشخصيّة أحياناً، كلما وقف أمام ما يُمثِّله الغرب المتقدم عليه. وهذا التفوق الغربيّ، وإن كان لا يشمل جميع المجالات الحياتية، جاء على حساب التقدير الذاتيّ الواجب علينا في حقِّ أنفسنا.

تلك القصة ليست سوى مثال واحد من عديد الأمثلة التي نشهدها على كافة مستويات العلاقة مع الآخر، والغربيّ تحديداً. وما تسْمِيَةُ (عقدة الخواجة) التي تشير إلى انتقاص العربيّ نفسه أمام الأجنبي، إلا نتيجة حتمية لذلك الشعور المُكوِّن لرؤيتنا لذواتنا في علاقتنا مع الآخر.

إذن، المعضلة ليست مسألة (دِين) إنما هي مسألة (دُون). فالشعور بالدونيّة والنقص يعني بالضرورة العمل على التشبه بالنموذج الأعلى والأكمل. وهو في هذه الحالة، الغربيّ المنتصر منذ بضعة قرون (عسكرياً وتكنولوجياً على الأقل). مسألة نبَّهنا لها ابن خلدون في مقدمته، عندما أوضحَ أن المغلوبَ مولعٌ دائماً بالتشبه بالمنتصر في شعاره وزيِّه ونِحلته وسائر أحواله وعوائده، التي تشمل أعياده أيضاً.

*       *       *

الآن نسال: كيف نتصرف إزاء هذا الوضع؟

أزعم أن أوّل ما نحتاجه للتعاطي مع الأمر هو استعادة انتمائها لذاتنا الحضاريّة، وإحياء ثقتنا بأنفسنا سواء على المستوى الشخصيّ أو الثقافيّ. لأن تلك العقدة الحضاريّة ستكون أكبر عائق يحول بيننا وبين بلوغ أي تغيير نريده على مستوى سلوكيات المجتمع المغلوب حالياً.

وحالما استعدنا شيئاً من ذلك الاعتزاز بالنفس، الذي له مِمّا يؤيده الكثير من تاريخنا وديننا، فسيكون بالإمكان التعامل مع الآخر، أياً كان، بندية وتساوي. إذ ليس المقصود من استعادة الثقة في الذات أن تكون على حساب احتقار الآخرين مهما كانت انتماءاتهم العرقية أو الدينيّة أو الثقافيّة. وقد وضع القرآن الكريم لنا قاعدة لسبب وجود تلك العلاقات بين الشعوب والقبائل أنها {لِتـَعَارَفوا}، مع التأكيد على أنّ ميزان الأفضلية المعنيّ بالتقوى هو ميزان ربانيٌّ خاصّ، لا يمكن للبشر الحكم فيه لأنّه مختصّ بالضمائر وخلائج النفوس.

ومن هنا، نحتاج إلى التذكير أّن الاحترام أمرٌ ينبغي على الأمم والأفراد اكتسابه، لأنّه لا يأتي من باب الاستجداء. واكتسابه يبدأ باحترام أبناء الأمة لأنفسهم وثقافة حضارتهم ودينهم وقيمهم العليا.

لأنّنا إذا عَدِمنا كلّ ذلك، فلا يمكن أن نتوقّع توقّف احتفالات المغلوب بأعياد الغالب، وغيرها من عاداته وعوائده.


Thoughtless Subservience

كلماتُ ما بَعدَ الرَّحيل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..

إلى القارئ الكريم

تمرّ في الحادي عشر من سبتمبر لهذا العام عشر سنوات على رحيل الفقيد الحبيب ماهر عبدالله.

وبالإشارة إلى المقدمة النثرية التي تسبق القصيدة أدناه، فقد كُتبت عندما نشرت للمرة الأولى قبل خمس سنوات في صحيفة العرب. وحيث إنّها لم تعد موجودة على موقع الصحيفة الإلكترونيّ، فها أنا أقوم بإعادة نشر القصيدة التي عزّيت نفسي بها فيه بُعيد رحيله.


في رثاء المغفور له إن شاء الله

ماهر عبدالله

 

maherabdullah-article-khalidalmahmoud

 

في يوم الخميس 9/ 9/ 2004 كان آخر لقاء مباشر لي مع صديقي، وحَمَايَ بعد وفاته، ماهر عبدالله رحمه الله. وكان آخر عهدي به إشارةٌ صامتةٌ بيده لتذكيري بالتحوّل من النادي الدبلوماسيّ، حيث ختام المؤتمر القوميّ العربيّ في الدوحة، وذلك للقاء في مكان آخر مع ضيوف المؤتمر الذين يعرفهم جميعاً ويعرفونه كافّة.

لم أجب تلك الدعوة، ولذلك فإنّني لم أره بعدها حتى وافاه الأجل المحتوم، إلا وهو مُسجّىً على سرير المشرحة في المستشفى وقد تكلّلت جبهته العريضة بالدماء. ولكنّني أذكر جيداً أنه عندما أشار إلى المكان الآخر، كانت إشارته بإصبع الشاهد متجّهاً إلى السماء. ولعلّه من حيث لا يشعر كلانا، أراد تذكيري، وربّما مواساتي مُسبقاً، بأنّنا إن لم يكتب لنا اللقاء على هذه الأرض، فثمة موعدٌ آخر سيجمعنا في السّماء.

ذكَرْتُ بعدها حادثة جرت لي مع الفقيد، وذلك غداة علمتُ بوفاة الدكتور محمد قطبة رحمَهُ الله، والذي أثّرت وفاته المفاجئة في كلّ من عرفوه. وكان ماهر نفسه من جملة معارفه المقرّبين منذ أيّام دراستهما في بريطانيا وانشغال كليهما في العمل الإسلاميّ.

فعندما أخبرت بالخبر ماهر، الذي قلّما بدا عليه التأثر العاطفيّ، ركبنا سيارتي لحضور صلاة الجنازة على الدكتور. وكان أخشى ما خشيته لحظتها أن يقول كلاماً عقلانياً أكثر من اللازم فيُخرجني عن طوري في تلك الفاجعة، إذ لم تكن بضع ساعات قد مضت على رحيل الدكتور الحبيب.

إلا أنّ ماهر حالما ركب السيّارة قال بلهجته الفلسطينيّة المحبّبة:”شايف يا أستاز (أستاذ). هيك (هكذا) الموت، ما بيفرّق بين كبير وصغير!”، وبينما كنت أخشى عليه من ثورتيْ إذا استرسل في الكلام، أردَفَ قائلاً “ياالله… إذا كان من أهل الجنّة، فالواحد لازم يفرح له… وإذا كان من أهل النار، فما بيستاهل نبكي عليه؟”.

وكأنما صبّ على رأسي بكلماته تلك سطلاً من الماء البارد.

فعلاً… أليس هذا هو ما ينبغي أن يكون عند استقبالنا لمصيبة الموت! فعلامَ نحزن على من كانت حياته ابتغاء وجه ربّه، وفيم نذرف الدمع على من لم يعرف الله في حياته!

لقد كانت كلمات الغالي أبي أسامة أكثر ما عَزّاني على رحيل الغالي محمد قطبة. والعجيب، أن تكون تلك الكلمات ذاتها هي نفسها التي استدعيتها عندما أزفت ساعة رحيله. إذن، لقد كان يواسيني قبل موعد الرحيل، بأن لا تحزن، فما من حاجة للحزن على من تعلم صدق مسيرته في طريق العودة إلى بارئه.

لقد أرّخَ الكثيرون لوفاة أبي أسامة رحمه بتزامنه مع الحادي عشر من سبتمبر 2004، دون أن يُدركوا أنه صادف ذكرى الإسراء والمعراج في ليلته التي التحق فيها بالرفيق الأعلى.

الآن، أقول له وفاءً لصداقته التي ما برحت تكبر في أفئدة من يحبونه: أسأل الله تعالى أن يُعلِيَ ذكرك بالخير في الأرض وفي السماء، مهما حاول الأقزام إخماد جذوته. وأتضرع إليه تعالى أن يجمعنا بك في ظل عرشه ومستقر رحمته {مَعَ الذِينَ أنْعَمَ اللهُ عَليْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ والصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} آمين.

*       *       *

MaherAbdullah01-Poem-KhalidAlMahmoud

MaherAbdullah02-Poem-KhalidAlMahmoud

MaherAbdullah03-Poem-KhalidAlMahmoud


قَبلَ أنْ أَخُونَ وَطَنِيْ

هذه كلماتٌ أمْلَتْها عَليّ تجربةٌ شَخصيّةٌ، بيد أنّها تصف ما يعايشه المواطنُ على هذه الأرض التي يحبّها كثيراً.

وما بين سطورها من الألم المُمِضّ والغضبِ الدّفين أعمقُ بكثير مما يطفو على سطحها.

ولقد وجدته واجباً عليّ نقلها للقارئ الكريم، لأمرين اثنين:

الأوّل أنّه بغضّ النظر عن الاختلافات في طبيعة تجربة كلّ مواطن، فإن ما ورد فيها من مشاعر يعبّر تماماً عما يختلج في نفوس الكثيرين من أبناء هذا الوطن، الذي يرون أنفسهم يعيشون على هامشه، فيما يتنعّم غيرهم بنعيمه وثرواته وما كانت لهم عليه يدٌ بيضاء.

أما الثاني فلعلة أمنية مِنّي أن تجد هذه الكلمات أذناً صاغية لدى مسؤولي هذه البلاد التي تعبت ممن يصمّون آذانهم عن سماع الحق، لا لشيءٍ سوى أنه جاءهم من مواطنٍ بَنى القهرُ بين جوانِحه حواجزَ ممتدّة تمنع نبضات قلبه من الوصول إلى أولئك النَّفر من أصحاب القرار.

لن أطيل عليكم، ففي الكلمات التالية الكفاية، وإن كانت غيضاً مما تفيض به النفوس…

*       *       *

لعله لا يخفى على أحد أنّ واحدة من أبشع الجرائم التي تـُرتكب في حقّ الوطن هي انتزاع الشعور بالمواطنة من نفوس أبنائه. وإذا كان ذلك خافياً على أذهان العامة، فهو ظاهر في خَلجَاتِ نفوسِهم وخَطرات شكاويهم.

تلك الجريمة تُمارس في كلّ جهة وحين، جهلاً أو قصداً، عندما يُدفع المواطنُ دفعاً للإحساس بأنّ الأرضَ التي تربّى عليها وأكَلَ من خيراتها ليست ملكاً له مثلما هي للآخرين، وأنها تحابيْ غيرَهُ دونَه، وتعطي سواه ما تُنكِرُه عليه. فإذا به يرى المواطنة مسألة نسبيّة، تُدارُ بحساباتِ المصالح الشخصيّة ووشائج القربى، والمثل الشعبيّ “إذا حَبّتِكْ عِينيْ، ما ضَامِك الدّهَرْ”! ولمن يجهل اللهجة القطرية، فإنّ معنى المثل أنّك إذا رضِيَتْ نفسي عنك، فلا ضير يُخشى عليك من غدر الزمان، فإنّي لك حصنٌ حصينٌ من نوائبه.

ولقد تمرّ على المواطن السّنون وهو يسعى لخدمة بلده بما فتح الله عليه من قدراتٍ ومواهبَ وإمكاناتٍ، فلا يكاد يجد فرصة عمل يستطيع خلالها إفادة بلاده في مجالٍ يجيده ويستمتعُ به.

فالمواطن يدخل سوق العمل وفي ذهنه تصوّرات تُقال في الدورات التدريبيّة والاستشارات المهنيّة حول التخصص الذي ينخرط فيه ومن ثم كيفية اختياره الوظيفة التي يريد وما يتوجّب عليه فعله في مقابلات العمل وكيفيّة بناء سيرته المهنيّة، وما عدا ذلك من أمور تقوّي من بأسه في المنافسة على الوظيفة المطلوبة.

ورغم ذاك، فإنه مهما تشنّفَ سمعُه بالمديح الزائد عن كفاءته وسيرته وضرورة الاستفادة منه، ناهيك عما يسمع من وعودٍ براقة وإغراءاتٍ جَذابة تجاه الوظيفة، فإنّ المطاف غالباً ما ينتهي به عند الانتظار لذلك الوعد الذي لن يتحقق.

ومع تكرار التجربة المَرّة تلو الأخرى، فإنّه يكتشف أنّ كلّ ما قيل له عن حاجته للعلم والكفاءة والتجربة والخبرة الطويلة، لا يعدو كونه أسطورة ليس لها موطئ قدمٍ على أرض الواقع.

ذلك أنّ تلك المؤهلات تعدّ ثانوية، وربما غير ضروريّة، أمام أمور أخرى أكثر أهمية لدى صاحب القرار.

فمن تلك الأمور اللازمة ضمن مؤهلاته أن تكون ثمّةَ قرابة ما تجمع طالب الوظيفة بمن يعطيها. فالمسؤول يرى المؤسسة التي يتولّاها أشبه ما تكون بعزبة أو مزرعة خاصة يُربّي فيها من البهائم ما يشتهيه، ويمنع عنها من يأنف عن رؤيته.

وإذا لم تكن ثمة قرابة، فلا أقلَّ من أن تكون ثمّة وساطة قويّة، أو على الأقل ذات فائدة، تقدّم هذا الشخص وتتخيّره بين أقرانه لشغل هذه الوظيفة أو تلك مهما صغُرت. لأنّ المسؤول يعلم أنه إذا حكّ ظهرَ أحدِهم اليوم، شريطة أن يكون ذا فائدة مرجوة، فلا شكّ أنّه سيجد من بينهم من يحكّ ظهره يوماً ما. وصدق المثل المصريّ “يا بَخْتِ مِنْ نَفّعْ، واسْتَنْفَعْ”!

كما أنّ من الضرورة بمكان، سواء وُجدت صلة قربى أو لا، أن تكون قيمة الولاء لصاحب الأمر في المؤسسة هي الأساس في منظومة قِيَم طالب الوظيفة. فمع انعدام الولاء المطلق لما يريده المسؤول فإنّ أيّ وشيجة قربى لن تجدي، وبالتالي فإنّ حصول مواطن يمكِنُ أن يُتوقع منه قول “لا” ذات يوم يُعَدّ أمراً غير واردٍ البتة.

والنتيجة الأكيدة التي تتبدّى للأكفاء من أبناء هذا الوطن، والذين يعدمون تلك الشروط الخاصة، هو غرقهم في دَوّامة التّشكّك في الذات والقلق من المستقبل والحقد على أخلاقيات عملٍ لا تزيد هذا الوطن إلا عَمَىً ووًقراً.

وهم، إذ يُنفَون إلى جُزُر الشكّ والمعاناة، فهم يجهلون أنّ ما يُفترض أنْ يكون سبباً لتوظيفهم هو تحديداً ما يدفع المسؤولين إلى رفضهم.

فكفاءتهم ومهاراتهم خطر بالغ بالنسبة للمسؤولين الذين جاؤوا إلى سُدّة المنصب على ظهر “دبّابة” الواسطة، وأسَّسوا فيه سلطتهم المطلقة. فالأكْفاء، بحكم مؤهلاتهم، يرفضون أنْ يروا الخطأ ويسكتوا عنه، ويأبَون أنْ يبصروا الهَدْرَ الحاصل في المال العام ويغضّوا عنه الطّرف، ناهيك عمّا يمكنهم فعله حينما يشهدون الفساد الحاصل في المؤسسة، سواء بعلمٍ أو بغير علم، من العاملين فيها من أُسِّهِم إلى رأسهم.

والمسؤولون بالتالي في غِنى عن ذلك الصّداع المُزمن الذي يتسبَّبُ فيه هؤلاء الذين “يعتقدون أنهم وطنيّون أكثر من سواهم” بسبب الحرص الذي “يزعمونه لأنفسهم” على موارد البلد.

*       *       *

إنّ أكثر ما يسوء المواطن الصالح في بلداننا أنْ تجده وأمثاله يطلبون العونَ من أصحاب القرار حتى يُسدّدوا بعضاً من الدَّيْن الذي تنوء به كواهلهم لهذه الأوطان، فلا يجدون منهم إلا التّجاهل والنّكران.

فذلك الوضع، لعمري، هو بعينه الحَوبة التي تُرتكب في حقّ وَطنٍ يحتاج إلى كلّ يدِ عَونٍ من سواعد أبنائه، خاصّة في وقتنا هذا. لأنَّهم إذا انتُزع مِنْهم شعورُهم بالمواطنة، فأيّ خيرٍ يُرتجى منهم نحو أهليهم وأوطانهم؟!

ويا لها من جريمة تلك التي يخترق نصلُها فؤادَ الوطن، باسم الوطن، ناهيك عن كونها خطيئة كبرى تـُرتكبُ في حقّ بنيه. وإنّ تلك الجريمة البشعة هي التي أخشى أنْ تدفع المواطنَ الشّريفَ العفيفَ إلى خيانةِ وطنه ذاتَ يومٍ، وحسبُه منها نصيباً ألّا يعودَ مواطناً صالحاً لوطنه الذي أعطاه ساعة الزّرع، ثم أبى عليه يوم الحصاد.

خلاصة الكلام: أما آن لهذا الوطن أنْ ينتفع بما استثمرَ فيه كثيراً من طاقة المخلصين من أبنائه؟!

اللهُمّ إنّي قد بلّغتُ… اللهُمَّ فاشهَدْ.

إسَاءَتُنا لِرَسولِنا ﷺ

أتساءلُ، لو أنّ أحداً لم يخرج في مظاهرةٍ أو يُحرق علماً أو يقتحم سفارة أو يدعو إلى مقاطعة مواقع على الإنترنت، هل كان أحدٌ مِنَّا سيعرفُ أنّ ثمَّةَ وضيعاً أنتجَ فيلماً يُسيء فيه إلى نبيّنا على الصَّلاة والسلام؟!

وللتذكير، فإنّ رُبع القرن الماضي شهد نماذج عِدّة مشابهة للحدث الأخير، أذكر منها على سبيل المثال: رواية “آيات شيطانيَّة” لسلمان رشدي، الصور الكرتونية الدنماركية، فيلم “فتنة” لعضو البرلمان الهولندي غيرت فيلدر، إحراق المصحف في إحدى كنائس ولاية فلوريدا، وغيرها مما لا يتسع المجال لحصره.

أعود فأقول: أكان يمكنُ لأيّ من هذه المحاولات الوضيعةِ لِلنَّيل من نبيّ هذه الأمَّةِ أنْ تجد لها رواجاً مثل الذي لقيته بعدما أشهرناها نحن بجهالتنا للعلن؟!

الإجابة هي: قطعاً، كلا.

بيد أنّ السؤال الأهم، في تقديري، هو: ما الذي يجعلنا ندخل نفس الجُحر الذي منه نلدغ كلّ مرة؟!

إجابة هذا السؤال تحتاج إلى بيان.

*       *       *

واحدٌ من أشهر الأبيات المتداولة لدى العرب من قديم قول شاعرهم:

لو كُلّ كَلبٍ عَوَى، ألقـَمْتـَهُ حَجَراً

لأصْبَحَ الصّخْرُ مِثقالاً بدينارِ!

والمعنى الذي ما فتئت جماهير أمتنا تتجاهله صاغِراً عن صاغِر، أنّ الحكيم هو من يتجاهل الكلاب التي تنبح عليه أثناء سيره، لأنّه لو انشغل بإلقام كلّ منها حجراً لإسكاته، لنتج عن ذلك أنّ الحصى سيصبح بقيمة الذهب، لكثرة ما سيحتاجه المرء لإسكات الكلاب العاوية… وما أكثرها!

ولكنّ الحكمة وحدها، أو بالأحرى غيابها، ليست السبب الوحيد في تكرُّرِ تلك المشاهد التي تمارسها الجماهير المسلمة، والتي غالباً ما تعود علينا بالخسارة بالمناسبة.

ذلك أنّ الإعلام الغربيّ يتشبثُّ بصُورنا ونحن نشتم ونُحرق وندمّر وندعو إلى هلاك الآخر، ليؤكدّ من خلال تلك الصور أنّنا أمّة من الغوغاء، وأنّ وصولَ بعضنا إلى الحكم، خاصة المنسوبين إلى التّيار الإسلاميّ، يعني بالضرورة إقصاء الآخر وتهميشه، بل ربما تصفيته.

ما أزعمه سبباً لهذا كله، أمران اثنان كلاهما يُعَبّر عن حالة نفسيّة غير سَويّة.

الأمر الأول: هو حالة اليأس التي أحاطت بنا لعقود طويلة، وربما لقرون مُمتدة بعد تقطـّع أوصال الأمة وانشغال قادة دويلاتها بملذاتهم ومصالحهم الضيّقة عن مصلحة الأمة بامتدادها طولاً وعرضاً.

تلك الحالة، التي نرى فيها أنفسنا الطرف الخاسر دائماً، هي ما تدفعنا للبحث عن انتصار… أيّ انتصار، يُشعرنا أنّ لحياتنا معنى وأنّ لوجودنا قيمة.

وتجليات هذه الحالة لا تقتصر على “انتصارنا” للرسول عليه السلام في الحوادث المشابهة، بل يمكن إبصارها في كافّة ردود أفعالنا على مختلف المستويات.

خذ منها مثلاً ما ينتاب المشجعين في ميادين الرياضة من مشاعر جيّاشة تجاه فوز فريق أو خسارته في منافسة رياضية، مهما بلغت من الصغر. ولعلـّي لست بحاجة لتذكير الكثيرين بما شهدناه في تصفيات كأس العالم المُؤهّلة لجنوب أفريقيا 2010 عندما نشبت الفتنة بين جماهير مصر والجزائر لأجل مباريات غرضها التأهل لكأس العالم فحسب، لا الفوز به، بالمناسبة!

ما جرى آنذاك، هو نفسه الذي يجري الآن، مع اختلاف الرُّتوش والمظاهر، لأنّنا في الحالتين نبحث عن انتصارٍ… أيّ انتصارٍ في حياتنا المُترَعَة بالهزيمة!

أما الأمر الثاني: فهو رغبتنا الماسّة في التخفيف عن ضمائرنا المتعبة بسبب ابتعادنا عن منهج النبيّ عليه الصلاة والسلام وشريعته الغرّاء، فتَرانا نعمل على تعويض ذلك البُعد المُشين بأن نُظهر أنفسنا في مظهر المنافح عن نبيّه والمدافع عن كرامته ﷺ، وهو في غِنى عن ذلك عليه السلام، إذ إنّ المولى سبحانه وتعالى تكفّل له بذلك عندما قال {إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ}.

وهذا أيضاً شعورٌ له مظاهر متعددة لدى شرائح كبيرة من أبناء هذه الأمة، يصفعك حيثما التفتّ.

إذا أردت مثالاً، فما عليك إلا أن تلقي نظرة سريعة إلى حال الذين يضعون المُلصقات القائلة “كُلّنا فِداك يا رسول الله”، لتتعرف على مقدار التناقض الذي يعيشونه بين ما يزعمون من فداء الرسول على السلام وبين ما يعزمون على تطبيقه من شرعه واتِّباع هديه.

وإذا سألت أحدهم عن تقصيره البيّنِ في شتّى أمور الشريعة التي يزعم أنه يفتدي نبيها الكريم، كانت الإجابة من أمثال “على الأقل أنا أصَلّي” أو “على الأقل أنا متحجبة”، بل أحياناً “على الأقل أنا مسلم”.

ويا سبحان الله، فما أشبه هؤلاء بما ذكره الكتاب الكريم عن الذين زعموا الإيمان ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم، فتراهم {يَمُنّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلـَمُوا}.

*       *       *

خلاصة الأمر أنَّنا نُسيء لرسولنا الكريم أكثر مما يُسيء إليه أولئك الأشقياء بما يفترونه عليه، ﷺ. ذلك أنّهم يُكرّرون ما يقولون وهم يناصبونه العداء، فيما نفعل ذلك بينما نزعم أنّنا له أوفياء ولدينه أولياء.

وأزعم أنّه لو عُرض هذا الأمر عليه ﷺ، لقال لنا مثلما قال لعمر بن الخطاب الذي أراد أنْ يضرب عنق يهودي جاء يستوفي دَينه من المصطفى بأنْ افترى عليه بأنَّه مِمّن يماطلون في أداء الحقّ لأهله، فقال {كُنّا أحوجَ إلى غيرِ هذا منكَ يا عُمَر، أنْ تأمُرَني بحُسن الأداءِ، وتأمُرَهُ بحُسن التّقاضيْ}.

ذلك أنّ الرّحمة المهداة للعالمين، إنّما جاء ليُحِقّ الحَقّ بكلمات الله، ويقيم العدل بين الناس مهما كان دينهم. وإنّه ما كان ليرضى أنْ نضع وِزرَ أنفسِنا على غيرنا بحجَّة أنّهم قالوا عنه ما ليس فيه.

إذ:

لو كُلّ كَلبٍ عَوَى، ألقـَمْتـَهُ حَجَراً

لأصْبَحَ الصّخْرُ مِثقالاً بدينارِ!


On Barking Dogs: When Wounded Hearts Rule

شعبٌ وثورةٌ ونَصرٌ

لا يسَعُني وأنا أشهد ما يجريْ على أرض الشّام إلا أنْ أزفّ خالص التبريكات للشعب السوريِّ الباسل على انتصاره الباهر، فيما تحتبسُ دموع الفرح إلى حين الانتهاء من الشّكليات الأخيرة لثورتهم المباركة.

أما المُتشكِّكين من جديّة ما أقوله، أو المُتذمِّرين من تأخر سقوط النظام المجرم، فإن ما يُعميهم حالياً عن إبصار ذلك النّصر السّاحق الذي أتحدّث عنه هو اهتمامهم بالمظهر لا الجوهر.

وإذا أردتم معرفة السبب، فإليكم التفصيل.

*       *       *

تحضُرني في هذا السِّياق مناسباتٌ عِدّة تحاورتُ أثناءها مع بعض الإخوة السُّوريّين من شتى الطوائف، باستثناء أتباع النظام والمستفيدين منه، طيلة ثلاثة العقود الفائتة.

كانت المواقف التي أذكُرها متعلقة بمسألةِ وقوف الحقّ في مواجهة القوة وكيفيّةِ إدراك آليّاته وأساليبه، إضافة إلى إحسان تطبيقِه، حتى نتمكّنَ من رؤية بصيص النّور في نهاية النفق المظلم في مجتمعاتنا العربيّة.

ولست بحاجة لتذكير القارئ الكريم بمقدار اليأس الذي استولى على عقليّة المواطن العربيّ بشأن التغيير في كافة البلاد العربيّة في السنوات السابقة للربيع العربيّ، والذي يرجع سببه إلى قسوة الأنظمة في عقاب من تُسوّلُ له نفسُه مجرّدَ التفكير في أن يقول: لا!

ولذلك، فإنّ كافة الحوارات التي جرت بيني وبين أولئك النفر، سواء من سوريا أو غيرها من البلدان العربيّة، كانت تنتهي بتذكيري بما كان يُعدّ حكمة جديدة ولكنها أكيدة في نفس وعقل الإنسان العربيّ؛ تلكم هي (مليون مَرّة “جَبَان”، ولا مَرّة واحدة “الله يرحَمُه”)! ومفادها، لمن لم يسمع بها من قبل، أنّ من الأفضل للمواطن الخضوع في ذلٍّ لما يجري حوله بحيث يوصفُ بأنّه “جَبَان” مليون مَرّة في اليوم، عن أنْ يتجرّأ بعمل شيء، أو حتى قول شيء، يؤدي به إلى الموت، بحيث لا يذكره الناس إلا بقولهم “الله يرحَمُه”.

ولست أفشي سرّاً بإعلاني مقدار ما صعقتني تلك المقولة حينما سمعتها للمرّة الأولى. ولم يزدني سماعها، حتى ولو على سبيل المزاح، إلا غضباً من البيئة التي أنتجتها وتقززاً من العقلية التي أفرزتها.

ذلك أنّها لا تمنع الفعل الإيجابي في الحاضر فحسب، بل إنّها تجعل من العجز إرثاً يُوَرّثُ للأجيال المقبلة بحيث تتخذ من الحياة الذليلة غاية المنال، أو “بطولة” كما وصفتها إحدى شخصيات الراحل عبدالرحمن منيف، رحمه الله، بغضّ النظر عما يعتورها من خنوع واستكانة للظلم والظالم.

وما زاد سوءة تلك المقولة أنّها لم تتوقف فحسب عند مسألة المواجهة مع أنظمة الإجرام العربيّة، التي ما برحت تتساقط واحداً تلو الآخر، بل تجاوزتها لتشمل مناحٍ شتّى من حياة الإنسان العربيّ. فقد كانت حاضرة مثلاً عندما دار الحديث عن إمكانية المطالبة بتغيير بعض سياسات المؤسّسة التي يعمل فيها أولئك النفر أو تداول الرئاسة في أقسامها، وهي مطالبات تفيد العمل ولا تضرّ الإدارة بحال. بل إنها استُخدمت ذات مرة في العزوف عن الشكوى بشأن مقصف المؤسسة، خشية أنْ تضع أصحاب الاعتراض على “لائحة سوداء” لدى الإدارة العليا بسبب سخطهم على قرار اتخذَتْه!

والتحوّل الذي تشهده الشعوب المقاومة هو آية القول في اعتقادي بانتصار الشعب السوريّ البطل في وجه آله القمع من النظام المجرم وحلفائه، والتي يواجِهُها بصدرٍ عارٍ وعزيمة جبارة معتمداً فيها على الله سبحانه وحده {وَكَفـَى بـِرَبّكَ وَكِيْلاً}. خاصة أنّ بواسل الشام يعلمون أنّهم لا يواجهون النظام المجرم فحسب، بل الدعم الإيرانيّ المُطلق، والتأييد الروسي من ورائه بحكم المصالح.

ذلك أنّ لسان الحال لدى أبطال الشام الآن، ومن سبقهم من الشعوب المقاومة، تحوّل إلى (مليون مرّة “الله يرحمه”، ولا مرة واحدة “جبان”).

هذا هو أوّل وربّما أكبر مَعْلم من معالم الانتصار في الربيع العربيّ؛ إنه الانتصار على الخوف، والإقدام على مواجهته رغم معرفتنا يقيناً بما قد ينتظرنا حين نلقاه. فلا بأس عندها من أن تـُقدَّم الأرواحُ رخيصة في سبيل الوصول إلى الغاية.

لقد قال الزعيم الأمريكي الراحل مالكولم إكس (Malcolm X) في لقاء تلفزيونيٍّ ذات مرة “إذا لم يتمكَّن الرجل الأسود من أنْ يثبت للرجل الأبيض في أميركا أنه قادرٌ وعازمٌ على دفع ثمن حريّته، فإنّه لن يتمكّن من إطلاق سراحه من قيد العبودية”. وحين سُئل عن الثّمن الذي يتحدّث عنه، أجاب بوضوح “إنّ ثمنَ الحريّة هو الموت!”.

وأبطالُ الربيع، الذي نسأل المولى سبحانه أنْ لا يُبقي ولا يذرَ نظاماً ظالماً إلا وطالَهُ، يثبتون لنا أنّهم قادرون وعازمون على دفع فاتورة هذا الثمنِ الباهظ تحت الحساب في انتظار تحصيل عاقبته بعد حين!

*       *       *

أعودُ فأقول: أباركُ للشعب السوريّ الباسل انتصارَه السّاحق في ثورته المباركة، فإنّ جوهرَها هو ما قد حصل فعلاً في النّفوس وتحوّل داخل مجرى الدّم في العروق.

أما المظهر الحاليّ لشلال الدّم المتدفِّق فلا يعدو أنْ يكون إجراءً شكليّاً جداً لرسم خارطة الطريق للوصول إلى الحريّة المنشودة.

وعندها، سيَثبُتُ للجميع ذلك النصرُ الذي نباركُه لِبَواسل الشام. وهو يومٌ ستتساقط فيه دموع الفرح الحبيسة في مآقينا حين نهتف معهم بأنْ “يحيا الشّعب، ويسقط نظام الأسد”.


Syria