اعتذارٌ لِلجيلِ المُقبِلِ

اعتذارٌ قديم، لا يزالُ واجبَ التّقديم…

 

اعتذارٌ لِلجيلِ المُقبِلِ

 

أعلم أنني لا أمتلك حقَّ الحديث نيابة عن أحد بعَيْنِه، ناهيك عن جيل بأكمله، ولكنني أرى أنّ الجيل المقبل يستحقُّ اعتذاراً خالصاً مِنّا، خاصَّة مع انصرام عام ميلادي ودخول آخر. ذلك أنَّنا لم نسمع مِمّن قبلنا اعتذاراً عما اقترفته أيديهم بحقِّنا، سواء من الناحية الماديَّة أو الفكريِّة. وعليه، فإنّ أقلّ ما يمكن أن نقدِّمه للجيل المقبل، بينما نُحمِّله مسؤولية المواصلة، هو التماس الصّفح عن سوءاتنا وأخطائنا في حقِّه.

*       *       *

يا أبناء الغد..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..

قد لا تجدون في شخصي المتواضع سبباً يدعوكم لقبول هذا الاعتذار الذي نصَّبت نفسي نائباً عن جيلي في إبلاغكم إياه. وهذا يقيناً حقُّكم. لكنّ ما يدفعني إليه هو ثقتي أنّكم لن تتمكّنوا من قراءة حاضركم والعمل لمستقبلكم (أفراداً وأمة) إلّا إذا اسْتَقَيتُم دروس ماضيكم، واتَّعظتم من عِبَرِ تاريخكم.

ذلك الماضي، وذلك التاريخ الذي ستواجهونه يوماً ما، إنَّما هو حاضرنا الآن. هذا الحاضر الذي نعيشه نحن هنا والآن، دون أنْ نبصر حقّ من يأتي بعدنا في الحياة الكريمة.

إنّ اليأس يا أحبتي هو السِّمة الأبرز لعصرنا. اليأس من أن يطرأ علينا أيُّ تغيير من أيِّ نوع. لقد بلغ بنا اليأس مبلغاً حتى أصبحنا لا نرى بالإمكان أبدع مما كان، وباتت خلاصة أمثلتنا تقول (أمسك مجنونك، حتى لا يأتيك من هو أجنّ منه)، وذلك ثقة مِنّا في أنّ ما سيأتي لا بد أن يكون أسوأ مما هو كائن. وأيّ خير يُرجى من قوم يرتعون في المهانة بين الشعوب، ويدوس على كرامتهم كلُّ سافل، وقد انتزع منهم شعورهم بالمواطنة، بل بالإنسانية أحيانا، بينما يدعون قائلين: “الله لا يغير علينا”!

فإنْ كان ثمّة مرض أنتم بحاجة إلى علاجه فهو هذا الوهن الذي أصاب أرواحنا، والعجز الذي قيد إرادتنا، والقنوط الذي استلَب الأمل من أنفسنا.

ولكن الأمر في حاضرنا ليس قاصراً على اليأس وحده يا أحبتنا، فالعقل العربي/ المسلم أمسى واحداً من عوائق يقظتنا. فلقد تراكم على هذا العقل مئاتٌ من سنوات التخلف الذي ورثناه عن أسلافٍ لنا، وأبَيْنا أنْ ننسلخ عمَّا لحق به من دَنَسٍ في المنطق والتفكير السليم.

ولست أقول إنّ كلّ ما ورثناه ممّن سبقونا بالإيمان كان شراً، ولكننا أخطأنا – كما أخطأ بعض من كانوا قبلنا – بأن أسبغنا على كل ما ورثناه صفة القدسيّة، وأخذنا به ظناً بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

لقد عجزنا – كما عجز بعض أسلافنا – عن التفريق بين التقدير لأشخاص علمائنا وأدبائنا ومفكرينا، وبين التقديس الذي أضفيناه عليهم وعلى آرائهم وأقوالهم وأفعالهم التي كانت وليدة زمانها وبيئتها. فاختلَّ لدينا عالم أفكارنا، واختلطت رؤانا، وعجزنا عن إبصار طريق تقودنا إلى مبتغانا.

لذلك أقول لكم، لا تقعوا في نفس الحفرتين اللتين انقسم أبناء جيلنا فيهما؛ فوقع بعضهم في حفرة التقديس المفرط لتراثنا، برغم ما فيه من سوءات وأخطاء، فيما وقع آخرون في حفرة الجحود المطلق له، برغم ما يعمُر به من الحقِّ والنُّور. ولقد صدق من قال: إن الحقَّ فضيلةٌ بين رذيلتين. فلا تجنحوا إلى التطرف، لا في الدين ولا في الدنيا، فإنه لا يأت بخير.

وجدير بكم أثناء عملكم على تغيير واقعنا المرير أنْ تتذكروا أنَّكم بشر، والبشر بحاجة إلى تنظيم علاقاتهم فيما بينهم، سواء كانت بين ذوي القربى، أو الجيران، أو مع أتباع المذاهب والأديان الأخرى، أو بين الرئيس والمرؤوس، أو المواطن والدولة، أو الأمة وغيرها من الأمم. ذلك أنّ اختلال هذه العلاقات، خاصة مع من يخالفكم الرأي أو المنهج، هو ما يؤدِّي إلى الفرقة والاختلاف. وقد قال أحد أدبائنا مفسراً سبب حاجة الأمة لعلاقات تساعدها على الوحدة قائلًا:

تأبَى الرماحُ إذا اجتمعنَ تكسّراً       وإذا افترقنَ، تكسّرَتْ آحادا!

إنّ النهضة التي نرجوها لأمتنا يا جيل الغد الواعد، تبدأ من دواخلنا؛ عندما نغير طرائق تفكيرنا، ونُحسن فهم ديننا، ونُدرك حقيقة ثوابتنا، ونَعِيْ واقع حياتنا، ونُؤسِّس لعلاقات قائمة على المبادئ فيما بيننا أفراداً وجماعات ومؤسسات ودول. ودون ذلك، لن تقوم لأمتنا قائمة. وإنّ الغد لن يكون مشرقاً إلا إذا عزمتم أنتم أنْ تستخرجوا له شمس نهضتكم.

*       *       *

يا أبناء الجيل المقبل..

لا ترضوا بنا عائقاً للتغيير الذي تريدون، أو عثرة أمام النهضة التي تبنون. واجعلوا من يأسناً سبباً لأملكم، ومن ضعفنا دافعاً لقوتكم، ومن فرقتنا حاجة لوحدتكم، ومن تخاذلنا عِبرة لعزيمتكم، ومن شَكِّنا يقيناً لإيمانكم.

لقد كنا دائماً نرمي بالمسؤولية على عواتق غيرنا. لم نكن يوماً مسؤولين بما فيه الكفاية لتحمُّل نتيجة أخطائنا، إلا من رحم ربِّي. ولم ندرك أنَّ التجربة الإنسانية محكومة بالخطأ في رحلتها للوصول إلى الصواب، وممسوسة بالخطيئة في صراطها نحو الفضيلة، ومشمولة بالظلمة في دربها نحو النور.

أيُّها الجيل المقبل..

لقد هَدَّنا التعب من خطايا أجسادنا ودَنَس أنفسنا وثقل أرواحنا، وها نحن نعطيكم صَكَّاً يُبرِّئكم من خطايانا وآثامنا في حقكم، فلتغفروا لنا خطيئتنا، وتجاوزونا للوصول إلى مبتغاكم. فلقد صدق فينا قول من وصفنا من أبنائنا الغيورين علينا:

نحن شعوبٌ

يأنفُ منها العارُ

ويخجلُ منها العيبُ.

حُقَّ علينا السيفُ

وحُقَّ الضّربُ.

لا ذنبَ لنا..

لا ذنبَ لنا..

نحن الذنبُ!

ديوان قَصَائِدُ في زَمَنِ الحِصَارِ

قارئي العزيز..

هذا ديواني الأخير يسبق غيره بالصدور، معلنا رفضه لا للحصار فحسب، بل للعقلية التي أفرزته، والنفسيّة التي قبلته، والاخطاء التي تحتاج إلى التصويب مما أبرزها لنا في ذواتنا.

فيُمسِكُ قبضةَ الشِّعرِ

ويُشْهِرُ عاضِدَ الفِكْرِ

لِيَقطعَ دَابِرَ الشَّرِ!

فلا يحابي بين بعيد أو قريب، فالخطأ واجب التصحيح حتى إن صدر عن حبيب، وإلا كنا مع المُذَبذَبينَ فلا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

ثمّة بضع وعشرون قصيدة تكشف أضلاع الثلاثية المُدَنَّسَة وطبيعة الوطنيّة، وتضرب رأسي الفِتنة، وتفضح الفتاوى المُحاصِرَة وما قالَ السُّفهاء في تَلمودِ أحفادِ مُسيلمة، لتروي لنا حِكايةَ العائلةِ الكبيرةِ وما كان من إِخوَةِ يوسُف، لتعلن دعاءً في جَوفِ الليل أن ذلك كله خيرٌ لكُم.

 

PoemsInTimeOfSiegeBook-BackCoverCanvasMockup-KhalidAlMahmoud

 

PoetryBook-FrontCover-KhalidAlMahmoud

PoemsInTimeOfSiege BookContents KhalidAlMahmoud

SiegePoetryBook-BackCoverMockup-KhalidAlMahmoud


 

poemsintimeofsiege 2nd+3rd+editions book khalidalmahmoud

عِندَما رَحَلَ قُطْبَة

تقديم

في 3/ مارس من عام 2001، الموافق لـ 8/ ذي الحجة من عام 1421، انتقل إلى جوار ربّه سبحانه ابنُ الخال الحبيب الدكتور محمـد عبدالله قطبة رحمه الله تعالى. وأحسب شدّة الحزن على فراقه آنذاك كانت السبب الأكبر في عجزي عن رثائه بقصيدة تليق بمقامة العظيم. لكنّ مثله يبقى عصيّاً على النسيان، فليس مِمّن يزور الذاكرة مروراً؛ إنما يحفر اسمَه ورسمَه فيها، فلا يزول حتى تزول. والمقالة التالية، والتي نُشرت بعد وفاته بسنوات عدة، كانت خاطراً طالما رافقني، فلم أملك كبح جماح قلمي عنه. وكيف يتأتّى لذي ضميرٍ حيٍّ أنْ يتأبّى على نسبة الفضل لأولي الفضل، خاصة حينما تعاوده ذكراهم العطرة!


عِندَما رَحَلَ قُطْبَة

 

muhammadqutba article khalidalmahmoud

 

كلما حطّت قدماي مطار هيثرو في العاصمة البريطانية لندن، كما حصل معي الأمس، أتذكر بعض مشاهد رحلتي الأولى في صيف 1994.

أبرز مشهد من تلك الرحلة كان صحبتي؛ ذلكم هو الراحل محمد بن عبدالله قطبة، رحمه الله. الرجل الذي أنعم الله سبحانه وتعالى عليّ بأن أمضي معه بعض سنيِّ عمري لأتتلمذ على يديه في الشعر، فهو شاعر متمكن وله ديوانان مطبوعان (مشاعل ومشاعر) و(ديوان محمد قطبة، الأعمال الكاملة)؛ وفي اللغة الإنجليزية، إذ درّسنيها في جامعة قطر؛ وفي العمل العام إذ انتسبت لمركز شباب الدوحة الذي كان هو أحد أعضاء مجلس إدارته الذهبيِّ في مطلع التسعينيات؛ ناهيك عن صلة القرابة الوثيقة التي تربطنا بحكم كونه ابن خال أمّي حفظها الله.

ولعل ما يدفعني للكتابة عنه في ذكرى رحيله اليوم (الثامن من ذي الحجة) أنه كان من القلائل ممن أحب من الذين عجزت عن رثائهم بقصيدة عندما حلّ قضاء الله بنا وبهم.

ولكن الأهم من ذلك أنّ فقدان إنسان مثله ليس بالأمر الهيِّن. ومن عرف الراحل عن قرب، يدرك ذلك تماماً. إذ لم يسبق له أن وُضع في أيِّ موقف يُحَتّم عليه الاتصال مع الناس إلا وأبدى أروع مظاهر الإنسانية في علاقته مع أخيه الإنسان. وأكاد أقسم أنه الوحيد من كلّ من عرفت عن قرب ممن لم أسمع أحداً، غنياً أو فقيراً، شريفاً أو حقيراً، يشتكي منه في شيء، أيِّ شيء! وحسبك بمثل هذه التعامل الذي يجمع القلوب حوله، ويدفعُهم للترحّم عليه دليلاً على محبّة الربّ سبحانه وتعالى له. إذ ورد في الحديث الشريف {إنَّ اللهَ إذا أحَبَّ عَبداً نادَى جبريلَ: “إنّي أحِبُّ فلاناً فأحِبَّه”، فيُحِبُّهُ جبريل، ثمَّ يُنادي ملائكة السَّمَاءِ: “إنَّ اللهَ يُحِبُّ فلاناً فأحِبُّوه”، فتُحِبُّهُ ملائكة السَّماءِ، ثم يُوضَعُ لهُ القَبولُ فِي الأرض}.

*       *       *

محمد قطبة الذي ولد عام 1954، تلقى العلم على يدي والده الشاعر عبدالله عبدالرحمن قطبة رحمه الله. ومنذ نعومة أظفاره رضع حبّ هذه الأمة ديناً ولغةً وحضارة، فما زال يدفع عنها كلّ رزيئةٍ ويصدّ عنها كل نائبةٍ ويكتب ويعمل ويُربّي الأجيال لإعادتها على طريق الريادة مجدداً.

واصل رحلة تعليمه في المعهد الدينيّ ليتتلمذ على أيدي العلماء وعلى رأسِهم فضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله، والذي كان يُحبّه محبة خاصة لخُلقِه الرفيع وتديّنِه المعتدل، ناهيك عن نبوغِه في الشعر.

في جامعة قطر، تخصّص محمد قطبة في اللغة الإنجليزية، وأكمل دراساته العليا في جامعة (دَرَم – Durham) البريطانية. وقد كانت له سمعة مشهودة لدى كلّ من عرفه في أنحاء أوربا، حيث امتد نشاطه في القارة العجوز. حتى إنّ أهل الحيِّ الذي أقام في إحدى عائلاته المسيحية بكوا عندما رحل عنهم، وهم الذين ثاروا على تلك العائلة لإسكانِهم طالباً مسلما بين ظهرانيهم، وما ذاك إلا بسبب خلقه الرفيع.

قضى الفقيد نحو تسع سنوات في الغربة يدعو إلى الله، بالإضافة إلى دراسته، وأسلم نحو سبعة عشر قسيساً على يديه، ناهيك عن عشرات آخرين من العامة، بل والمساجين الذين كان يخصّهم بزيارات دعويّة وإرشاديّة، خاصّة المسلمين منهم. ورغم تأخيره كتابة رسالة الدكتوراة إلى آخر ستة أشهر من بعثته، فإنه وُفـِّقَ لكتابتها دون خطأ إملائيٍّ واحد، وهي سابقة لم تُعرف قبله في الجامعة. وعاد بعد ذلك إلى قطر ليعمل في الجامعة مُدرساً لمهارات اللغة الإنجليزية والترجمة.

ولم يكن العمل الدعويّ غائباً عن حياة الفقيد بعيد عودته، إذ كان أحد المبادرين المُبرزين فيه. وكان من جملة أسهم في توسيع أنشطة جمعية قطر الخيرية بوضع قدمٍ لها في ألبانيا، تلك الدولة الأوربّيّة المسلمة التي خرجت من رداء الشيوعيّة مطلع التسعينات من القرن المنصرم. وقد كانت الجمعيّة لا تزال تُعرف آنذاك باسم “لجنة قطر مشروع كافل اليتيم”.

ومن بعدها تولى منصبَ مساعد وكيل وزير التربية والتعليم عندما بادر سمو الأمير الوالد إبّان توليه ولاية العهد آنذاك في عملية إصلاح التعليم في قطر. وكان يجهد نفسه في العمل حرصاً على تحسين التعليم إضافة إلى ضمان حقوق موظفي الوزارة. ولعل ذلك كان سبب إصابته بالجلطة الدماغية التي عطّلت بعض أعضاء جسده عن العمل، لعظم التبّعة التي احتملها من ذلك المنصب.

ورغم حالته الصحية الصعبة بعد خروجه من الوزارة فإنه لم يتوقف عن خدمة الأمة، إذ عاد إلى الجامعة للتدريس مجدداً، إضافة إلى إدارته موقع (إسلام أون لاين – IslamOnline) لنشر تعاليم الدّين الوسطية.

وافاه الأجل المحتوم إثر نزيف في المعدة صبيحة يوم التروية من ذي الحجة من عام 1421. ورغم دفنه بعد وفاته بسويعات معدودة، إلا أنّ الآلاف حضروا جنازته حالما علموا برحيله. حتى أنّ أستاذه الشيخ القرضاوي لم يتمكن من إدراك مراسم الدّفن، وهو ما أبكاه حفظهُ اللهُ على تلميذه النجيب.

*       *       *

لعلنا لا نتقوَّل على الحقيقة إذا قلنا إنّه كان سميَّا في الاسم والمُسمّى لمحمد بن عبدالله ﷺ. إذ كان خلقُه أقرب ما يكونُ إلى القرآن، لا يَملّ من السلام على من يعرف ومن لا يعرف ولا تغادرُ البسمة شفتيه رغم ما لديه من أسباب المعاناة. حتى وهو على سرير المرض يعاني الجلطة التي بقيت آثارها معه إلى وفاته، لم يكف عن الاطمئنان على زواره والتهوين عليهم، كأنه الزائر لا المريض.

أما عطاؤه وسعيه في قضاء حاجات الناس، فحدِّث ولا حرج. ولو أنّنا قصَرنا العطاء على بذل المال لكان ذلك وحده يكفيه. وليس عجباً أن يُقال في المجتمع القطري “إذا أردت أن تُقضى لك حاجة، فاذهب إلى د. قطبة”. وكم عرفتُ – بحكم علاقتي الخاصة به – أنه استدان بعضاً من المال ليقرضه لذوي الحاجة، بل إنّه كان يُرسلني في قضاء بعض تلك الحوائج من ماله الخاص رغم علمي اليقين بحاجته إليه. فكان يصدُق فيه قول الشاعر:

 

تعوَّدَ بَسط الكَفِّ، حتّـى لو انَّـهُ

ثَـنـاها لـِقَـبْضٍ لم تُـجِـبه أنامِـلُـهْ

 

تـَراهُ إذا ما جـِئـتـَـهُ مـُـتــَـهلـِّـلاً

كأنَّـك تُعـطيـه الذي أنتَ سائـلُـهْ

 

هو اليمُّ، من أيّ النَّـواحيْ أتيتَـه

فلُجَّـتُـهُ المعروفُ، والبِرّ ساحِلُهْ

 

ولو لم يكن في كفـِّهِ غير روحِهِ

لَـجَـادَ بِـها، فَـليَـتَّـقِ اللهَ سَـائِـلُـهْ!

 

حسبُك دليلاً على ذلك أنّ انشغاله بقضاء حوائج الناس أنساه قضاء حاجة نفسه وأهله بطلب ما هو حقٌّ له من أرضٍ وقرضٍ ليبني عليها بيته، فقد كان يُقيم في منزلٍ صغير يجاور فيه والدته، حفظها الله، برّاً بها وإحساناً إليها. ولم تحصل عائلته على ذلك الحقّ إلا بعدما ذكر فضيلة العلامة يوسف القرضاويّ الأمر لسموّ الأمير الوالد حفظهما الله إبان توليه مقاليد الأمر في البلاد، والذي تفاجأ بهذا الأمر خاصّة أنّه كانت تربطه بالدكتور قطبة علاقة جيدة، فلعله لم يدر بخلده أنّ أحداً من الناس في هذا الزمان يُشغله فعلُ الخير وأداء الحقوق عن نفسه وأهله. فما كان منه إلا أن أوعز إلى من حوله بالوفاء لأهل ذلك الإنسان الذي أفنى حياته في خدمة الدِّين والوطن. وصَدَقَ الله العظيم إذ قال {… وَكَانَ أبُوهُمَا صَالِحاً}.

*       *        *

لقد كان الفقيد رحمه الله نبراساً لمن أراد الوصول. فعمل على أن يبلغ بخلقه ما يبلغه الصائمُ الذي لا يُفطر والقائمُ الذي لا يَفتر، وهو يتذكر في كلِّ ذلك حكمة الربِّ سبحانه في الموت والحياة {لِيَبْـلوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلاً}. وأنا أشهد أمامَ اللهِ أنّكَ قد أحسنت عملاً.

*       *        *

عندما غادر ملتقى الأدباء الشباب الذي أسّسهُ هو وترعرعتُ أنا فيه، كتبت أمازِحُه:

 

أقُـطـبَـة ٌ.. أيْنَ تَمضِيْ

يا عاشِقَ الإنجليزي؟

 

أراكَ أسرعتَ خـَطواً

?Why don’t you just take it easy

 

أنا أخـُطّ رِقـِاعاً

يـا سـَيـِّدَ التَّطْريزِ

 

فأنتَ مَنْ عـَـلـَّمَنِـيْ

نـَسْجَ الهَوى يا عزيزيْ!

 

ولستُ أحسَبُه يجيبني على ذلك السؤال إلا بقوله {يَا لـَيْتَ قوْمِيْ يَعلمُونَ، بمَا غَفرَ لِيْ رَبِّيْ وَجَعَلنِيْ مِنَ المُكْرَمِيْن}.

رحمك الله يا أبا جميلة وعبدالله وأحمد، وأحسن عقبانا فيك، وجمعنا وإياك مع الحبيب ﷺ.

آمين.

اغتِيالُ البَنَفْسَج

تقديم

مع حلول الثاني والعشرين من شباط/ فبراير تعاودنا ذكرى الشهادة بإعلان كلمة الحقّ، وهي تتجسّد في صورة الراحلة أطوار بهجت، رحمها الله [07.06.1976–22.02.2006]، الإعلاميّة التي وقعت شهادة حبّها للوطن بالدم.

هذه مقالة سبق وأن نُشرت مع حلول ذكرى اغتيالها الخامسة، أعاود إفشاءها كلّما عاودني أريجُ البنفسج، وفاء لذكرى عطرة تتأبّى على النسيان.


اغتِيالُ البَنَفْسَج..

فيْ ذِكرى رَحيلِ أطْوار بَهْجَت

 

atwarbahjat-profilephoto-khalidalmahmoud

 

لم يدُرْ بخلدي قط أن ما سألقاه في بغداد بعد نهاية الحرب سيكون أبعد من أيّ إشكالٍ سياسيٍّ أو غزوٍ عسكريٍّ وأصعب من أيِّ تجربة شخصية خضتها في حياتي.

ذلك أن التحدي الأكبر الذي لقيته في بغداد حينها وفي الدوحة بعدها، وربما لندن لاحقاً، كان صحفية عراقية شابة تنضح حماسة وثورة وانتماء للوطن. وكان مكتوباً لي أن تربطني بها علاقة خاصة منذ ساعة وصولي إلى مكتب الجزيرة في بغداد يوم الخميس 26/ حزيران، يونيو/ 2003.

تلكم هي الراحلة، عليها رحمة الله: أطوار بهجت السّامرّائيّ.

*       *       *

أولُ خِلافٍ دَبَّ بيننا، كان اسمُها!

فلقد كانت خرجت لتوّها من دورة تدريبية للمراسل الصحفي، وكان من بين مدربيها بعض كبار مراسلي الجزيرة مثل الزميلين تيسير علوني وعبدالحق صداح. ولذلك طلبتُ منها ساعة وصولي أن تصوّر لي خاتمة تقرير افتراضيٍّ لنتخذه نقطة انطلاق للعمل.

كانت أول ملاحظاتي عليها إيقاعُها البطيء في القراءة. وعلاوة على حاجتها لتسريعه، فإنّ اختصار اسمها بدا ضرورة ماسّة، لتستعيض عن (أطوار بهجت السامرائي) بـ(أطوار السامرائي) أو (أطوار بهجت) مع تفضيلي للخيار الثاني.

هاجَت، رحمها الله، وماجَت على هذا القرار الذي بدا لها تعسفياً. فمن أنا حتى أملك حَقَّ تغيير اسمها لها؟ وكيف يفرض عليها هذا الغريب أن تختار بين اسم عائلتها الذي عُرفت به، واسم أبيها رحمها الله الذي كانت تربطها بها علاقة خاصة؟

وحيث كنت أتوقع هذه الثورة، فقد حشدت لها عدداً من أقطاب الإعلاميين في مكتب بغداد للترجيح بين أحد هذين الاسمين. وانتهى الأمر، بعدما هدأت ثورتها، أن قلت لها إنها ستشكرني يوماً ما لأني دفعتها إلى هذا القرار.

ولم تكن الأيام التي تلت هذه الحادثة مختلفة عنها. فقد أصررتُ على ألا يُبثَّ لها تقرير حتى أعطيها الضوء الأخضر، باعتبارها ليست مستعدة للنزول على الهواء بعد. ولم تفلح شكواها لمدير المكتب آنذاك، حين قالت له ضاحكة إنّ أرضية المكتب لابُدّ أنها مصقولة من شِدّة النظافة، لأنّي أمسح الأرض بها في كلِّ مرة تُعِدُّ فيها تقريراً، على حدِّ تعبيرها.

وقد كان تشدّدي معها مبنياً على ثقتي في إمكاناتها الهائلة في العمل الصحفيِّ التلفزيونيِّ. ورغم أنّني كنت أرى رِقّة الأنثى في أعماق عينيها، فإنّ الصّلابة التي تجلّت على حِدّة حاجبيها دفعتني للاستمرار. ولذلك آثرت ألّا تخرج على المشاهدين حتى تكون قادرة على إعطائهم ما يستحقّونه وبما يناسب قدراتها. وقد قلت لها مراراً إنّ من اليسير أنْ يجد المراسل لنفسه مكاناً على شاشة إحدى الفضائيات، ولكن العسير أن يجد له مكاناً في ذاكرة المشاهدين وقلوبهم، وهذا هو ما أريده لها.

*       *       *

كانت رحمها الله تحبّ العراق كثيراً، ربما أكثر من نفسها. ولم يكن شيءٌ يغيظها أكثر من سماع كلمة تمسّ الوطن. وكانت أولى تجاربي معها في هذا المضمار عندما صحبتها لتغطية أوّل حفلٍ للفرقة الوطنية السيمفونية العراقية بعد الغزو.

كان المفترض أن تقوم هي بإعداد قصّةٍ إخبارية عن تلك الليلة، فتوجّهنا إلى كواليس قصر المؤتمرات للقاء مايسترو الفرقة وأعضائها. ولم يبد أنّ هناك شيئاً استثنائياً يؤهِّل الحدَث ليكون تقريراً يُبَثُّ على شاشة الجزيرة، إلى أن بدأت الفرقة في العزف.

كانت مقطوعتهم الأولى هي السلام الوطني العراقي السّابق “موطني”!

لم يكن لديّ شكٌ عندها في أنّ الحدث بات ساعتها أكبر منْ أنْ أترُكَ إنجاز القِصّة لها. فعزمْتُ على إعداد التقرير بنفسي، وطلبت منها أن تُعدّ واحداً من جانبهاً بغرض التدريب.

لم تكفّ عن الحركة الدؤوبة طيلة الحفل، وكانت تكتبُ النَّصَّ أثناء وقوع الحدث، بل وسارعَتْ إليّ فَرِحَةً لتخبرني بفراغها منه وذلك قبل أن تنتهي الأمسية. فلم أجد غير الابتسام للتعبير عن شفقتي على حماستها التي تطغى على منطقِ عقلها أحياناً.

لكنّ ابتسامتها تلك لم تلبث طويلاً، فعندما عاودت الفرقة لتعزف “موطني” مُجدّداً مع ختام الحفل، انخرطت في البكاء أسفاً على الوطن الذي نجّسَه العدوُّ وتآمر عليه الصديق. ولم تكن وحدها من بكى، فالمشاعر الجَيّاشة كانت عنواناً للقاعة التي امتلأت بمئات المثقفين والفنانين العراقيين، خاصةً أن الحفل شهدَهُ أربابُ الاحتلال الأنجلوأمريكي.

عندما انتهيت من التقرير في اليوم التالي، وقارَنَتهُ هي بتقريرها قالت، وهي تحاول الاستعلاء على الحدث، إنّها تُقرّ لي بجودة ما أعددتُه، وأنّها تأذن أنْ يُبثَّ على الهواء لأنّه يُعيدُ الاعتبارَ للعراق الذي شَوَّهته وسائلُ الإعلام بُعيد الغزو.

*       *       *

وتوالت الأحداث بعد ذلك، وتوثَّقت عرى الأخوَّة بيننا على شاكلة أشبه ما تكون باتصال الموج مع الشاطئ في أقصى حالات مَدّه وجَزره. ومَرّت الأشهر والسنوات، لتصبح أطوار واحدة من أشهر مراسلات الجزيرة وأكثرهنَّ مهنيَّة وإثارة للإعجاب. ومنّ الله سبحانه وتعالى عليها بارتداء الحجاب، واقترابها إلى الله أكثر فأكثر في حياتها الشخصية، إلى أن أزفت ساعة رحيلها عن هذا العالم المُختلّ.

فقد اختُطِفت ومن ثمّ اغتيلت، يوم الأربعاء 22/ 2/ 2006، على مرأى من الناس ومسمع مع اثنين من زُملائِها، بينما كانت تُغَطّي حادثة تفجير مرقد الإمام العسكريِّ في سامراء، المدينة التي جاءت منها. وكانت آخر كلماتها لمشاهديها تعبيراً عن عشقها للوطن: “رسالة يبدو العراقيون أحوج ما يكون إلى تذكرها: سُنياً كنتَ أو شيعياً، عَربياً أو كُردياً، لا فرق بين عِراقيِّ وعِراقيٍّ إلا بالخوف على هذا البلد”.

*       *       *

قلت لها ذات مرة، إنّني لم أقابل في حياتي شخصاً نال من اسمه نصيباً بقدر ما رأيته فيها. فلما تساءَلتْ عن معنى الكلام أجبتها بأن اسمها بالعربية “أطوار” يَدُلُّ على تبَدُّل الأحوال وتقلُّب الأيام، وهو ما عرفتـُه فيها طيلة فترة علاقتنا. أما بالإنجليزية، فإن اسمها يكتب هكذا “Atwar” ولو أننا فصلنا بين أول حرفين عن باقي الاسم لأصبح “At War” أيْ “في حالة حرب!” ولم أعهد أحداً في حياتي مستعداً للدخول في مواجهة مع الآخرين تصل إلى درجة الحرب المعلنة بمثل ما عهدته فيها. لم تتمالك نفسها من الضّحك، وكانت لها ضحكة صافية ومُجَلجِلَةٌ في آنٍ معاً (أليست أطوار!)، لكنَّها في الوقت نفسه أقرّتني على هذا الرأيِ برضاً بالغ.

أما الآن، وبعد التحاقها بالرفيق الأعلى، فقد كتبت لها قصيدة لم تنشر بعد، قلت لها في مطلعها خُلاصَة ما أحسبها قضت نَحبَها عليه:

سَلامٌ عَليكِ،

على ناظِرَيكِ،

على الدَّم ِ يَشخَبُ مِنْ وَجْنَتيكِ.

سَلامٌ على الأملِ المُستميتِ..

على قدميكِ

إذا ما حَفيتِ؛

وحَاشاكِ..

فالأرضُ نَعلٌ لَديكِ،

وهَذي السَّماءُ خِمارٌ عَليكِ.

سَلامٌ على الأرضِ إذ جِئتِ مِنْها،

وعُدْتِ إليها،

فَبُشرى لها،

ثُمَّ طُوبَى إليكِ.

*       *       *

رحمك اللهُ يا أطوار، وغفر لكلينا ما كان لصاحبه، وجمعنا في ظلِّ عرشه ومُستقرِّ رحمته بإذنه تعالى. اللهمَّ لا تحرمنا أجرها، ولا تفتِنَّا بعدها، واغفر لنا ولها. آمين.

كلماتُ ما بَعدَ الرَّحيل

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..

إلى القارئ الكريم

تمرّ في الحادي عشر من سبتمبر لهذا العام عشر سنوات على رحيل الفقيد الحبيب ماهر عبدالله.

وبالإشارة إلى المقدمة النثرية التي تسبق القصيدة أدناه، فقد كُتبت عندما نشرت للمرة الأولى قبل خمس سنوات في صحيفة العرب. وحيث إنّها لم تعد موجودة على موقع الصحيفة الإلكترونيّ، فها أنا أقوم بإعادة نشر القصيدة التي عزّيت نفسي بها فيه بُعيد رحيله.


في رثاء المغفور له إن شاء الله

ماهر عبدالله

 

maherabdullah-article-khalidalmahmoud

 

في مثل هذا اليوم قبل خمسة أعوام كان آخر لقاء مباشر لي مع صديقي، وعمّي لاحقاً، ماهر عبدالله رحمه الله. وكان آخر عهدي به إشارة صامتة بيده لتذكيري بالتحول من المكان الذي كنا فيه، للقاء في مكان آخر.

لم أجب تلك الدعوة، ولذلك فإنني لم أره حتى وافاه الأجل المحتوم. ولكنني أذكر جيداً أنه عندما أشار إلى المكان الآخر، كانت إشارته إلى السماء. ولعله من حيث لا يشعر كلينا، أراد أن يذكرني أننا إن لم يكتب لنا أن نلتقي على هذه الأرض، فإن موعداً بيننا آخر سيجمعنا في السماء.

لقد أرّخَ الكثيرون لوفاة أبي أسامة رحمه بتزامنه مع 11/ سبتمبر 2004، دون أن يدركوا أنه صادف ذكرى الإسراء والمعراج في ليلته التي التحق فيها بالرفيق الأعلى.

الآن، وبعد خمس سنوات على كتاب هذه الأبيات، أقول له وفاءً لصداقته التي ما برحت تكبر في أفئدة من يحبونه: أسأل الله تعالى أن يُعلِيَ ذكرك بالخير في الأرض وفي السماء، مهما حاول الأقزام إخماد جذوته. وأتضرع إليه تعالى أن يجمعنا بك في ظل عرشه ومستقر رحمته {مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً}. آمين.

*       *       *

في ليلةِ الإسراء كان الموعدُ        رسلٌ تـُصليْ، والملائكُ تسجـُـدُ

حورُ الجـِـنان تزيـَّـنتْ ونعيمُها        إذ أنتَ تقصِدُها فنِعمَ المَحْـفِـدُ

دعنا بدنـيـانـا، نـُـكـابـدُ حُـزنـَـنـا        يكفيكَ ما بالأمسِ كنتَ تـَكبـَّدُ

واتركْ لنا من بعض رسمِك صورة ً        دمـُـهـا يسيـلُ وروحُـها تـَصـَّــعـَّــدُ

واخلعْ رداءَ الخوفِ، إنَّك آمنٌ        أنـَّى يخافُ المؤمنُ المُـتـزهـِّدُ

نحنُ الذين نخافُ عـُـقبانا إذا        حانتْ مَـنيـَّـتـُـنـا ولمَّا نـرشـدُ

جهلاً ظننَّا الموتَ طوداً شامخاً        يـُـقصيْ أحبَّـتـنـا إذا هُمْ أبْـعَـدوا

حَسِبوكَ غِبتَ أبا أسامة، ما دروا        أنّ الذي ربـحَ الـعـُـلا لا يـُـفـقـدُ

حَسِبوك مِتَّ أيا حبيبيَ، وَيحَهُمْ،        لمـَّـا رأوكَ بذي الترابِ تـُـلـحــَّـدُ

لم يـعـرفـوا أن الملائكة ارتضَـوا       ما قـُـلـتــَـهُ، وبهِ هُمُ قد أُسْـعِـدوا

فلقد أجـبتــَـهُـمُ بقلبٍ ثابتٍ:        ما كنتُ غيرَ اللهِ يوماً أعبُدُ

أنا دينيَ الإسلامُ، وحيُ رسالتي الــ       ــقرآنُ ، والمَـبـعـوثُ فيَّ مُـحَـمـّـدُ

هذا الذي أمضيتُ عمريَ مُخلِصاً        فيهِ، وعندَ الموتِ كنتُ أوحّدُ

واللهُ أوعدنيْ، وحَـسـبـيْ وعـدُهُ        بالفوزِ في الدارين، إذ أُستـَـشهـَدُ

 

أأبا أسامة َ، لا تؤاخذنيْ إذا        ذرفتْ عُيونيَ دمعَها وتـَسَهـَّدُ

واللهُ يشهدُ أننيْ أرضى بما        يقضيْ بهِ، فيما اللسانُ يُرددُ:

يا منْ ملأتَ حياتـَـنا حِيناً        منَ الدَّهرِ الذيْ أنواؤهُ تتهددُ

عَرِّجْ إلى العَلياء، ذاكَ طريقُ مَنْ        يأبـى عـلـيـهِ إبـاؤهُ ويـُــنــَـددُ

ويقولُ ليستْ في الدَّنايا غايتيْ،        فاللهُ مَقصِدُنا، ونِعْمَ المَقصِدُ!

*       *       *