عِندَما رَحَلَ قُطْبَة

تقديم

في 3/ مارس من عام 2001، الموافق لـ 8/ ذي الحجة من عام 1421، انتقل إلى جوار ربّه سبحانه ابنُ الخال الحبيب الدكتور محمـد عبدالله قطبة رحمه الله تعالى. وأحسب شدّة الحزن على فراقه آنذاك كانت السبب الأكبر في عجزي عن رثائه بقصيدة تليق بمقامة العظيم. لكنّ مثله يبقى عصيّاً على النسيان، فليس مِمّن يزور الذاكرة مروراً؛ إنما يحفر اسمَه ورسمَه فيها، فلا يزول حتى تزول. والمقالة التالية، والتي نُشرت بعد وفاته بسنوات عدة، كانت خاطراً طالما رافقني، فلم أملك كبح جماح قلمي عنه. وكيف يتأتّى لذي ضميرٍ حيٍّ أنْ يتأبّى على نسبة الفضل لأولي الفضل، خاصة حينما تعاوده ذكراهم العطرة!

عِندَما رَحَلَ قُطْبَة

 

كلما حطّت قدماي مطار هيثرو في العاصمة البريطانية لندن، كما حصل معي الأمس، أتذكر بعض مشاهد رحلتي الأولى في صيف 1994.

أبرز مشهد من تلك الرحلة كان صحبتي؛ ذلكم هو الراحل محمد بن عبدالله قطبة، رحمه الله. الرجل الذي أنعم الله سبحانه وتعالى عليّ بأن أمضي معه بعض سنيِّ عمري لأتتلمذ على يديه في الشعر، فهو شاعر متمكن وله ديوانان مطبوعان (مشاعل ومشاعر) و(ديوان محمد قطبة، الأعمال الكاملة)؛ وفي اللغة الإنجليزية، إذ درّسنيها في جامعة قطر؛ وفي العمل العام إذ انتسبت لمركز شباب الدوحة الذي كان هو أحد أعضاء مجلس إدارته الذهبيِّ في مطلع التسعينيات؛ ناهيك عن صلة القرابة الوثيقة التي تربطنا بحكم كونه ابن خال أمّي حفظها الله.

ولعل ما يدفعني للكتابة عنه في ذكرى رحيله اليوم (الثامن من ذي الحجة) أنه كان من القلائل ممن أحب من الذين عجزت عن رثائهم بقصيدة عندما حلّ قضاء الله بنا وبهم.

ولكن الأهم من ذلك أنّ فقدان إنسان مثله ليس بالأمر الهيِّن. ومن عرف الراحل عن قرب، يدرك ذلك تماماً. إذ لم يسبق له أن وُضع في أيِّ موقف يُحَتّم عليه الاتصال مع الناس إلا وأبدى أروع مظاهر الإنسانية في علاقته مع أخيه الإنسان. وأكاد أقسم أنه الوحيد من كلّ من عرفت عن قرب ممن لم أسمع أحداً، غنياً أو فقيراً، شريفاً أو حقيراً، يشتكي منه في شيء، أيِّ شيء! وحسبك بمثل هذه التعامل الذي يجمع القلوب حوله، ويدفعُهم للترحّم عليه دليلاً على محبّة الربّ سبحانه وتعالى له. إذ ورد في الحديث الشريف {إنَّ اللهَ إذا أحَبَّ عَبداً نادَى جبريلَ: “إنّي أحِبُّ فلاناً فأحِبَّه”، فيُحِبُّهُ جبريل، ثمَّ يُنادي ملائكة السَّمَاءِ: “إنَّ اللهَ يُحِبُّ فلاناً فأحِبُّوه”، فتُحِبُّهُ ملائكة السَّماءِ، ثم يُوضَعُ لهُ القَبولُ فِي الأرض}.

*       *        *

محمد قطبة الذي ولد عام 1954، تلقى العلم على يدي والده الشاعر عبدالله عبدالرحمن قطبة رحمه الله. ومنذ نعومة أظفاره رضع حبّ هذه الأمة ديناً ولغةً وحضارة، فما زال يدفع عنها كلّ رزيئةٍ ويصدّ عنها كل نائبةٍ ويكتب ويعمل ويُربّي الأجيال لإعادتها على طريق الريادة مجدداً.

واصل رحلة تعليمه في المعهد الدينيّ ليتتلمذ على أيدي العلماء وعلى رأسِهم فضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله، والذي كان يُحبّه محبة خاصة لخُلقِه الرفيع وتديّنِه المعتدل، ناهيك عن نبوغِه في الشعر.

في جامعة قطر، تخصّص محمد قطبة في اللغة الإنجليزية، وأكمل دراساته العليا في جامعة (دَرَم – Durham) البريطانية. وقد كانت له سمعة مشهودة لدى كلّ من عرفه في أنحاء أوربا، حيث امتد نشاطه في القارة العجوز. حتى إنّ أهل الحيِّ الذي أقام في إحدى عائلاته المسيحية بكوا عندما رحل عنهم، وهم الذين ثاروا على تلك العائلة لإسكانِهم طالباً مسلما بين ظهرانيهم، وما ذاك إلا بسبب خلقه الرفيع.

قضى الفقيد نحو تسع سنوات في الغربة يدعو إلى الله، بالإضافة إلى دراسته، وأسلم نحو سبعة عشر قسيساً على يديه، ناهيك عن عشرات آخرين من العامة، بل والمساجين الذين كان يخصّهم بزيارات دعويّة وإرشاديّة، خاصّة المسلمين منهم. ورغم تأخيره كتابة رسالة الدكتوراة إلى آخر ستة أشهر من بعثته، فإنه وُفـِّقَ لكتابتها دون خطأ إملائيٍّ واحد، وهي سابقة لم تُعرف قبله في الجامعة. وعاد بعد ذلك إلى قطر ليعمل في الجامعة مُدرساً لمهارات اللغة الإنجليزية والترجمة.

ولم يكن العمل الدعويّ غائباً عن حياة الفقيد بعيد عودته، إذ كان أحد المبادرين المُبرزين فيه. وكان من جملة أسهم في توسيع أنشطة جمعية قطر الخيرية بوضع قدمٍ لها في ألبانيا، تلك الدولة الأوربّيّة المسلمة التي خرجت من رداء الشيوعيّة مطلع التسعينات من القرن المنصرم. وقد كانت الجمعيّة لا تزال تُعرف آنذاك باسم “لجنة قطر مشروع كافل اليتيم”.

ومن بعدها تولى منصبَ مساعد وكيل وزير التربية والتعليم عندما بادر سمو الأمير الوالد إبّان توليه ولاية العهد آنذاك في عملية إصلاح التعليم في قطر. وكان يجهد نفسه في العمل حرصاً على تحسين التعليم إضافة إلى ضمان حقوق موظفي الوزارة. ولعل ذلك كان سبب إصابته بالجلطة الدماغية التي عطّلت بعض أعضاء جسده عن العمل، لعظم التبّعة التي احتملها من ذلك المنصب.

ورغم حالته الصحية الصعبة بعد خروجه من الوزارة فإنه لم يتوقف عن خدمة الأمة، إذ عاد إلى الجامعة للتدريس مجدداً، إضافة إلى إدارته موقع (إسلام أون لاين – IslamOnline) لنشر تعاليم الدّين الوسطية.

وافاه الأجل المحتوم إثر نزيف في المعدة صبيحة يوم التروية من ذي الحجة من عام 1421. ورغم دفنه بعد وفاته بسويعات معدودة، إلا أنّ الآلاف حضروا جنازته حالما علموا برحيله. حتى أنّ أستاذه الشيخ القرضاوي لم يتمكن من إدراك مراسم الدّفن، وهو ما أبكاه حفظهُ اللهُ على تلميذه النجيب.

*       *        *

لعلنا لا نتقوَّل على الحقيقة إذا قلنا إنّه كان سميَّا في الاسم والمُسمّى لمحمد بن عبدالله ﷺ. إذ كان خلقُه أقرب ما يكونُ إلى القرآن، لا يَملّ من السلام على من يعرف ومن لا يعرف ولا تغادرُ البسمة شفتيه رغم ما لديه من أسباب المعاناة. حتى وهو على سرير المرض يعاني الجلطة التي بقيت آثارها معه إلى وفاته، لم يكف عن الاطمئنان على زواره والتهوين عليهم، كأنه الزائر لا المريض.

أما عطاؤه وسعيه في قضاء حاجات الناس، فحدِّث ولا حرج. ولو أنّنا قصَرنا العطاء على بذل المال لكان ذلك وحده يكفيه. وليس عجباً أن يُقال في المجتمع القطري “إذا أردت أن تُقضى لك حاجة، فاذهب إلى د. قطبة”. وكم عرفتُ – بحكم علاقتي الخاصة به – أنه استدان بعضاً من المال ليقرضه لذوي الحاجة، بل إنّه كان يُرسلني في قضاء بعض تلك الحوائج من ماله الخاص رغم علمي اليقين بحاجته إليه. فكان يصدُق فيه قول الشاعر:

 

تعوَّدَ بَسط الكَفِّ، حتّـى لو انَّـهُ

ثَـنـاها لـِقَـبْضٍ لم تُـجِـبه أنامِـلُـهْ

 

تـَراهُ إذا ما جـِئـتـَـهُ مـُـتــَـهلـِّـلاً

كأنَّـك تُعـطيـه الذي أنتَ سائـلُـهْ

 

هو اليمُّ، من أيّ النَّـواحيْ أتيتَـه

فلُجَّـتُـهُ المعروفُ، والبِرّ ساحِلُهْ

 

ولو لم يكن في كفـِّهِ غير روحِهِ

لَـجَـادَ بِـها، فَـليَـتَّـقِ اللهَ سَـائِـلُـهْ!

 

حسبُك دليلاً على ذلك أنّ انشغاله بقضاء حوائج الناس أنساه قضاء حاجة نفسه وأهله بطلب ما هو حقٌّ له من أرضٍ وقرضٍ ليبني عليها بيته، فقد كان يُقيم في منزلٍ صغير يجاور فيه والدته، حفظها الله، برّاً بها وإحساناً إليها. ولم تحصل عائلته على ذلك الحقّ إلا بعدما ذكر فضيلة العلامة يوسف القرضاويّ الأمر لسموّ الأمير الوالد حفظهما الله إبان توليه مقاليد الأمر في البلاد، والذي تفاجأ بهذا الأمر خاصّة أنّه كانت تربطه بالدكتور قطبة علاقة جيدة، فلعله لم يدر بخلده أنّ أحداً من الناس في هذا الزمان يُشغله فعلُ الخير وأداء الحقوق عن نفسه وأهله. فما كان منه إلا أن أوعز إلى من حوله بالوفاء لأهل ذلك الإنسان الذي أفنى حياته في خدمة الدِّين والوطن. وصَدَقَ الله العظيم إذ قال {… وَكَانَ أبُوهُمَا صَالِحاً}.

*       *        *

لقد كان الفقيد رحمه الله نبراساً لمن أراد الوصول. فعمل على أن يبلغ بخلقه ما يبلغه الصائمُ الذي لا يُفطر والقائمُ الذي لا يَفتر، وهو يتذكر في كلِّ ذلك حكمة الربِّ سبحانه في الموت والحياة {لِيَبْـلوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلاً}. وأنا أشهد أمامَ اللهِ أنّكَ قد أحسنت عملاً.

*       *        *

عندما غادر ملتقى الأدباء الشباب الذي أسّسهُ هو وترعرعتُ أنا فيه، كتبت أمازِحُه:

 

أقُـطـبَـة ٌ.. أيْنَ تَمضِيْ

يا عاشِقَ الإنجليزي؟

 

أراكَ أسرعتَ خـَطواً

?Why don’t you just take it easy

 

أنا أخـُطّ رِقـِاعاً

يـا سـَيـِّدَ التَّطْريزِ

 

فأنتَ مَنْ عـَـلـَّمَنِـيْ

نـَسْجَ الهَوى يا عزيزيْ!

 

ولستُ أحسَبُه يجيبني على ذلك السؤال إلا بقوله {يَا لـَيْتَ قوْمِيْ يَعلمُونَ، بمَا غَفرَ لِيْ رَبِّيْ وَجَعَلنِيْ مِنَ المُكْرَمِيْن}.

رحمك الله يا أبا جميلة وعبدالله وأحمد، وأحسن عقبانا فيك، وجمعنا وإياك مع الحبيب ﷺ.

آمين.

اغتِيالُ البَنَفْسَج

تقديم

مع حلول الثاني والعشرين من شباط/ فبراير تعاودنا ذكرى الشهادة بإعلان كلمة الحقّ، وهي تتجسّد في صورة الراحلة أطوار بهجت، رحمها الله [07.06.1976–22.02.2006]، الإعلاميّة التي وقعت شهادة حبّها للوطن بالدم.
هذه مقالة سبق وأن نُشرت مع حلول ذكرى اغتيالها الخامسة، أعاود إفشاءها كلّما عاودني أريجُ البنفسج، وفاء لذكرى عطرة تتأبّى على النسيان.

اغتِيالُ البَنَفْسَج..

فيْ ذِكرى رَحيلِ أطْوار بَهْجَت

 

لم يدُرْ بخلدي قط أن ما سألقاه في بغداد بعد نهاية الحرب سيكون أبعد من أيّ إشكالٍ سياسيٍّ أو غزوٍ عسكريٍّ وأصعب من أيِّ تجربة شخصية خضتها في حياتي.

ذلك أن التحدي الأكبر الذي لقيته في بغداد حينها وفي الدوحة بعدها، وربما لندن لاحقاً، كان صحفية عراقية شابة تنضح حماسة وثورة وانتماء للوطن. وكان مكتوباً لي أن تربطني بها علاقة خاصة منذ ساعة وصولي إلى مكتب الجزيرة في بغداد يوم الخميس 26/ حزيران، يونيو/ 2003.

تلكم هي الراحلة، عليها رحمة الله: أطوار بهجت السّامرّائيّ.

*       *        *

أولُ خِلافٍ دَبَّ بيننا، كان اسمُها!

فلقد كانت خرجت لتوّها من دورة تدريبية للمراسل الصحفي، وكان من بين مدربيها بعض كبار مراسلي الجزيرة مثل الزميلين تيسير علوني وعبدالحق صداح. ولذلك طلبتُ منها ساعة وصولي أن تصوّر لي خاتمة تقرير افتراضيٍّ لنتخذه نقطة انطلاق للعمل.

كانت أول ملاحظاتي عليها إيقاعُها البطيء في القراءة. وعلاوة على حاجتها لتسريعه، فإنّ اختصار اسمها بدا ضرورة ماسّة، لتستعيض عن (أطوار بهجت السامرائي) بـ(أطوار السامرائي) أو (أطوار بهجت) مع تفضيلي للخيار الثاني.

هاجَت، رحمها الله، وماجَت على هذا القرار الذي بدا لها تعسفياً. فمن أنا حتى أملك حَقَّ تغيير اسمها لها؟ وكيف يفرض عليها هذا الغريب أن تختار بين اسم عائلتها الذي عُرفت به، واسم أبيها رحمها الله الذي كانت تربطها بها علاقة خاصة؟

وحيث كنت أتوقع هذه الثورة، فقد حشدت لها عدداً من أقطاب الإعلاميين في مكتب بغداد للترجيح بين أحد هذين الاسمين. وانتهى الأمر، بعدما هدأت ثورتها، أن قلت لها إنها ستشكرني يوماً ما لأني دفعتها إلى هذا القرار.

ولم تكن الأيام التي تلت هذه الحادثة مختلفة عنها. فقد أصررتُ على ألا يُبثَّ لها تقرير حتى أعطيها الضوء الأخضر، باعتبارها ليست مستعدة للنزول على الهواء بعد. ولم تفلح شكواها لمدير المكتب آنذاك، حين قالت له ضاحكة إنّ أرضية المكتب لابُدّ أنها مصقولة من شِدّة النظافة، لأنّي أمسح الأرض بها في كلِّ مرة تُعِدُّ فيها تقريراً، على حدِّ تعبيرها.

وقد كان تشدّدي معها مبنياً على ثقتي في إمكاناتها الهائلة في العمل الصحفيِّ التلفزيونيِّ. ورغم أنّني كنت أرى رِقّة الأنثى في أعماق عينيها، فإنّ الصّلابة التي تجلّت على حِدّة حاجبيها دفعتني للاستمرار. ولذلك آثرت ألّا تخرج على المشاهدين حتى تكون قادرة على إعطائهم ما يستحقّونه وبما يناسب قدراتها. وقد قلت لها مراراً إنّ من اليسير أنْ يجد المراسل لنفسه مكاناً على شاشة إحدى الفضائيات، ولكن العسير أن يجد له مكاناً في ذاكرة المشاهدين وقلوبهم، وهذا هو ما أريده لها.

*       *        *

كانت رحمها الله تحبّ العراق كثيراً، ربما أكثر من نفسها. ولم يكن شيءٌ يغيظها أكثر من سماع كلمة تمسّ الوطن. وكانت أولى تجاربي معها في هذا المضمار عندما صحبتها لتغطية أوّل حفلٍ للفرقة الوطنية السيمفونية العراقية بعد الغزو.

كان المفترض أن تقوم هي بإعداد قصّةٍ إخبارية عن تلك الليلة، فتوجّهنا إلى كواليس قصر المؤتمرات للقاء مايسترو الفرقة وأعضائها. ولم يبد أنّ هناك شيئاً استثنائياً يؤهِّل الحدَث ليكون تقريراً يُبَثُّ على شاشة الجزيرة، إلى أن بدأت الفرقة في العزف.

كانت مقطوعتهم الأولى هي السلام الوطني العراقي السّابق “موطني”!

لم يكن لديّ شكٌ عندها في أنّ الحدث بات ساعتها أكبر منْ أنْ أترُكَ إنجاز القِصّة لها. فعزمْتُ على إعداد التقرير بنفسي، وطلبت منها أن تُعدّ واحداً من جانبهاً بغرض التدريب.

لم تكفّ عن الحركة الدؤوبة طيلة الحفل، وكانت تكتبُ النَّصَّ أثناء وقوع الحدث، بل وسارعَتْ إليّ فَرِحَةً لتخبرني بفراغها منه وذلك قبل أن تنتهي الأمسية. فلم أجد غير الابتسام للتعبير عن شفقتي على حماستها التي تطغى على منطقِ عقلها أحياناً.

لكنّ ابتسامتها تلك لم تلبث طويلاً، فعندما عاودت الفرقة لتعزف “موطني” مُجدّداً مع ختام الحفل، انخرطت في البكاء أسفاً على الوطن الذي نجّسَه العدوُّ وتآمر عليه الصديق. ولم تكن وحدها من بكى، فالمشاعر الجَيّاشة كانت عنواناً للقاعة التي امتلأت بمئات المثقفين والفنانين العراقيين، خاصةً أن الحفل شهدَهُ أربابُ الاحتلال الأنجلوأمريكي.

عندما انتهيت من التقرير في اليوم التالي، وقارَنَتهُ هي بتقريرها قالت، وهي تحاول الاستعلاء على الحدث، إنّها تُقرّ لي بجودة ما أعددتُه، وأنّها تأذن أنْ يُبثَّ على الهواء لأنّه يُعيدُ الاعتبارَ للعراق الذي شَوَّهته وسائلُ الإعلام بُعيد الغزو.

*       *        *

وتوالت الأحداث بعد ذلك، وتوثَّقت عرى الأخوَّة بيننا على شاكلة أشبه ما تكون باتصال الموج مع الشاطئ في أقصى حالات مَدّه وجَزره. ومَرّت الأشهر والسنوات، لتصبح أطوار واحدة من أشهر مراسلات الجزيرة وأكثرهنَّ مهنيَّة وإثارة للإعجاب. ومنّ الله سبحانه وتعالى عليها بارتداء الحجاب، واقترابها إلى الله أكثر فأكثر في حياتها الشخصية، إلى أن أزفت ساعة رحيلها عن هذا العالم المُختلّ.

فقد اختُطِفت ومن ثمّ اغتيلت، يوم الأربعاء 22/ 2/ 2006، على مرأى من الناس ومسمع مع اثنين من زُملائِها، بينما كانت تُغَطّي حادثة تفجير مرقد الإمام العسكريِّ في سامراء، المدينة التي جاءت منها. وكانت آخر كلماتها لمشاهديها تعبيراً عن عشقها للوطن: “رسالة يبدو العراقيون أحوج ما يكون إلى تذكرها: سُنياً كنتَ أو شيعياً، عَربياً أو كُردياً، لا فرق بين عِراقيِّ وعِراقيٍّ إلا بالخوف على هذا البلد”.

*       *        *

قلت لها ذات مرة، إنّني لم أقابل في حياتي شخصاً نال من اسمه نصيباً بقدر ما رأيته فيها. فلما تساءَلتْ عن معنى الكلام أجبتها بأن اسمها بالعربية “أطوار” يَدُلُّ على تبَدُّل الأحوال وتقلُّب الأيام، وهو ما عرفتـُه فيها طيلة فترة علاقتنا. أما بالإنجليزية، فإن اسمها يكتب هكذا “Atwar” ولو أننا فصلنا بين أول حرفين عن باقي الاسم لأصبح “At War” أيْ “في حالة حرب!” ولم أعهد أحداً في حياتي مستعداً للدخول في مواجهة مع الآخرين تصل إلى درجة الحرب المعلنة بمثل ما عهدته فيها. لم تتمالك نفسها من الضّحك، وكانت لها ضحكة صافية ومُجَلجِلَةٌ في آنٍ معاً (أليست أطوار!)، لكنَّها في الوقت نفسه أقرّتني على هذا الرأيِ برضاً بالغ.

أما الآن، وبعد التحاقها بالرفيق الأعلى، فقد كتبت لها قصيدة لم تنشر بعد، قلت لها في مطلعها خُلاصَة ما أحسبها قضت نَحبَها عليه:

سَلامٌ عَليكِ،

على ناظِرَيكِ،

على الدَّم ِ يَشخَبُ مِنْ وَجْنَتيكِ.

سَلامٌ على الأملِ المُستميتِ..

على قدميكِ

إذا ما حَفيتِ؛

وحَاشاكِ..

فالأرضُ نَعلٌ لَديكِ،

وهَذي السَّماءُ خِمارٌ عَليكِ.

سَلامٌ على الأرضِ إذ جِئتِ مِنْها،

وعُدْتِ إليها،

فَبُشرى لها،

ثُمَّ طُوبَى إليكِ.

*       *        *

رحمك اللهُ يا أطوار، وغفر لكلينا ما كان لصاحبه، وجمعنا في ظلِّ عرشه ومُستقرِّ رحمته بإذنه تعالى. اللهمَّ لا تحرمنا أجرها، ولا تفتِنَّا بعدها، واغفر لنا ولها. آمين.

كلماتُ ما بَعدَ الرَّحيل

في رثاء المغفور له إن شاء الله

ماهر عبدالله

 

 

Wednesday, 9th September 2009

 

Death of a Cameraman

I wrote this article a few weeks after the death of Ali Hassan Al-Jaber, and similar to its Arabic “counterpart”, it failed to find its way in the English-speaking press (you can imagine why).

I published it on my website because the National Human Rights Committee (NHRC) in Qatar was hosting an international conference on the protection of journalists in cooperation with Aljazeera Network.

It was the time for the infamous Network to provide us with the much-needed answers!


Death of a Cameraman

 

On Saturday, 12th March 2011, a mercenary for the Libyan leader Muammar Al-Qaddafi shot dead Ali Hassan Al-Jaber, a cameraman for Aljazeera Network. His cause of death was three bullets to the back whilst in a car with Aljazeera Arabic crew heading to the rebel held city of Benghazi. Al-Jaber was rightfully termed a martyr with a studio named after him to commemorate his memory.

Now, the following question may seem foolish, but I believe an investigation into this particular death is necessary:

WHO KILLED MR AL-JABER?

To find out who committed this horrendous crime, Aljazeera needs to answer three fundamental questions.

FirstWHAT TRAINING DID MR AL-JABER RECEIVE BEFORE HIS MISSION, IF ANY?

A journalist requires specific training to survive hostile environments; such training has become a tradition within international news agencies as a prerequisite for covering any military conflict. For Aljazeera, whose news coverage is chiefly about wars and armed tensions, it is an essential. A response like, ‘he covered wars before’, will not suffice; surviving a war without proper training does not deem one an expert, merely lucky.

This brings me to the second question: HOW DOES ALJAZEERA MANAGE ITS CREWS IN WARZONES?

Of course, the crew on the ground is responsible for taking care of themselves. The question, however, is on the kind of demands placed on them in terms of their safety. It is common for journalists to take risks and go to extreme measures to gather information (or seek fame); nevertheless, does this alleviate any channel from its responsibility towards their wellbeing?

News agencies always look for exclusivity, sometimes sought after at any price; but what is more important for Aljazeera: the crew’s safety or news exclusivity? If the answer is the former, then the Network, sadly, has a funny way of showing it.

Adding to this, the mere fact when a crewmember gets injured or even, God forbid, dies, the publicity the channel gains; a publicity that adds to its credibility as the “truth seeker”, whilst relieving those in charge of any responsibility simply because the deceased is a “Martyr” – an honourable death that should not be questioned.

The third and vital question: WHAT PROTECTION DID MR AL-JABER HAVE PRIOR TO HIS DEATH?

None of Aljazeera Arabic crew wore any bulletproof vests or helmets, as was evident during its coverage of the Libyan revolution. If no soldier should fight without gear, then no journalist should report without one.

I wonder how serious Aljazeera is when it comes to providing its employees with the much-needed protection when it demands of them to obtain good coverage. Naming news studios after martyrs could be a sign of “loyalty” but should this “loyalty” not show prior to their deaths as well?

What is astonishing, Aljazeera English crews had the proper gear from the beginning of the events whereas the Arabic outlet from the same Network did not. One of Aljazeera English correspondents informed me two professional armed bodyguards for crews’ protection – belonging to a prominent company in Britain – accompanied him.

Providing such protection for Aljazeera English crews in comparison to what Aljazeera Arabic crews had, indicates predilections between the two Aljazeera outlets apropos nationalities and ethnicities. Had the deceased been a Westerner, the matter will go beyond naming a studio after him. Indubitably, an investigation into Aljazeera’s accountability for its neglect and lack of professionalism would transpire and it would pay dearly for it.

There is a famous joke by George W. Bush regarding the killing of a million Muslims and a dentist, and the only response was: ‘why kill a dentist?’ A clear indication no one will care for the Muslims!

It is unfortunate when politicians think this way; but the fact none of Aljazeera Arabic crew had any protective gear, until ten days after Mr Al-Jaber’s death, is indicative of the Network having such a shameful mentality. For there is no other reason to justify such a treatment other than subconscious self-racism by categorising Aljazeera employees: the “invaluable” Westerner” and the “expendable” Arab/Muslim. 

If this is the case, then we have a dilemma.

On the one hand, Aljazeera stands with the people revolting against their dictators, whilst on the other, belonging to the same mindset as that of the regimes – to suck out the sense of citizenship from the people by making them feel inferior to others, be it a certain tribe, ethnicity, creed or political group.

Once again, if such interpretation is correct, then the regime within Aljazeera itself needs to step down and be replaced with a new management where equal and fair treatment for all are a priority regardless of backgrounds.

I reiterateWHO KILLED MR AL-JABER?

Although the bullets fired in Libya are what killed him, the hand that pulled the trigger is Aljazeera. The pursuance of the criminals should not end with finding the gunman; those in charge at Aljazeera are also responsible for the man who lost his life for the truth.

عِنْدَمَا تَصْمُتُ الجَزِيرَةُ

تقديم

نُشِرت هذه المقالة مع تنظيم اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في قطر مؤتمراً دولياً لحماية الصحفيين في المناطق الخطرة، وذلك يومي الأحد والاثنين 22، 23/ 1/ 2012. وحيث إنّ المؤتمر المذكور عُقِد بالتعاون مع شبكة الجزيرة، فلعلَّ من المفيد أنْ يبلغونا بما قامت به الشبكة لمحاسبة المتسبِّبين في مقتل الشهيد علي حسن الجابر، شيخ المصوّرين القطريين رحمه الله، مِمَّن هم داخل الشبكة، سواء من استقال منهم ومن لا يزال على قيد وظيفته، خاصّة أنّه قد مرّ على استشهاده نحو عام.
وهذه حجّتنا في الذي نزعم.

عِنْدَمَا تَصْمُتُ الجَزِيرَةُ

 

إذا كان الإمام الثوريّ قال إنّ “أوّل العِلمِ الصّمْتُ”، فإنّ كلامه لا ينطبق على صمت الجزيرة طيلة الأشهر الماضية.

والأمر يحتاج إلى بيان.

*       *        *

أما الصّمت الذي أطبق على إدارة الشبكة فكان بخصوص أسباب استشهاد شيخ المصوّرين القطريين علي حسن الجابر رحمه الله في ليبيا، والذي ما عاد خافٍ على كل ذي سمع.

وأما السبب فمدعاته أننا وجّهنا ثلاثة أسئلة بدت إجاباتها مهمة حتى نتأكد من أنه لم يُقتل بسبب إهمالها في حمايته وتعمّدها إرساله إلى حيث يجد مَصرَعَه.

ذلك أن أسوأ ما يمكن أن يتمّ مع الشبكة واسعة الانتشار أن تصدق معها المقولة التي قيلت تدليساً في سيدنا عمّار بن ياسر بعد استشهاده، وهي “قتلَ عمّارَ من جاءَ بهِ إلى هُنا”!

*       *        *

الأسئلة التي طرحناها سابقاً هي التالية:

الأول: ما نوعية تدريب موفدي الشبكة بخصوص تغطية المناطق المشتعلة؟

الثاني: ما مدى حرص الجزيرة على سلامة موظفيها في مقابل حرصها على الأخبار التي ينقلونها إلى القناة؟

أما الثالث فهو: ماذا وفّرت الشبكة من حماية لطاقم العمل الذي كان الشهيد رحمه الله أحدَ أفراده؟

وحيث انقضت مُدّة الحِداد على الفقيد وأوشك عامٌ كامل أن يمرّ على ذكرى استشهاده دونما أيّة إجابة، فسنُضطر لتحرّي إجابات خاصة بنا. ذلك أن تجربة العمل في الجزيرة لما يربو على اثني عشر عاماً علمتني الكثير مما يدور في كواليس القناة منذ أن كانت تحبو وإلى حين استقالتي منها بعيد استشهاد الأخ الحبيب في 11/ آذار، مارس 2011.

*       *        *

الإجابة على السؤال الأول أن الشهيد رحمه الله لم يتلق أيّ نوعٍ من التدريب، لا عملياً ولا نظرياً. فأنا أعرف يقينا أنّ أحداً من مراسلي الجزيرة العربية (الأمّ) لم يتلق أيّ تدريب، عمليٍّ على وجه الخصوص، متعلقٍ بالبيئات العدائية.

وهذا الأمر ليس حصراً على مراسلي الشبكة في ليبيا، بل ينطبق على كلّ صحفيّ راسلَ القناة منذ أطلِقتْ أولُ رصاصة نقلتها الجزيرة منذ ميلادها.

ولكم أن تسألوا مراسلين من أمثال تيسير علوني وعبدالحق صداح ومحمد خير البوريني، وجميعُهم شاركوا في تغطية الحروب الأولى التي وضعت الجزيرة على خارطة القنوات العالمية. فكانت أوّلاً عملية ثعلب الصحراء في العراق (1998)، ومن بعدها غزو أفغانستان (2001)، تلاه غزو العراق (2003). بل بالإمكان الرجوع إلى مدير الشبكة السابق نفسه، والذي شارك في تغطية الحرب على العراق، وهو بالتالي عارف بما يخفى على غيره.

*       *        *

أما جواب السؤال الثاني فهو أن حرص إدارات الجزيرة المتعاقبة على الأخبار يفوق – وبمراحل – حرصها على سلامة طواقمها على الأرض.

مَرَدُّ ذلك أنها رابحة في الحالين: فهي تكسب قصب السبق في حال نالت تغطية مميزة أو خبراً عاجلاً من جهة؛ وهي من جهة أخرى تزيد مصداقيّتها – وبالتالي شهرتها – إذا تعرض أحد أفرادها للأذى أو لا قدّر الله للموت.

وأحسب تجربتي الشخصيّة في جنوب أفريقيا، والتي عملت أثناءها تحت لواء مدير الشبكة السابق، كافية لأؤكد أنّ أحداً لم يُكلف خاطره بالاطمئنان على حالتي، ناهيك عن أن يتولى دفع تكاليف المستشفى الذي تطبّبت فيه. بل الأنكى، أنّ من اتصل بي في اليوم التالي وجد الأمر مدعاة للسخرية لكوني لم أحتمل رشاش المياه. وبالمناسبة، غرض اتصال ذلك الشخص كان استبانة طبيعة التقرير الذي أنوي إرساله في ذلك اليوم، فحسب!

*       *        *

المضحك المبكي هو جواب ثالث الأسئلة حول ما وفّرته الشبكة من حماية لطاقم العمل. ذلك أنّ أحداً من أفراد الطاقم الذي شمل الشهيد رحمه الله لم يكن لديه شيء من وسائل الحماية، وهو أمرٌ بقي مستمرّاً لأيام بعد استشهاده. ونُذكّر في هذا السياق أنّ الرصاصات أصابته من ظهره واخترقت صَدرَه، بمعنى أنّ السترة الواقية لربما منعت ذلك، أو قللت تأثيره على الأقل. وإن كنت أؤكد أنني لست بصدد الاعتراض على حدث الشهادة التي هي قدَرُ الله سبحانه، وإنما على الطريق التي أوصلته إليها.

وما تعلل به كبراء الشبكة هو أنّ السلطات المصرية منعت دخول المعدات الخاصة بالحماية بينما سمحت بدخول معدات التصوير مع الطاقم الذي عبر الحدود.

بيد أنّ مسؤولي الجزيرة لم يذكروا سبب بدء الطاقم في التغطية قبل اكتمال معداته. فمعدات الحماية تعادل في أهميتها معدات التصوير، إن لم تزد عنها. ومثلما أنه من غير المعقول أن يحارب الجندي دون كامل عتاده، فكذلك لا ينبغي للإعلامي أن يبدأ مهمته دون كامل معداته.

وما سمعناه مراراً من مدير الشبكة السابق أن القذافي أكدّ أنه سيستهدف كلّ من يدخل ليبيا دون تصريح، وعليه، فإنّ تشديد الحماية لهم مع معرفة تلك النية المُبيّتة يبدو طبيعياً، كما تغدو مباشرتهم العمل مع انعدام الحماية ضرباً من المقامرة. ولو فرضنا أن بدء العمل كان رغبة شخصيّة من الطاقم، فالواجب على الإدارة منعهم لأن النتيجة قد تكون وخيمة.

ناهيك عن أنني علمت أن مدير الشبكة السابق كان له – وربما ما يزال – حارسٌ شخصيّ (غير رسميّ!) يُجيدُ عدداً من الفنون القتالية يرافقه في المناسبات العامة. وإذا كان هذا حرص المدير على نفسه وهو في قطر، فعلام يقبل لطواقمه أن يكونوا عُزّلاً من الحراسة في خِضَمِّ الحرب.

وما يثير الاشمئزاز في مقابل ذلك الأسلوب في التعاطي مع إعلاميّي القناة العربية، هو معرفتنا بأن مسؤولي الجزيرة الإنجليزية (الأجانب) وفروا لطواقمهم كافة أسباب السلامة. ففضلاً عن الدورات التدريبية الخارجية، إضافة إلى المعدات الضرورية لكل فردٍ منهم، ناهيك عن تأكيدهم أن سلامة الطاقم تأتي أولاً، فإنهم تعاقدوا مع شركات أمنية متخصصة لحماية الشخصيّات لمرافقة طواقمهم. وهذه العملية ليست ترفاً شكليّاً، إنما حرصٌ واضحٌ على سلامة الإعلاميين. وأولئك الحرس هم أصحاب الكلمة الفصل في توقيت الحركة وقرار الانسحاب أو الخروج من البلاد، إذا تعرضت سلامة العاملين للخطر.

وحيث يُفترض أن اسم الشبكة هو “الجزيرة” وليس “الأرخبيل”، فإنّ من غير المقبول أن تكون معاملة البعض فيها كالسادة فيما الآخرون يعاملون كالعبيد. وهو الأمر الذي لا نجد سبباً له سوى تقدير الغربيّ، في مقابل ابتذال العربيّ والمسلم!

*       *        *

السؤال الآن: ما المطلوب؟

في تقديري أننا بحاجة لاستعادة ثقتنا في الجزيرة باعتبارها نصيراً للشعوب، لا شبيها للأنظمة.

وحتى يتحقّق هذا، فأزعم أن قيمة رفيعة ينبغي أن تكون حجرَ الزاوية في الشبكة جمعاء. تلكم هي قيمة الإحساس بالمسؤولية!

وما سيؤكد وجود هذه القيمة لدى إدارة الشبكة ليس الخُطب الرنّانة التي ما فتئ مدير الشبكة السابق يَنبَري لها، إذ إنّ تحقق القيمة يتمّ بتحوّلِهِ إلى سلوكٍ عملي.

ولهذا فإنّ ما نتوقّعه من الإدارة الجديدة للشبكة هو مباشرة عملية محاسبة حقيقية يتمّ خلالها التحقيق مع المسؤولين في الشبكة (القناة العربية خصوصاً) للتعرف على المسؤولين عن مقتل أخينا الشهيد، رحمه الله، قبل أن تحلّ ذكرى رحيله الأولى.

هذا التحقيق ينبغي أن يبدأ داخلياً، وإن كان ينبغي أن يتحول إلى تحقيق جنائيٍّ لاحقاً. ذلك أن الإهمال المؤدي إلى القتل، والذي أحسبه سبب استشهاد الجابر، هو ما أثق أنّ أيّ هيئة تحقيق مستقلة ستبلغه في استجوابها للمسؤولين، من أقيل منهم ومن ينتظر.

هذه المهمة ينبغي أن تكون أولى توجيهات الشيخ أحمد بن جاسم آل ثاني، مدير الشبكة الجديد. فمن المُعيب في حقِّه أن يبدأ عمله دون ملاحقة المسؤولين عن الدماء التي لطخت الكرسيّ الذي يجلس عليه الساعة!

وحيث كنتُ أحد أقرب المقربين للمدير العام السابق للشبكة عند توليه ذلك المنصب، فإنّي أذكر تماماً ما قاله في الاجتماع الأول الذي جمعه بالموظفين بضرورة العمل على التغيير والحرص على مصالحهم في نفس الوقت، خاتماً كلامه بلهجته “بلكي ظبطت”! وما أحسبه يبدو للجميع الآن أنها كما نراها جلية “ما ظبطت”!

فرغم مرور ثمانية أعوام طوال، وحادثتي استشهاد، فإنهُ عَجزَ عن توفير أهمِّ ما يُفترض توفيره لموفدي الجزيرة، ألا وهو تأهيلهم لمواجهة الخطر المحدق بهم على الدوام. ولسنا بحاجة للتأكيد بأنّ عمل الشبكة يعتمد في قطاع وافرٍ على تغطية المصائب، وهو ما يجعل العاملين شركاء في تلك المصائب، شاؤوا ذلك أم أبَوه!

ولقد آن لمن أساء أن يُحاسب، وإلا فإنّه سيفعلُ فِعلَ من أمِنَ العقوبة بعدما تسبب في مقتل الجابر، رحمه الله!

مَنْ قَتَلَ الشَّهِيدَ؟

تقديم

هذه المقالة نـُشرت بعد استشهاد الأخ الشهيد علي حسن الجابر في 12/ آذار، مارس/ 2011 وذلك ببضعة أسابيع. وكان سبب تأخر نشرها أنّ عدة صحف محلية وعربية ومغتربة رفضت نشرها. ولذلك فقد تم نشرها لاحقاً عن طريق المنتديات الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي. وإن كانت الأسئلة المطروحة فيها ما تزال قائمة دون جواب من إدارة شبكة الجزيرة.

مَنْ قَتَلَ الشَّهِيدَ؟

حَولَ اسْتشهادِ عَلي حَسن الجَابرِ

رَحِمَهُ اللهُ

 

استشهادُ شيخ المصوِّرين القطريّين علي حسن الجابر رحمه الله أمرٌ يحتاج للتوقف عنده والتأمل في أسبابه. ذلك أن الشهادة أمرٌ مُشرّفٌ لا ريب، إلا أنّ ما أوصله إليها ليس بالضرورة كذلك.

*       *        *

أحسبني بحاجة في بادئ الأمر لتوضيح مسألةٍ أثق أنها قد تشغبُ على الفكرة الرئيسة في هذا السياق.

إذ بطرحي السؤالَ الذي يُعَنونُ هذا المقال، فإنني لست بصدد الاعتراض على قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره اللذين سبقا في علم الغيب عنده بشأن شهادة أخينا عليٍّ رحمه الله. وقد أخبرنا الله تعالى بذلك في أكثر من موضع من كتابه العزيز مؤكداً في هذا الشأن أنّ واحداً من أغراض التدافع بين الناس وتداول الأيام بينهم إنما هو {لِيَعْلمَ اللهُ الذيْنَ آمَنوا وَيَتخِذ مِنكُمْ شُهَدَاءَ}.

بيد أني في المقابل أجدُ من الضرورة بمكان ألا يلتبس الأمر على الناس، فيتداخل النهي الرباني {وَلا تقتـُلوا أنفُسَكُمْ} من حيث لا نشعر في مقام السعي إلى الشهادة. فلا يجوز مطلقاً إقحام الناس في معرض الخطر، ظناً منا بأنها هي الشهادة التي يتوخاها المؤمنون منهم. وأزعم أن الأمر سيكون مثيراً للاشمئزاز إذا تلقَّى ذلك القاتلُ التعازيَ باستشهادِ ضحيته، بل وأمسى أكثر المستفيدين منها.

وهذا تحديداً ما دعاني لكسر حاجز الصمت لإعلان هذا الأمر علانية. ذلك أنّ علي حسن الجابر وإن كان زميلاً بحكم عمله مديراً لقسم التصوير الميداني في قناة الجزيرة فإنه قبل ذلك مواطنٌ قطريّ وأخٌ عزيز. وأرى من الواجب عليّ في مقام استشهاده في سبيل إظهار الحق أن أعمل على إظهار الحق في مسألة شهادته.

*       *        *

ما أطرحه هنا أسئلة أجد من الواجب على شبكة الجزيرة الإجابة عليها لتؤكد لنا أن استشهاد الفقيد رحمه الله لم يكن بسبب إهمالٍ أو استهتارٍ مهنيّ في إحاطته بأسباب الأمن في موقعه.

أوّلُ هذه الأسئلة متعلق بنوعية التدريب الذي تلقاه الشهيد، عمليّاً كان أو نظريّاً، في مواقع التصوير المحاطة بجَوٍّ عَدائيّ.

فالمعروف لدى شتى المؤسسات الإعلاميّة الدولية أن هناك أموراً كثيرة ينبغي التنبّه إليها لدى من يشارك في تغطية الحروب. وقد تحولت تلك الحاجة منذ سنوات طويلة إلى دورات تدريبية نظرية وعملية تحيط المشاركين فيها علماً بكيفية التعاطي مع الأحداث وردود الفعل الممكنة تجاه التصرفات العدائية تجاههم، ناهيك طبعاً عن الدورات الخاصة بالإسعافات الأولية التي قد تمنع بعض حوادث الموت التي تحصل بسبب جهل أفراد الطاقم بها.

سؤالي الثاني متعلقٌ بطبيعة التوجيهات الإداريَّة إلى الموظفين أثناء تغطية الحروب.

فنحن ندرك أنَّ هناك مسؤولية شخصيّة تقع على عاتق من يغطي الأحداث العسكرية، ولكننا في المقابل نسأل عن طبيعة مسؤولية المؤسسة الإعلاميّة تجاه مراسليها في هذا الشأن. إذ إن تطوع الطاقم الصحفي لا يعني أن المؤسسة ملزمة بالاستجابة إلى رغبة موظفيها في الدخول إلى معمعة الحرب دون أخذ أسباب الحيطة. فمن يعمل في مهنة الصحافة باحثٌ إما عن المتاعب أو مستقتل للشهرة، وكلاهما لا يعفي المؤسسة التي ينتمي لها أن تضع الحدود التي تضمن له السلامة.

وفي تقديري أنّ موافقة المؤسسات الإعلاميّة على خوض فريق ما لذلك الغمار دون أخذ الاحتياطات اللازمة، وإن كان طوعيّاً، يشي بأنها حريصة على نيل السبق في نقل الخبر أكثر من حرصها على سلامة ناقله. فشعارٌ مثل (خاص بالجزيرة) بات علامة من علامات الجودة التي تتنافس كلّ المؤسسات الإعلاميّة (المرئية تحديداً) على بلوغه بأيّ ثمن حتى لو كان غالياً مثل ما جرى مع أخينا الشهيد، وكان يمكن أن يكون مضاعفاً، لولا ستر الله تعالى. وأعود للتذكير بأنني لست معترضاً على ما نحسبه شهادة لأحد الزملاء، إنّما اعتراضي على الطريق الذي تم سلوكه لنيل تلك الشهادة.

أما المسألة الثالثة فهي طبيعة الحماية التي رافقت الفريق الذي كان الشهيدُ أحدَ أفراده.

فما رأيناه أثناء تغطية أحداث الثورة أنّ أحداً من مراسلي الجزيرة العربيّة لم يرتد الملابس المخصّصة للحماية بما يشمل الخوذة الواقية أو السترة المضادة للرصاص. هذه الملابس باتت الآن جزءاً من عمل الإعلاميّ في البيئات الحربية. وهي بالإضافة إلى توفير الحماية، فإنها أيضاً أداة تعريفٍ به بين الجموع، باعتبارها تبيّن أنها خاصة بالعاملين في الإعلام الذين تُحرّم القوانين الدولية التعرض لهم أثناء أداء مهماتهم.

والمتابع لتغطية الجزيرة العربيّة يعلم أنّ أحداً من مراسليها لم يرتد أيّاً من تلك الملابس إلا بعد أكثر من عشرة أيام من استشهاد زميلهم رحمه الله.

وهذا يجعلنا نتساءل إن كانت شبكة الجزيرة جادّة في توفير الحماية لموظفيها قبل أن يتعرضوا لحادث سوء، في مقابل ما تزعمه من وفاء في حقِّ أبنائها بعد رحيلهم. فالأصل في الوفاء تحمّل المسؤولية تجاه الأشخاص بحفظ وجودهم، لا بتسمية استوديوهات الأخبار بأسمائهم بعد استشهادهم.

وما يثير الدهشة أن طواقم عمل القناة الإنجليزية التابعة لنفس الشبكة ظهروا وهم في كامل عدتهم، وهذا الأمر لم يبدأ بعد استشهاد أخينا عليّ، بل منذ بدأت الثورة قبل استشهاده. وقد علمت من زملاء في القناة الإنجليزية أنَّ مراسليها لا يتحركون إلا في مَعِيّة رجال أمنٍ شخصيّ، مسلحين ومتخصصين في حماية الشخصيّات.

وتَوفُّر هذه الإمكانات للعاملين في القناة الإنجليزية في مقابل انعدامها المطلق لدى مراسلي القناة العربيّة (رغم أنّ هذه الأخير أقدم من ناحية العمر المهنيّ وأكثر من ناحية الخبرة العملية في تغطية الحروب) يجعلنا نتساءل عن طبيعة تعاطي إدارة الشبكة مع موظفيها، وفيما إذا كانت ثمَّةَ تفضيلات معينة تمليها حسابات الجِنسِيّة والانتماءات العرقيَّة. إذ أثق أنه لو كان المراسل الذي لقي حتفه تابعاً لدولة أجنبية (غربيّة تحديداً) لما توقف الأمر على مهرجانات الوفاء والتضامن، بل تعداه للمساءلة القانونية من طرف أهله ودولته عما تمّ توفيره من الشبكة لحمايته في بيئة لا يمكن وصفها بأقلَّ من كونها عدائية. وما سيترتب على تلك المساءلات القانونية سيكون مبلغاً جباراً من المال لصالح أسرته، والتزامات كثيرة تجاه نظرائه في مواقع عمل كتلك لضمان عدم تكرار الحادثة.

وحقيقة أن أحداً من أفراد طواقم الجزيرة العربيّة لم يمتلك تلك المعدات والملابس في عمله المحاط بالخطر، إلا مؤخراً، قد يشير إلى نوعية تفكير إدارة الشبكة في تعاطيها مع الإنسان العربيّ/ المسلم في مقابل نظيره الغربيّ. فمجرد أنهم افتقدوا المعدات والحماية لأسابيع يجعل من الصعب تفسير الأمر على غير الشاكلة التي تقترح أنّ العقل الباطن لدى الجهاز الإداري يميّز بين العاملين فيها بحسب الثمن الممكن أن تدفعه في حال حصول حادث شبيه باستشهاد رئيس قسم التصوير (القطريّ/ المسلم).

وإذا صحّ هذا التفسير، وما رأيناه على شاشة الجزيرة يؤكد ذلك أكثر من أن ينفيه، فإنّ تلك لعمري مصيبة من أكبر المصائب. ذلك أن الشبكة التي تقف في صفّ أصحاب الثورات ضد أنظمتهم الظالمة من ناحية التغطية الإعلاميّة (وإن زعمت الحياد)، فإنّها حاضرة في نفس مربع أنظمة الحكم التي تعمل تلك الشعوب على إسقاطها. إذ إنّ أكبر جريمة ترتكبها تلك الأنظمة أنّها انتزعت من مواطنيها إحساسهم بالمواطنة وأعدمت لديهم الأمل بتكافؤ الفرص أمامهم بِغَضّ النظر عن انتماءاتهم القبلية أو الحزبية أو الطائفية، وغيرها من أسباب التمايز بين المواطنين. ومُجدداً، إنْ صَدَقَ ذلك التفسير، فهذا يعني أنّ شبكة الجزيرة نفسها بحاجة إلى ثورة مشابهة لتلك الثورات بحيث يتغير فيها النظام بكلِّ رُموزه ليحلّ محله نظامٌ يُمثل أبناء تلك الشبكة، دون اعتبار لخلفيّاتهم وانتماءاتهم المتباينة، ويُديرهم بميزان العدل والسواسية.

*       *        *

قبل الختام، فإنّني أعلم أنّ طرح مثل هذا الرأي سيثير الكثير من الغبار حول مصداقية الجزيرة، ناهيك عن كثير المشاكل التي قد تنالني شخصيّاً باعتباري موظفاً سابقاً فيها.

وهنا أحتاج إلى توضيح أمرين مُهمَّين.

الأوّل، أنّ مصداقية الجزيرة ينبغي أن تقوم على أساس صلب من تحرّي الحقائق والالتزام بمعايير الشرف المهنيّة الذي ألزمت نفسها به. وهذا لن يتحقق دون المرور عبر غربال من الصدق مع الذات والشفافية مع المجتمع (المجتمع الصغير داخل المؤسسة الإعلاميّة، والمحيط الحضاريّ الكبير الذي تنتمي إليه الشبكة). وإذا كان مصداقية الجزيرة ستتأثر بهذا النقد، فذلك يعني أن ثمَّةَ خللاً تعاني منه الشبكة ذائعة الصيت، يحتاج إلى التصارح علناً بشأنه حتى يتم إصلاحه. ذلك أنه إذا عجزت قناة تعمل على تغطية المصائب والحروب منذ نشأتها عن توفير أدنى متطلبات الأمان للعاملين فيها أثناء تغطيتهم تلك الأحداث، فإنّ الأمر يحتاج إلى ما هو أكثر من رسالة من موظف إلى رئيس قسم أو مدير إدارة، بل حتى إلى المدير العام أو رئيس مجلس الإدارة.

الثاني، أنّني وإن كنت انتميت إلى الشبكة والتزمت بقوانينها عند عملي فيها سابقاً، فإنّ ثمَّةَ التزاماً أكبر يفرض عليّ الخروج إلى العلن بهذا الموضوع؛ ذلكم هو انتمائي لبلادي وأمتي وديني، وكلّ واحد من تلك الانتماءات الثلاثة يتجاوز انتمائي لمؤسسة إعلاميّة مهما كانت ضخامتها. ذلك أن قطر والعروبة والإسلام أعزّ عليّ من أن التزم قوانين الشبكة التي أثق أنها قد تلجأ لمحاكمتي لما تجرّأت على إعلانه مما يدور في خلد كافة الموظفين غير القادرين على الحديث بهذا الخصوص. وحسبي في ذلك أن تلك المحاسبة ليست الأولى، إذ سبق أن تمّ التحقيق معي وتوقيف راتبي أكثر من مرة بسبب صراحتي سابقاً، ولا أحسبها ستكون الأخيرة. ورغم ذلك فإنني أعود للتأكيد على أن طرح مثل هذا الموضوع علانية هو وحده ما يمكن أن يجعل من شبكة الجزيرةِ جزيرة واحدة يتساوى فيها الجميع، لا أرخبيلاً يحوي بعضُه السادة ويجمع بعضُه العبيد.

*       *        *

نعود لنسأل سؤال البداية: من قتل الشهيد علي حسن الجابر؟

ذلك السؤال وإن بدا مُستسخفاً في مطلع الأمر، فإنه وحده الذي سيدفعنا للعثور على الإجابة التي نبحث عنها.

فرغم أنّ الرصاص الذي اخترق جسده خرج من سلاح في ليبيا، فإن اليدَ التي أطلقته ربما تكون بين ظهرانينا دون أن ننتبه. وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ ملاحقة الجناة ينبغي ألا تتوقف على من حمل السلاح وحده، فالكلّ هنا مسؤول عن تلك الدماء الطاهرة التي سالت في سبيل إظهار كلمة الحق.