خَطيئةٌ اسمُها الخَدَم

تقديم

المقالة التالية سبقت بسنوات عدّة اللقاء الموجود في الموقع باسم خطيئة الخدم، وإن كانت معنيّة بنفس الموضوع وبنفس النَّفس الحاضر في الحوار الإذاعيّ.


خَطيئةٌ اسمُها الخَدَم

 

قبل بضعة أيام لفت انتباهي مشهد سيدة قطرية دخلت إلى مقهى راقٍ بصحبة خادمتها الآسيوية.

شعرت منذ الوهلة الأولى بالدماء تجري ساخنة في عروقي، لما خِلتُه سيكون نسخة مكرورة من تلك الحالات التي تدخل فيه أي عائلة عربية لتتناول طعامَها تاركة الخدم يعتنون بالأطفال على طاولة أخرى. وينتهي الأمر بالخدم أن يحصلوا على بقايا طعام الأسرة، أو – في أحسن الحالات – أرخص طبق في قائمة الطعام.

بيد أنّ الأمر – ويا للغرابة – لم يكن كذلك.

إذ إنّ الشابة القطرية أجلست خادمتها على الطاولة وذهبت بنفسها تطلب كأسي عصير لهما وطبقاً من كعك الجبنة (cheesecake) غالي الثمن للخادمة. ورغم أنّني لم ألحظ حديثاً من أيِّ نوع يدور بينهما، إلا أنّني لمحتُ ابتسامة الخادمة عدة مراتٍ، وهو أمرٌ يندرُ حصوله بين الخدم وأرباب العمل في محيطنا العربيّ.

لم أستطع منع نفسي من التوجه إلى الشابّة القطرية عندما توجّهت لدفع الحساب لأشكرها على حسن صنيعها مع خادمتها. ورغم أنّها جَفلتْ مِنّي في البداية، ربّما ظنًّا منها أنّني أعاكسها، فإنّها بَدَتْ مرتاحة أكثر عندما عبّرت عن استحسانيْ معاملتها الآدمية للخادمة، وحقيقة أنها تعاملت معها على أنها إنسان بِغَضِّ النظر عن جنسيتها أو طبيعة عملها. وختمت كلمتي لها بأنْ سألت الله تعالى أنْ يُيَسِّر لها أبناءَ حلالٍ من أمثالها في درب حياتها، وانصرفت.

*       *       *

لا يحتاج المرءُ أن يكون مطلعاً على إحصائياتٍ أو دراسات اجتماعية في عموم الوطن العربي ليتعرف على بشاعة وضع العمالة الأجنبيّة (الآسيوية والأفريقيّة تحديدًا) فيه، فنماذج ذلك الوضع غير الإنساني ماثلة حيثما التفتنا. وما يجري على نطاق المؤسسات – الخاصة والعامة – ليس أفضل بحال مما يجري على نطاق الأفراد والأسر.

حسبك من ذلك ضيق الغرف المخصصة للخدم في منازلنا (دعك من سكن العُمّال). فغرفة الأجير (الخادمة، المربية، السائق، وغيرهم) لا يمكن أن تصل إلى نصف مساحة غرفة أصغر أبناء الأسرة المقيمة في نفس المنزل. وأعرف عن بعض أقربائي أنهم يستخدمون خادمتين اثنتين في جميع حاجاتهم في المنزل، بما في ذلك جلب كوب ماء أثناء تناول الطعام، ورغم ذلك فإنك لو فتحت باب الغرفة التي تسكنانها كلتاهما أثناء نومهما لضرب مصراع الباب رأسيهما المستلقيين على فراش على الأرض!

ناهيك طبعاً عن ساعات العمل الطويلة والمنهكة التي يدفع أرباب العمل خدمهم إليها منذ الصباح الباكر. فتجدهم أوّل من يستيقظ، وأطول من يعمل، وأقلّ من يأكل (مع ملاحظة أنهم يأكلون طعامنا الذي قد لا يناسبهم بالضرورة) وأكبر من يعاني، وأكثر من يُطلب، وأدنى من يرتاح، وآخر من ينام!

طبعاً، سيجادل البعض قائلاً: وما حاجة الخادم في غرفة كبيرة، أو وقت فراغ؟ وكأنّ الأجير يبنغي عليه أن يوقف حياته بأسرها لأهل البيت الذي يعمل فيه، ولا حقّ له في وقت يرتاح فيه أو يشاهد التلفاز أو حتى يخلو فيه إلى نفسه دون أن يشعر بالاختناق من ضيق الغرفة بينما يكدح ليعيل أسرته في ضيق الغربة.

ومجرد طرح أسئلة كتلك (وأنا لم أتحدث عن الرواتب المتدنية بعد) يشير إلى نظرتنا المختلة لمفهوم الإنسانية عندما تصبح جنسية الشخص أو مرتبته الاجتماعية أو مهنته سَدًّا يحول دون إدراكنا إياها.

هل يحقّ لنا، إذن، أن نستغرب بعض التصرفات الدونية التي يقوم بها بعض الخدم بحق أطفالنا؟ ولا شك أنّ كلاً منا اطلع ولو مرة واحدة على مقاطع مصورة لتصرفات بعض الخدم التي تعدم الإنسانية مع أطفال رُضَّع أثناء غياب الكبار عنهم.

لست أدافع – يقيناً – عن أولئك الخدم الذين عدموا الرحمة في قلوبهم، ولكني أرجو في المقابل حلّ المشكلة من جذورها؛ ألا وهي أن نعالج معاملتنا غير الإنسانية للكثير من الخدم. فانتقاص حقوقهم الإنسانية، ناهيك عن المهنية والشخصية، هي ما يدفع أكثرهم إلى صبِّ انتقامهم من كفلائهم على الأطفال العاجزين عن الشكوى. وصدق أبوالفتح البُسْتيِّ حين قال:

أحسِنْ إلى الناس تستعبدْ قلوبَهمُ        لطالما استعبدَ الأنسانَ إحسانُ

لقد أعطانا سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه درساً في حلِّ مشكلة كتلك، عندما جاءه أحد أثرياء المدينة المنوّرة يطلب منه قطع أيدي بعض عماله الذين سرقوا من بستانه في عام الرمادة (المجاعة). فما أن علم أمير المؤمنين بِعَوَز أولئك الأجراء وجوعهم رغم إيفائهم رب العمل حقه، حتى صاح آمراً ذلك الثري الجشع أن يطعم جوعتهم، وهدّده بقطع يده هو إذا اضطرهم بسبب الجوع للسرقة مجدداً.

ما نفعله بحق الخدم يعطينا مؤشراً على حجم التجبر والطغيان في نفوسنا، إلا أن ثمة سبباً يمنعنا من رؤية تلك الحقيقة، وتتمثل في أننا لا نملك دولاً نحكمها حتى يتحول الواحد منا إلى شبيه لفرعون.

*       *       *

وحتى نصل إلى علاج، فأزعم أننا نحتاج إلى استعادة مفهوم صحيح للإنسانية، مجردٍ من توصيفات الجنس والجنسية والدين والمستوى المعيشيِّ. ذلك أن الرفاهية في مجتمعاتنا، الخليجية تحديداً، أعمتنا عن المشترك الإنساني بيننا وبين من تغربوا عن أوطانهم وأهليهم بسبب الحاجة ليقوموا لنا بسائر شؤون حياتنا.

ويسبق ذلك الأمر، فإن إدراكنا لديننا الحنيف يحتاج إلى مراجعة شديدة في هذا السياق، كما هو الحال في أمور أخرى كثيرة. ذلك أن التدين المعاصر بات في عمومه قاصراً على أداء الشعائر وممارسة الطقوس الدينية، فيما تجاهل حقيقة أنّ (الدِّينُ المُعَامَلة) كما بيّن العلماء. و(المُفلِسُ) كما عرَّفهُ لنا نبي الإسلام ﷺ هو الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ولكنه طغى على حقوق العباد بأن شتم وقذف وسفك دماء الناس وأكل مالهم وضرب ضعيفهم {فيُعطى هذا من حسناتِهِ وهذا مِن حَسناتِهِ، فإن فنِيَتْ حسناتهُ قبل أنْ يُقضَى ما عليهِ أُخِذ من سيئاتِهمْ فطـُرحَتْ عليهِ ثمَّ طـُرحَ فِي النَّار}.

لقد وجّه إلينا الحبيب عليه الصلاة والسلام توجيهات واضحة ودقيقة حيال كيفيّة النظر إلى الأجراء ومن قبلهم العبيد والأسلوب المتوافق مع شرع الربّ تقدّس في عُلاه في معاملتهم، فقال {إخوانُكم خَوَلُكُمْ، جَعلهُم اللهُ تحتَ أيدِيكُمْ، فمَنْ كانَ أخوهُ تحتَ يدِهِ فليُطعِمْه مِمّا يَأكلْ، وليُلبِسهُ مِمّا يَلبِسْ، ولا تُكلّفُوهُم ما لا يُطيقونَ، فإنْ كَلّفتُمُوهُم فَأعِينُوهُمْ}.

إذن، هم إخواننا أوّلًا قبل أن يكونوا خَوَلنا (أيْ من يُصلحون شؤوننا ويتخوّلون رعاية أمورنا) وعلينا بالتالي أنّ نحبّ لهم ما نحبّ لأنفسنا حتى نستكمل الإيمان، وهم بعد ذلك تحت أيدينا فنحن رُعاة لهم وواجبنا نحوهم هو مساواتهم بنا في المأكل (الذي يناسب كلينا) والملبس (فليس ثمّة لباس يُميّزهم عنّا كما هو حاصلٌ مع الخادمات الآن) ونحنُ ممنوعون من تكليفهم بما لا يطيقون من الأعمال سواء بالكمّ أو الكيف، وإن حصل من ذلك شيءٌ فواجبنا إعانتهم في كافّة تلك الأعمال. فليس ثمّة عُذرٌ يمكن قبوله لتبرير المعاملة غير الآدميّة التي نشهدها بين ظهرانينا، وإلّا كُنّا لهم ظالمين.

وحيث كانت آخرُ وصية له عليه الصلاة والسلام هي {الصَّلاةَ، الصَّلاةَ، وما مَلَكَتْ أيمانُكُم}، فما عساه يقول حين يرانا نعامل الأجراء معاملة نهانا أن نعامل بمثلها العبيد؟

*       *       *

آخر الكلام، قول خير الأنام، عليه الصلاة والسلام {مَنْ لا يَرحَمْ، لا يُرحَمْ}.


خطيئة الخدم

ماذا سَيَفعَلُ الأمرِيكِيُّ؟

تَظنُّ كثرةٌ كاثرةٌ من المسؤولين الكبار لدينا أنَّ جلب موظفين أمريكيِّين، أو غربيِّين “بيض” على العموم، هُو ما سَيَحُلُّ مشاكلنا. وهذا الظنّ يتجسّد في الحرص على تقديم الغربيِّ على غيره في المناصب القياديّة والتي تحتاج إلى خبرةٍ وحُسنِ إدارةٍ وأسلوبِ عملٍ مِهَنيٍّ، وهو ما يتِمُّ بِغَضِّ النّظر عن حقيقةِ مؤهلاتِه وخبرتِه مقارنة بغيره من الجنسيّات الأخرى، ناهيك عن أبناء الوطن.

ولأنّ {بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}، فإنّ من المُفيد البحث في مِصداقيّة هذه النَّظرة ومدى توافقها مع واقع الحال. ذلك أنّ أولئك المسؤولين يَرون في المدافعين عمّن يعتبرون أنفسَهم ذوي حقٍّ في تلك المناصب دونًا عن نظرائهم من الغربيين، إنّما ينطلقون من نظرةٍ عصبيَّةٍ في مسألةِ الانتماء لا مسألة الكفاءة. وحتى لا نكون ضمن قائمة الاتهام تلك، فإننا نعرض هذا المثال، للوصول إلى ذلك المآل.

*      *      *

ذات مرّةٍ دُعيتُ إلى عشاءِ عَملٍ مع صديقٍ أمريكيٍّ يَشغلُ مَنصِبًا في وزارة خارجيّة بلادهِ إلى مطعمٍ تابعٍ لفندقٍ عالميٍّ مشهورٍ، مُرصَّعٍ بالنُّجوم الخَمسِ على مَدخلِهِ.

وَرَغمَ أنّ المواصفات سابقة الذِّكرِ تُوحيْ بأنّها تجربةٌ “لتذوّق الجَنّة” فإنّ التجربة نفسها لم تكن تمامًا كذلك. فرغم أنّ نادلة الاستقبال في المطعم قادتنا إلى طاولة بعينها، فإنّنا انتظرنا بضعَ دقائق حتى جاءنا أحدُهم بقائمةِ الطعام، وانتظرنا بضع دقائق أخرى حتى جاءنا من يأخذُ مطلوبنا.

الانتظار لم يكن وحده السِّمة المُميزة للتجربة، فعندما جاءتنا الأطباق الرئيسية، لم يُكلّف أحدٌ من النَّدَلة نفسَه بتنظيفِ الطاولة من فُتات الخبزِ المُتناثر جَرّاء تناول المقبّلات، فَضلًا عن أنّ أحدًا منهم لم يَعرِضْ علينا تغييرَ طاقم الفِضّيات باعتبارِهِ جُزءًا من تقاليد المطاعم العريقة.

ورغم تناوب نحو خمسةٍ من نَدَلَةِ المطعم، بِرُتبٍ وأجناسٍ وجنسياتٍ مختلفة على خدمتنا، فإنَّنا اضطُرِرنا للتّصويتِ عليهم مَرّات عِدَّة بما بدا أقربَ إلى الصُّراخ رَغمَ قُربِهِمْ مِنّا، وذلك حتى نُعطيهم حسابَهُم!

ورغمَ كُلِّ ذلك، وَطِبقًا للعُرف الأمريكيِّ، فإنّ مُضَيِّفي تَرك مَبلغًا مُعتبَرًا من المال لفاتورةٍ باهظةِ الثَّمَن أصلًا، خاصَّة إذا قُورِنَتْ بِكَمِّيَّة الطعام المُقَدَّم!

*      *      *

الآن، كيف تعنينا هذه القصَّة في التّحقّقِ من مِصداقيَّة ظنّ مسؤولينا الكرام بخصوص القدرات التي يحسبونها استثنائيّة لدى الأمريكيِّ عن نظيره العربيِّ؟

نحتاج للإشارة في هذا السِّياق إلى أنَّ نظامَ الخدمة في مطاعم الولايات المتحدة يختلفُ عَمّا لدينا هنا.

فالعُرفُ السَّائدُ يَقضيْ بأنَّ النّادل هُو الوجهُ الذي يَعتني بضيوف المطعم وراحتهم، فيما يعتني الطباخون بطعامهم، ممّا يعني أنّ نظام العمل يُفرِّق بداية بين جُودةِ المُنتج (المأكل والمشرب) وجودةِ الخدمة (أسلوب التقديم).

ولذلك فإنّ إدارات المطاعم هناك تدفعُ مبالغَ معتبرة للطَّبَّاخين (كبير الطباخين – المعروف بـ”الشيف” – على وجه الخصوص) لضمان جودة الطعام المُقدّم للزبائن. ولذلك فإنّ لديك الحقّ – أيُّها الزّبون – في إرجاع طبقك إذا لم تجده موافقًا لتوقعاتك، إذ إنّ إدارة المطعم مسؤولة عن جودة أداء طبَّاخيها.

أمَّا النّدلة، فإنَّهم في الغالب يحصلون نظير عملهم من إدارة المطعم على دولارات لا تزيد أحيانًا عن ستة أو سبعة دولارات للساعة الواحدة. ورغم هذا فإنّ كثيرين منهم يَجنُون مبالغَ معتبرة في كلّ يوم عمل، لدرجة أنّ بعضهم يمكن أن يحصل على بضع مئات من الدولارات في الورديّة الواحدة.

نظام العمل والرواتب هذا تصاحبه سياسة (نادل لكلّ طاولة) ومن خلاله يتمّ تخصيص طاولاتٍ بعينها لكلِّ نادلٍ ليُلبِّي احتياجات جُلّاسِها، وهذا التخصيص يشمل حصول النادل على كامل الإكراميّة المَتروكة مع فاتورة الحساب. وفي حين يَضمَنُ الطّبّاخُ لقمةَ عَيشِهِ بإتقانِ فَنِّهِ في الطبخ، فإنّ النّادل يسعى جُهدَهُ لِنَيْلِ رِضا الزّبون بحيث يدفعُ له هذا الأخيرُ استحقاقَ رعايتِه له أثناء تجربة تناول وجبته.

ولهذا فإنّك في مطاعم أمريكا تجدُ أنَّ النّادل بعدما يقودُك إلى طاولتك يُعرّفُكَ باسمِه أوَّلًا حتى لا تعتازَ للطَّلَب من غيرِه، وأنت على الأرجح ستراه حاضرًا كُلّما احتجْتَه، وأحيانا حتى عندما لا تحتاجه، فهو يُدرِكُ جيدًا أنّ راحتك على الطّاولة تعني مَزيدًا منَ الكَرَم منْ لَدُنكَ لِأجْلِهِ.

هذه الثقافة معدومةٌ تمامًا لدينا حتى في مطاعم النجوم الخمس، إذ إنّ العاملين في المطعم يجمعون إكراميّات الزبائن ويتقاسَمونها بينهم مع نهاية وَردِيَّاتِهم.

والفرقُ بينَ هذا النظام والنّظام الأمريكيّ أنّ نظامَهم يكافئُ العاملَ تبَعًا لجُهدِه وإتقانِه، أمّا عندنا فإنّه يعنيْ مُساواة المُحسنِ بالمُسِيء، وما يترتَّبُ على هذه السّياسة فعليًّا هو أنْ يُعاقِبَ المُحسنُ بإعطائِه أقلَّ مِن حقِّهِ، ويُكافِئ المُسِيءِ بِنَيْلِه ما لا يَستَحِقّ. ويَتِمُّ بذلك تكريسِ قِيَمِ اللامبالاةِ وانعدامِ الدَّافعيَّة، بِمَا أنّ الجميعَ يقفون على قَدَمِ المُساواةِ عند كَرَمِ الزُّبون، سواءٌ فيهِم باذلُ الجُهدِ والمُخلِدُ إلى الأرض.

إذن، الأمرُ قائمٌ على نظامٍ مَبْنِيٍّ على رُؤيةٍ واضِحَةٍ ومُتكاملةٍ للأمورِ في بلادِهِم، وليسَ مُتعَلِّقًا بِزُرقَةِ عُيُونٍ أو شَقارِ شَعرٍ أو بَياضِ بَشرةٍ.

وَليسَ أدلَّ على ذلك من أنّك ترى الغربيّين يعجزون عن إنجاز مثل ما يُمكنهم فعلُه في بلادِهم عندما يَعملونَ بينَ ظُهرانينا، فأنظمةُ العملِ المُتعارف عليها هنا تلتزمُ بالرُّوتين أكثر من التزامها بالإنجاز. وعليه، فإنّ الأشخاص، أيًّا كانت جنسياتهم، سيبقون حَبيسِي تلك الأنظمةِ واللوائحِ مَهمَا بَذَلوا من جُهد.

وَمِن غيرِ أنْ تَتَّضِحَ رُؤى مؤسساتِنا وغاياتِها، ويَتِمُّ تغييرِ أنظمة عملها، وتَتطوَّر أساليب تفكيرِها الإداريِّ، فإنَّ العَجزَ سيكونُ مصيرًا محتومًا لِمَن يعمل على الوصول، مَهما كانَ جِنسُه أو جِنسِيَّته.

*      *      *

لَعَلّ الشاعر الراحل محمود غنيم عبّرَ عن شيءٍ من ذلك المعنى حين قال:

مَا حِيلة العُصفورِ، قَصُّوا رِيشَهُ      وَرَمَوْهُ فيْ قفَصٍ، وَقالوا: غَرِّدِ!

وإذا كان هذا حالُ العصفور، فما عساه يفعل الأمريكيُّ؟

قصّةُ إسلامي

عندما وَعيت على الدنيا مسلماً، لم يَدُر بخَلَدي أنّي سأسلم مرة أخرى.

ودعوني أخبركم كيف حصل ذلك، والأهمّ منه: لماذا!

في صيف عام 1994 قُدّر لي أن أزور المملكة المتحدة للمرة الأولى، وكانت تلك رحلتي الأولى لبلدٍ غربيٍّ في حياتي. كنت أثناءها أدرس اللغة الإنجليزية في جامعة قطر، وسافرت بتمويل من المجلس الثقافي البريطاني للالتحاق بدورة لتعلّم اللغة الإنجليزية والتعرف كذلك على الثقافة البريطانية.

عندما وصلت إلى مدينة إكستر عاصمة مقاطعة ديفون (Exeter, Devon) كنت أشتعل حماسةً لعرض الإسلام على كل من ألاقيه من الطلبة والمدرسين والعامة! كان الخطاب الإسلامي حينها، ولعله ما يزال، ينشر صورة ذهنيّة غير دقيقة عن الخواء الروحيِّ في الغرب، وهو الذي يجعل الناس يقبلون على الإسلام بشكل مذهل بمجرّد أن يُعرض عليهم، بمعنى أن أحدهم ما أن يسمع عن سماحة ديننا وعظمته حتى سينطق بالشهادتين مُتجاهلًا مِتع الحياة الدنيا التي يعيشها من لحظته. وبناء على تلك الصورة الزائفة، فقد ارتسم في مخيلتي أنني سأجد الناس هائمين على وجوههم بحثاً عمن يرشدهم إلى الصراط المستقيم، وأنّني لن أكون بحاجة سوى أن أقولَ لأحدِهم (أسلِمْ، تسلم)، حتّى أراه يعتنقني مُهلّلًا ومُكبّرًا! خاصة وأنا أستحضر مقدار الأجر الذي سينالني كما ورد في حديث المصطفى ﷺ {لئِنْ يَهْديْ بكَ اللهُ رَجُلاً واحداً خيرٌ لكَ مِمّا طلعَتْ عَليهِ الشَمس}.

طبعاً، لم يكن الواقع تماماً كما تخيلته، أو بالأحرى تمنّيته، لكن ذلك لم يعقني عن تصيّد أي مناسبة مباشرة أو غير مباشرة للحديث عن الإسلام. حتى أصبح معروفاً لدى الجميع أنّني إذا جرى الحديث عن الثقافة فسيكون الإسلام محور حديثي، وإذا سُئلت عن حياتي فسيكون الإسلام هو جوابي، وإذا تحدث محاضرٌ عن معالِم الحياة في بريطانيا فإنني لا بُدّ أن أجد طريقة لِأُقحِم الإسلام في الموضوع.

ومن الطبيعي أنّ النتيجة هي أنّ أحداً لم يسلم على يدي! بل أحسبني شوّهتُ صورة الإسلام وربّما بغّضته في قلوب بعض من تحدثت إليهم. ذلك أنّني افتقرت إلى الكثير من متطلبات الحكمة والرفق في دعوتي.

بيد أن الحادثة الأبرز والأهمّ بالنسبة لي جرت مع اقتراب نهاية الدورة، حيث كان مجرى الحديث بين مجموعة من الزملاء حول اختلاف معتقداتهم، والنتيجة التي وصلوا إليها كانت أهمية أن يحترم المرء دين الآخر بِغَضِّ النظر عن مدى قناعتنا نحن به.

أوشَكْتُ أن أتدخّل لأقول إنّ من المهمّ أن يتأكد المرء من صحة اعتقاداته أولاً، حتى لا يكون تابعاً لما أمْلته عليه ظروفُ نشأته والبيئة التي عاش فيها، وكنت بالطبعِ أتأمل أن يفتح ذلك التعليق باب السؤال في نفوسهم حول صحة معتقداتهم، ومن ثمّ العودة لي حتّى أناولهم البلسم الشافي.

لكنّني – ويا للغرابة – لم أقلْ شيئاً البتة.

ما أوقفني عن السؤال كان خشيتي أن يسألني أحدُهم عن مدى تطبيقي لما أعظ به. أوَلستُ مُسلماً سُنياً لأنني وُلدت ونشأت في بيئة تدين بالإسلام، وكان ذلك مذهب أهلي ومجتمعي؟! فبأيِّ شيء أختلف عنهم إذن، فيما أنا واقع في نفس دائرة الاتّهام!

كانت تلك الحادثة نقطة مفصليّة فارقة في حياتي.

لم أحَدّث أحداً بعدها عن الإسلام، بل كنت أقرب إلى الانزواء بنفسي عن مخالطة الآخرين. كنت أعرف أنّني مؤمنٌ بالله تعالى ودينه ونبيّه وكتابه، ولكنّ مشاعر مختلفة بدأت تمور في داخلي حول حقيقة إيماني ذاك، وما إذا كنت قد آمنت بقلبي وحده دون أن يكون عقلي شريكاً في ذلك.

عندما عدت إلى قطر عزمت على البحث من جديدٍ عن الدّين الحقّ.

بدأت البحث أوّلًا في إيماني بالله سبحانه وتعالى، وكانت خلاصة بحثي استبعاد كلّ الديانات غير السماوية، لأنّ مفهوم (الإله) عندها قاصرٌ عن الكمال المُطلق الذي ينبغي للخالق سبحانه أن يتّصف به، وإلّا فلن يكون جديرًا بصفة الربوبيّة ولن أكون قادرًا على تقبّل العبوديّة له.

ثم تعمّقت في ديانتي أهل الكتاب، فوجدت اليهودية ديانة ماديّة أقرب إلى العُنصرية، ووجدت المسيحية مفرطة في العناية بالروح دون الجسد، ناهيك عن إشكاليّاتٍ رئيسة تمتنع على العقل في مسائل الاعتقاد الخاصة بالتثليثِ والخطيئةِ الأولى والمسيح المُخلص!

لكنّ ذلك لم يعن أنّ الرحلة انتهت، فرغم تزايد ثقتي بأنّ الإسلام هو الدين الحقّ، فإن البحث ظل مستمراً بخصوص مذهبي (سنيٌ أم شيعي) والمدرسة الفقهية التي أتّبع (حَنفيٌّ أم مَالكيٌّ أم شافِعيٌّ أم حَنبليٌّ) ومن بعد ذلك البحث في التوجهات الفكرية، وحتى الحزبية، المعاصرة التي يمكن أن تأخذني من صحراء التّيه إلى الحقيقة.

ووجدت أثناء ذلك كله الكثير مما يتنافى مع روح الدين الحنيف ومع العقل الذي أمرنا الربّ سبحانه في كتابه بالاهتداء به.

وجدت بعض ما أدخل على الإسلام وليس منه في شيء.

وجدت الآراءَ التي فُرضت علينا باعتبارها من صُلب الدين، ولكنّها لا تعدو كونها اختياراً فقهياً أو فكرياً لعالم جليل أو مُفكر مُبرز (وأحياناً لم تكن حتى تنتمي إلى أيّ من هذين!).

وجدت مساحاتٍ يجوز الاختلاف فيها، وأنها ليست قطعية النصّ والدلالة كما يزعُمها أتباع هذا المذهب أو ذاك.

بل وأكثر من ذلك، وجدت الكثيرين ممن يتحدثون عن الإسلام وباسمه، بينما يجهلون حقيقته وروحه، وأنهم يفكّرون ويتصرّفون مثلما فعلت أنا عندما ذهبت إلى الغرب للمرة الأولى في حياتي.

عرفت عندها سبب تأكيد القرآن على العقل، وإشاراته المتكررة إلى أولي الألباب. وصارت للكثير من الآيات معنى حقيقياً يلامس إدراكي، مثل نقد القرآن الكريم الكفار كلما قالوا {إنّا وَجَدنا آبَاءَنا عَلى أمّةٍ وإنا عَلى آثارِهِمْ مُقتدُونْ} لأننا صرنا نسير على هدي أبائنا دون تمحيص، فاعتبرناه من المُسلمات لا لشيءٍ سوى أنّه كان أول ما سمعناه في طفولتنا الغِرّة!

كانت رحلة متعبّة وشاقّة، بيد أنّها وإن بدأت ببذور الشكّ، فإنّها انتهت إلى ثمرة اليقين، والحمد، كلُّ الحمد، لله تقدّس في عُلاه.

بعدها بثلاث سنوات كُنتُ في زيارة أخرى إلى نفس البلد ونفس المدينة ونفس الجامعة. لم أكن واعيًا لذكرى تلك الواقعة الأولى حين وجدتني أسير في نفس المكان الذي دار فيه حوار احترام الأديان ذاك. وقفتُ مبتسماً وأنا أستذكر ما جرى من حديث لم يكن لي فيه نصيبٌ، وإن بتّ أحسب أنّني كنت الرابح الأكبر منه.

تنفست عندها بعُمقٍ وارتياحٍ بالغين، وقلت بصوتٍ مسموعٍ “أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهَدُ أنّ مُحَمّداً رَسُولُ الله“.

كانت أروعَ شهادة قلتُها في حياتي، لأنّني غدوت بها مسلماً باختياري، لا بالولادة فحسب!

اعتذارٌ لِلجيلِ المُقبِلِ

اعتذارٌ قديم، لا يزالُ واجبَ التّقديم…

 

اعتذارٌ لِلجيلِ المُقبِلِ

 

أعلم أنني لا أمتلك حقَّ الحديث نيابة عن أحد بعَيْنِه، ناهيك عن جيل بأكمله، ولكنني أرى أنّ الجيل المقبل يستحقُّ اعتذاراً خالصاً مِنّا، خاصَّة مع انصرام عام ميلادي ودخول آخر. ذلك أنَّنا لم نسمع مِمّن قبلنا اعتذاراً عما اقترفته أيديهم بحقِّنا، سواء من الناحية الماديَّة أو الفكريِّة. وعليه، فإنّ أقلّ ما يمكن أن نقدِّمه للجيل المقبل، بينما نُحمِّله مسؤولية المواصلة، هو التماس الصّفح عن سوءاتنا وأخطائنا في حقِّه.

*       *       *

يا أبناء الغد..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..

قد لا تجدون في شخصي المتواضع سبباً يدعوكم لقبول هذا الاعتذار الذي نصَّبت نفسي نائباً عن جيلي في إبلاغكم إياه. وهذا يقيناً حقُّكم. لكنّ ما يدفعني إليه هو ثقتي أنّكم لن تتمكّنوا من قراءة حاضركم والعمل لمستقبلكم (أفراداً وأمة) إلّا إذا اسْتَقَيتُم دروس ماضيكم، واتَّعظتم من عِبَرِ تاريخكم.

ذلك الماضي، وذلك التاريخ الذي ستواجهونه يوماً ما، إنَّما هو حاضرنا الآن. هذا الحاضر الذي نعيشه نحن هنا والآن، دون أنْ نبصر حقّ من يأتي بعدنا في الحياة الكريمة.

إنّ اليأس يا أحبتي هو السِّمة الأبرز لعصرنا. اليأس من أن يطرأ علينا أيُّ تغيير من أيِّ نوع. لقد بلغ بنا اليأس مبلغاً حتى أصبحنا لا نرى بالإمكان أبدع مما كان، وباتت خلاصة أمثلتنا تقول (أمسك مجنونك، حتى لا يأتيك من هو أجنّ منه)، وذلك ثقة مِنّا في أنّ ما سيأتي لا بد أن يكون أسوأ مما هو كائن. وأيّ خير يُرجى من قوم يرتعون في المهانة بين الشعوب، ويدوس على كرامتهم كلُّ سافل، وقد انتزع منهم شعورهم بالمواطنة، بل بالإنسانية أحيانا، بينما يدعون قائلين: “الله لا يغير علينا”!

فإنْ كان ثمّة مرض أنتم بحاجة إلى علاجه فهو هذا الوهن الذي أصاب أرواحنا، والعجز الذي قيد إرادتنا، والقنوط الذي استلَب الأمل من أنفسنا.

ولكن الأمر في حاضرنا ليس قاصراً على اليأس وحده يا أحبتنا، فالعقل العربي/ المسلم أمسى واحداً من عوائق يقظتنا. فلقد تراكم على هذا العقل مئاتٌ من سنوات التخلف الذي ورثناه عن أسلافٍ لنا، وأبَيْنا أنْ ننسلخ عمَّا لحق به من دَنَسٍ في المنطق والتفكير السليم.

ولست أقول إنّ كلّ ما ورثناه ممّن سبقونا بالإيمان كان شراً، ولكننا أخطأنا – كما أخطأ بعض من كانوا قبلنا – بأن أسبغنا على كل ما ورثناه صفة القدسيّة، وأخذنا به ظناً بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

لقد عجزنا – كما عجز بعض أسلافنا – عن التفريق بين التقدير لأشخاص علمائنا وأدبائنا ومفكرينا، وبين التقديس الذي أضفيناه عليهم وعلى آرائهم وأقوالهم وأفعالهم التي كانت وليدة زمانها وبيئتها. فاختلَّ لدينا عالم أفكارنا، واختلطت رؤانا، وعجزنا عن إبصار طريق تقودنا إلى مبتغانا.

لذلك أقول لكم، لا تقعوا في نفس الحفرتين اللتين انقسم أبناء جيلنا فيهما؛ فوقع بعضهم في حفرة التقديس المفرط لتراثنا، برغم ما فيه من سوءات وأخطاء، فيما وقع آخرون في حفرة الجحود المطلق له، برغم ما يعمُر به من الحقِّ والنُّور. ولقد صدق من قال: إن الحقَّ فضيلةٌ بين رذيلتين. فلا تجنحوا إلى التطرف، لا في الدين ولا في الدنيا، فإنه لا يأت بخير.

وجدير بكم أثناء عملكم على تغيير واقعنا المرير أنْ تتذكروا أنَّكم بشر، والبشر بحاجة إلى تنظيم علاقاتهم فيما بينهم، سواء كانت بين ذوي القربى، أو الجيران، أو مع أتباع المذاهب والأديان الأخرى، أو بين الرئيس والمرؤوس، أو المواطن والدولة، أو الأمة وغيرها من الأمم. ذلك أنّ اختلال هذه العلاقات، خاصة مع من يخالفكم الرأي أو المنهج، هو ما يؤدِّي إلى الفرقة والاختلاف. وقد قال أحد أدبائنا مفسراً سبب حاجة الأمة لعلاقات تساعدها على الوحدة قائلًا:

تأبَى الرماحُ إذا اجتمعنَ تكسّراً       وإذا افترقنَ، تكسّرَتْ آحادا!

إنّ النهضة التي نرجوها لأمتنا يا جيل الغد الواعد، تبدأ من دواخلنا؛ عندما نغير طرائق تفكيرنا، ونُحسن فهم ديننا، ونُدرك حقيقة ثوابتنا، ونَعِيْ واقع حياتنا، ونُؤسِّس لعلاقات قائمة على المبادئ فيما بيننا أفراداً وجماعات ومؤسسات ودول. ودون ذلك، لن تقوم لأمتنا قائمة. وإنّ الغد لن يكون مشرقاً إلا إذا عزمتم أنتم أنْ تستخرجوا له شمس نهضتكم.

*       *       *

يا أبناء الجيل المقبل..

لا ترضوا بنا عائقاً للتغيير الذي تريدون، أو عثرة أمام النهضة التي تبنون. واجعلوا من يأسناً سبباً لأملكم، ومن ضعفنا دافعاً لقوتكم، ومن فرقتنا حاجة لوحدتكم، ومن تخاذلنا عِبرة لعزيمتكم، ومن شَكِّنا يقيناً لإيمانكم.

لقد كنا دائماً نرمي بالمسؤولية على عواتق غيرنا. لم نكن يوماً مسؤولين بما فيه الكفاية لتحمُّل نتيجة أخطائنا، إلا من رحم ربِّي. ولم ندرك أنَّ التجربة الإنسانية محكومة بالخطأ في رحلتها للوصول إلى الصواب، وممسوسة بالخطيئة في صراطها نحو الفضيلة، ومشمولة بالظلمة في دربها نحو النور.

أيُّها الجيل المقبل..

لقد هَدَّنا التعب من خطايا أجسادنا ودَنَس أنفسنا وثقل أرواحنا، وها نحن نعطيكم صَكَّاً يُبرِّئكم من خطايانا وآثامنا في حقكم، فلتغفروا لنا خطيئتنا، وتجاوزونا للوصول إلى مبتغاكم. فلقد صدق فينا قول من وصفنا من أبنائنا الغيورين علينا:

نحن شعوبٌ

يأنفُ منها العارُ

ويخجلُ منها العيبُ.

حُقَّ علينا السيفُ

وحُقَّ الضّربُ.

لا ذنبَ لنا..

لا ذنبَ لنا..

نحن الذنبُ!

مَا لَمْ نَفْقِدهُ بِرَحِيلِ الـمِسِيرِيِّ

تقديم

في تمّوز – يوليو 2008 التحق إلى جوار ربّه المفكرّ الكبير الأستاذ الدكتور عبدالوهاب المسيري، رحمه الله تعالى. كان العالم الذي عرفَهُ غير العالم الذي يعمل على تكوينه، وبدأت بذوره في شقِّ طريقها من تربة التغيير شيئًا فشيئًا، فغادرنا وهو يؤمن بأنّ غراسه لا بدّ أن تؤتي أكلها يومًا ما، إذا ما اعتنى بها أهل الحقّ وقاوموا بها أهلَ الباطل. ذلك أنّ إيمانه بالبطولة كان إيمانًا نابعًا من إيمانه بالمعتقد الذي يتشرّبه الأبطال، وهو معتقد منسربٌ من النبع الربّانيِّ الأصيل.

الآن وبعد أكثر من عشرة أعوام على رحيله، تبدو الحاجة لاستعادة ذلك الفكر الذي أورثنا إيّاه أكثر ما تكون، لحاجتنا المسيسة إلى التغيير الذي كان يدعو إليه ويُناصره ويقاوم الطغيان لأجلِه. وهذا فقط ما سيجعل فقدان المسيريِّ مجرّد انفصال عن جسد لا أكثر، لأنّ أفكار العظماء تبقى دائمًا في نفوس من يعيشون على هداها من أتباعهم مهما طال بهم العهد بالاستبداد الذي عاشوا لمقاومته وتغييره.


مَا لَمْ نَفْقِدهُ بِرَحِيلِ الـمِسِيرِيِّ

 

DrElMesiri

 

ابتسم صديقي المثقف ابتسامة ساخرة حين رآني أقرأ كتاب (الصهيونية والحضارة الغربية الحديثة). سألني دون أن يخفي سخريته تلك “أما زلتم تقرأون هذه الكتب؟!”

مِسكينٌ صديقي… لم يعرف أنَّني أقرأ كتاباً لعبدالوهاب المسيري!

نعم… الفرقُ كُلُّه يكمن في أن تقرأ له – رحمة الله – لا لغيره، وفي هذا الموضوع تحديداً. ذلك أن أحداً من العرب لم يفهم الصهيونية ويضعها على طبق من فضة لنظرائه من المُفكرين ومن حوله من القراء مثل عبدالوهاب المسيري.

يظنُّ البعض أن ما يجعل المفكر الراحل رحمه الله متميزاً في معرفته بـ(اليهود واليهوديّة والصهيونيّة) أنه أنفق من عمره قرابة خمسة وعشرين عاماً لإنجاز ذلك العمل الموسوعيِّ.

ورغم أنّ هذا الكلام لا يخلو من صِحّة، فإنّه في الوقت ذاته لا يخلو من مغالطة. فالوقت وحده ليس العنصر الأهم فيما أسفرت عنه بحوث المسيري، وإنْ كان لعب دوراً أساسياً في رحلة تكوينه الفكرية بتصويب مُنطلقاته وتحديد اتّجاهه.

ما يُميّز عبدالوهاب المسيري أنّه كان إنساناً حريصاً على الفهم. وهاتان الميزتان (الإنسانيّة والحرص على الفهم) هما ما جعلاه يرتقي أعلى مراتب الفكر، ليس في العالم العربي وحده، بل في الأرض قاطبة.

إنسانيّة عبدالوهاب المسيري تتجلّى لك منذ أوّل لحظة تتعرّف فيها عليه، ومحبّته تتسلّل إلى قلبك بهدوء أقرب إلى الصّمت ولكنّها تنفذ إليه بسرعة الضّوء. يُشعرك عندما يُنصت إليك أنّك أنت المفكر وأنّه ليس سوى أحد تلامذتك. تنسى أنّك أمام عَلَمٍ من أعلامِ الأمّة أثناء حديثك معه، خاصة عندما يروي لك إحدى نِكاتِه العامرة بالعُمقِ والسُّخرية اللاذعة مَعاً، حتى لتنسى أنّ قائلها أحد المفكّرين المبرزين.

تذكُر زوجتي كيف أنّه ترك مِنصة المحاضرة التي كان يوشك أنْ يُلقيها في الدّوحة ليقدم إلينا حتى يُسَلِّمَ عليها. استعجالُه نحونا يوحي لمن يراه بأنّه ربّما يدينُ لنا بحياته، ومعرفتُه بأنّها ليست زوجتي فحسب، بل كريمة أحِد تلامذته العِظام (الفقيد ماهر عبدالله، رحمه الله) جعلته يتناسى آلام ظهرِه وجميعَ الحاضرين المحيطين به. وما زاده تقديرًا أنّه قدَّم نفسَه لها بقوله “أنا عبدالوهاب المسيري”، هكذا.. دون مُقدّماتٍ جوفاء وتعريفاتٍ خلّابة، خلافا للذين يصعُب عليهم أن يُعرّفوا أنفسَهَم إلّا بـ”الدكتور”!

أمّا حِرصُه على الفهم فيتجلّى في كُلِّ شأنِه.

ومن المهم التفريق بين الحرص على الفهم وبين محاولة الفهم، ذلك أنّنا في العموم نحاول الفهم، فإذا توفرت لدينا أبسط مُعطياته فإنَّنا نَركَنُ إليها باعتبارها حقيقة مُطلقة. وليس هذا شأن مُفكِّرٍ عظيمٍ كالفقيد.

حِرص المسيري على الفهم أكثر ما يَتبَدّى في إنشائه (النماذجَ التَّحليليَّة المُركَّبة) كما يَصِفُها هو في أدبيّاته. ذلك أنَّه حين تعجز التّعريفات والنّماذج التي استحدثها الآخرون في تفسير معنى الموضوع الذي يبحثه المسيري، فإنّه يتصدّى له باستحداث نموذجه الخاصِّ بحيث يكون شاملاً لكُلِّ أبعاد الموضوع ومُفسِّراً لكافَّةِ تفاصيلِه في الوقت نفسِه. لأنّ قُصور التّعريفات الأخرى لا يعني التّشكيك في صِحَّة التفسير فحسب، بل الطّعن في فَهمِنا للحقيقةِ ذاتِها.

لذلك فإنَّك تجد الكثير من النَّماذج التي طَوَّرها المسيري في مؤلفاته، والتي تَتَّصِفُ بـ”قُدرتِها التَّفسيريَّة العالية” على حدِّ قولِه، بخلاف التعريفات والتفاسير التي يُعلِّقُ عليها أحياناً بأنَّها “لا تُفسِّرُ شيئاً”!

فإذا أردت مثلاً فَهمَ الحَركَةِ النِّسويَّة المُتطرِّفةِ (Feminism) فما عليك سوى الرجوع إلى نموذج (التَّمَركُز حَولَ الأنْثى)، وإذا أردت فهْمَ العَلمانِيَّة (الجُزئِيَّة أو الشَّاملة) على حقيقتها، فعليك بكتابِه المّعْنِيِّ بهذا الخصوص وبذلك العنوان. أما إذا أردت فهم أيِّ تفصيلة عن أيٍّ من (اليهود واليهوديّة والصهيونيّة) فإنك ستجد بُغيَتك في أغلب كُتبه، ناهيك عن الموسوعة الخاصة بها. وستتكشّفُ لك أشياء ما كنت لتدركها باستخدام مفردات الخطاب العربي/ المسلم المعاصر أو تحليلاته، لأنّها فعلاً “لا تُفسِّرُ شيئاً”!

هذا الحرص الشديد على الفهم هو ما دفعه إلى التّحولات الفكريَّة العظيمة التي مَرّ بها على مدى سبعين عاماً. فانتقاله من فكر الإخوان المسلمين مُبِّكّراً إلى الماركسيَّة كان مدفوعاً برغبته الجامحة في استيعاب الأشياء ومن ثَمَّ الإيمان بها بعقله أوَّلاً، لا بقلبه فحسب. ولأنّ الحقيقة وحدها كانت غايته فقد أبقى باب البحث مفتوحاً على مصراعيه، ولم يلبث طويلاً حتى اهتدى إلى ساحة الإسلام الرّحبة ليعثر على ضالَّتِه. ولقد كان يؤثر عنه قولُه مازحًا لرفاقه اليساريين قُبيل تحَوُّله عنهم بأنَّه “مَاركسِيٌّ على سُنةِ اللهِ ورسولِه”!

لعلّ هذا تحديداً هو أكثر ما سنفتقده برحيله. فما أكثر المفكرين (وعَديدُهم تُطلَقُ عليه تسمية “المفكّر” جُزافاً) الذين حكروا عقولهم على إعجابهم بالفكرة لا على رغبتهم في الوصول إلى الحقيقة.

أما المُفَكّر الحق، عبدالوهاب المسيري، فقد جَنّد فكرَه ليدافع عن قضية الإنسان الذي آمنَ بتفرُّدِه في الكون وتركيبته اللامحدودة وانفصاله عن عالم الطبيعة/ المّادة، لا كما يراه دعاة الفكر المَادي العَلمانيِّ. ولهذا فإنك تجد أنشطته العامة، فضلاً عن إنتاجه الفكري، تُلامِسُ إنسانية الإنسان في كلِّ موقعٍ شَغَلَهُ في ميادين الثقافة والسياسة والمجتمع بكافَّةِ شرائحه.

نعم.. لقد فقدنا عبدالوهاب المسيري الإنسان.

ولكنّه حرص قبل رحيله أنْ يترك ما ينير لنا شيئاً من عتمة الطريق. ولا عجب أنَّ مقدمة موسوعته الأبرز ضمّت هذه الكلمات: “هل تموتُ الفروسية بموتِ الفارس؟ هل تموتُ البطولة باستشهادِ البطل؟ وهل يختفي الصمودُ إن رحلَ بعضُ الصامدين؟”. فكأنه يوصينا بألا نطيل عليه البُكاءَ عندما يَترجّلُ عن صَهوَةِ فِكرِه.

*       *       *

قبل سَنواتٍ، بعثتُ له أبياتاً أهَنِئه فيها بالعيد برسالة نصّيّة عبر هاتفه المحمول. فما كان منه إلا أن قرأها على زُوّاره، قائلاً “إنَّها من صَديقٍ عَزيزٍ يُؤمِّـلُ منه الكثير”. فكانت كلماته هذه وساماً أعَلِّقُه على صدر روحي ما بقيت.

قلت له في ختام أبياتي تلك:

سَألتُ رَبِّي المَجِيدا

إذا شَـهِـدتَ العِـيـدا

وقـد لَبِـسْتَ الجَديدا

بأنْ تَعـيـشَ سَعـيـداً

وأنْ تَـمُوتَ شَهِـيـداً

وخَـالِـدَ المَحْـمُـودا!

أسألُ الله تبارك وتعالى أنْ يكون ذلك هو الحال معه ومعي. اللهم آجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها.

آمين.

أَفْضَلُ مِنْ حَجِّنا

يحسُنُ بنا ونحن نعيش هذا الحصار المفيد التَّأكُّد من عدمِ تَحوُّلِنا إلى شعبٍ من الشَّكَّائينَ البَكّائينَ كلّما عَنَّت لنا مشكلة بسيطة، وذلك بتضخيمها والتسابق في تعظيم ردود الفعل عليها.

وحتّى يتمّ لنا هذا، فإنّنا بحاجة لتدريب عضلة هزيلة في أذهاننا ما فتئت تضعف على مرّ الأيّام، ألا وهي استبصارُ المِنحَةِ في المِحْنَة.

*       *       *

دعُونا أوّلاً نُحرّرُ المصطلحات الواردة أعلاه حتى لا تشغبَ على موضوعِنا الرئيس، وهو حجُّ هذا العام غيرُ المُمكن حتى اللحظة.

فبداية، ينبغي لنا التّعرُّف على مقدار فائدة هذا الحصار في مظاهر عديدة ما كُنّا لنُدرِكها لولاه. فنحن أقرب الآن إلى الأمن الغذائيّ مِمّا كُنّا عليه، ونحن أكثر سيادة في قرارنا الوطنيّ، وسُمعتنا الأخلاقيّة في معاملة دول الحصار وشعوبها المُضطهدة أضحت معلومة للجميع، واللُحمة التي يعيشها الشعب القطريّ مع قيادته غير مسبوقة البتّة، والحرص على انتمائنا لمبادئ الإسلام والبقيّة الباقية من مروءة العروبة في علاقاتنا مع المظلومين نجحت بامتيازٍ في الاختبار.

ورغم ما أسلفناه توّاً فينبغي الاعتراف كذلك بأنّنا لا نزال نعاني من ثقافة الشكوى والتباكي في عموم ثقافتنا المجتمعيّة. نظرة عابرة لما تحويه عموم تغريدات منتسبي “تويتر” تعطيك صورة واضحة لتلك الثقافة التي تجذّرت في النفوس، ووجدت الآن متنفساً “مشروعاً” لها حتّى تنطلق بغير ملام. فهناك ميلٌ شديد لتحميل دول الحصار مسؤوليّة كلّ ما كان وما هو كائنٌ، وربّما ما سيكون من مشاكل ومُعضلات في عالمنا العربيِّ من أقصاه إلى أقصاه، ناهيك عن الأمّة المسلمِة.

فمع اعترافي بحقيقة كونهم بذرة شَرٍّ كبيرة الخطر وعظيمة الأثر، إلّا أنّ مثل تلك البذرة ما كان لها أن تنمو لولا أنّها وجدت مرتعاً خصباً يسمح لها بالتمدّد. ولولا وجود تلك التُّربة المناسبة لما كان لتلك البذرة أن تخرج إلى النّور وتتطاول على ما حولها من جِنانِ الخيرات. حَسبُك من ذلك مقارنةُ نجاحِ انقلابِ عَسْكَرِ مصر في مقابلِ فشلِ انقلابِ عَسْكَرِ التُّركِ، فكُلُّ إناءٍ بما فيه ينضَح وكُلّ شعبٍ مع واليه يَسْرَح.

وبناء على هذا فإنّ المشاكل التي تعترضنا في خِضمّ هذا الحِصار (الذي أؤكّد لكم أنّه مفيدٌ أكثر من كونِهِ جائر) هي في العموم مشاكل بسيطة، ومنها ما سنأتي عليه بعد هُنيهةِ من مشكلة الحجِّ والعمرة.

أما العضلة الهزيلة فهي ليست عَضَلةً بَدنيّة تكبر بزيادة البروتين أو المنشطات في صالات بناء الأجسام، إنّما عضلةٌ ذِهنيّةٌ نَفسِيَّةٌ تنمو بتغيير المعتقدات الحاكمة في عقولنا وتقوى بتغيير منظورنا للحياة مِن حولِنا. وتلك العضلة وحدها يمكنها إحداث تحوّلٍ عميقٍ في إدارتنا لا للوضعِ الرّاهنِ فحسب، بل لحياتنا بأسرها إلى أن تأزَفَ ساعة النّهاية.

*       *       *

التوضيح السّابق ضروريٌّ حتى نُدرك فائدة المنع من إتيان بيت الله الحرام.

فالباكون على منعهم من العمرة والحجِّ، خاصّة أولئك الذين أدّوا الفريضة من قبل، يتعامَون عن حقيقة أنّهم أمام فرصة ذهبيّة لتحصيل أجرهما بأفضل طريقة ممكنة، ألا وهي النّيّة.

فالمعروف في الشرع الحنيف أنّ النيّة هي أصل العَمل ومربط الثواب لأنّها عمل القلب الذي يتوجّه إلى المولى سبحانه وتعالى، ومن دونها لا يكون للعمل أدنى مثوبة، بل إنّه يعود على العبد بالخسران في الدّنيا والآخرة. وصدق الشاعر الذي قال:

إذا حَجَجتَ بمالٍ أصلُهُ دَنَسٌ

فَمَا حَجَجتَ، ولَكنْ حَجَّت العِيرُ!

وحيث حال الطغاةُ دون البيت الحرام، فإنّهم لا يحولون دون ربِّ البيت الذي يُؤجر بالنّيّةِ أضعاف ما يُؤجر بالعمل متى عَلِمَ صِدقَ نيَّة عبيده. وقد ربط الرحمن سبحانه أداء الحجّ بالاستطاعة إليه سبيلاً، وهو يعلم أنّ من النّاس من سيُمنع عن بيته الحرام لظروفٍ هو تعالى أعلم بها. ولكنّه في ذات الوقت ربط الأعمالَ بالنِّيّات، وعلّمنا رسوله ﷺ أنّ من ينوي عمل الحسنة ولا يفعلها فإنّ الله سبحانه وتعالى يكتبها عنده حسنة كاملة، بكرمه وفضله.

ونحن نعلم أنّ حجّ أحدنا لن يخلو من رَفَثٍ أو فُسُوقٍ أو جِدالٍ يفسِدُ نقاءَه وينتقصُ من أجره، فعلامَ نحرِمُ أنفسنا من أجرِ حجَّةٍ كاملةٍ بمجرّد تحقيق نيّةٍ صالحة؟!

أضف إلى ذلك أنّ ثمّة درجاتٍ في الجَنّةِ يبلغها العبادُ بما يُرضيهم الله تبارك وتعالى به من جَرّاء ما أُسِيء إليهم من عبيدٍ آخرين، ما يعني أنّ بإمكاننا إعلاء درجاتنا في الجنّة بتلك النيّة الصادقة، والإمساك بتلابيب خونة الحرمين الشريفين يوم القيامة حتّى يَقتصَّ تبارك وتعالى لنا منهم.

*       *       *

ولنا هُنا أنْ نستذكر: إلى أين ستذهب الأموال المنفقة في الحَجِّ والعُمرةِ، وهي بالملايين؟! أوليست ستؤول إلى جُيوبِ أولئك المنتفعين من الحرمين والذين يعيشون في غنى فاحشٍ بينما جيران بيت الله الحرام لا يجدون ما يقتاتون به في اليوم والليلة!

إذن، أليس خيرٌ لأولئك المُتباكين على منعهم من بيت الله أنْ يتصدّقوا على أنفسهم ببذل مال الله إلى من هم بأمَسِّ الحاجة له من عباد الله؟

أولسنا نُبصر كلّ ساعة ما يجري في بلاد الشّام وأرض اليمن وقِطاع غزّة ومُسلمي أراكان، وغيرهم الكثير؟ فما أشدّ غفلتنا إذ نحسبُ أنّ عُمرتنا في رمضان أو حجّنا البيت الحرام أولى قدراً وأعظم أجراً من صيانة دماءِ المسلمين وستر عَوراتِهم وكشف كرباتهم. إنّ في تلك المباذل خيراتٌ عِظامٌ لو صدقت النّيّة وحَسُنَ العمل {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}.

جاء في تاريخ الإمام المُحدِّثِ المجاهدِ عبدالله بن المُبارك أنّه “خَرجَ إلى الحَجِّ فاجتاز ببعضِ البلاد فماتَ طائرٌ معهم فأمرَ بإلقائِهِ على مَزبلةٍ هناك، وسار أصحابُهُ أمامَه وتخَلَّفَ هو وراءَهم، فلَمَّا مَرَّ بالمزبلة إذا جاريةٌ قد خَرَجَت من دارٍ قريبة فأخذتْ ذلك الطائر ثُمَّ لَفَّتهُ وأسرَعَتْ به إلى الدّار، فجاءَ فسألها عن أمرِها وأخذِها المَيْتَة، فقالت: أنا وأخي هنا ليسَ لنا شَيءٌ إلا هَذا الإِزار، وليسَ لنا قُوتٌ إلَّا ما يُلقى على هذه المَزبلة، وقد حَلَّتْ لَنا المَيْتَةُ منذ أيام، وكانَ أبونا لهُ مَالٌ فظُلِمَ وأُخِذَ مالُهُ وقُتِلَ.

“فأمَرَ ابنُ المُباركِ بِرَدِّ الأحْمَالِ وقالَ لوَكِيلِه: كمْ معكَ مِنَ النَّفقة؟ قال: ألفُ دِينار. فقال: عُدَّ منها عشرينَ ديناراً تكفينا [في مَسيرِ عَودتنا] إلى مَرْو وأعطِها الباقيْ [أيْ كُلَّ ما فِي القافلة من طعامٍ ومَتاعٍ وأموالٍ]، فهذا أفضَلُ مِنْ حَجِّنا هذا العام”.

هَلْ جَرَّبْنا الجُوعَ؟

تقديم

تساؤلٌ دائماً ما يحضُرني مع حلول الشَّهر الفضيل، وأحسَبُه لا يزال جديراً بالطّرح رغم مرور السنين!


هَلْ جَرَّبْنا الجُوعَ؟

 

في رمضان أتساءلُ كثيراً إنْ كان أحدٌ منا قد جرّب الجوع!

قد يبدو التساؤل ساذجاً، بل وغبيّاً للبعض.

لولا أنّ ما ألمسُه من تجربة الصِّيام – في الخليج على الأقل – يُضفي الكثير من الوجاهة على ذلك التساؤل.

نحن نصومُ فعلاً، ولكن هل جَرّبنا الجُوع؟

*       *       *

ما يدفعني لإعلان ذلك أنّني لاحظتُ شخصياً عليّ وعلى زوجتي أنّنا نتناول الطعام في رمضان أكثر منه في بقية العام.

طبعاً من يعرفني وزوجتي قد يسخرُ منّا، إذ إنّ وَزنَ كلينا معاً لم يبلغ مذ اقترنّا وإلى الآن المئة وعشرة كيلوغرامات؛ ونعوذ بالله من شر حاسدٍ إذا حسد!

ورغم ذلك، فإنّنا في الشَّهر الفضيل نتناول وجبتين يوميّاً، وهو أمرٌ لا يحدث إلّا لماماً باقي العام. إذ إنّ الطعام له أغراض محدّدة وواضحة، ومنها تجديد الطاقة وإبقائنا على قيد الحياة. ممّا يعني أننا في باقي أيام العام نتاوله تناولّاً وظيفيّاً، أيْ بغرض تحقيق هدف إسكات الجوع ومواصلة الحياة بصيغة طبيعيّة.

لكنّ الحال في رمضان يبدو مختلفاً. فالطعام الذي نتناوله في وجبة السّحور على الأقل، يدفعني إلى ظنّ السّوء في أنفسنا. فرغم أنّنا مقتنعون بأنّ {فِي السّحُورِ بَرِكَة} كما أخبرنا الصّادق المصدوق صلّى الله عليه وسلّم، إلا أنّني أزعم أنّنا نتناوله بدافع الخوف من الجوع في يوم الصِّيام الآتي، أكثر من غيره.

وإذا صحّ هذا الزعم، وما أسمعه عن وجبات سحور البعض يؤكّده لي قطعاً، فإنّ ذلك معناه أنّ البركة التي يفترض بنا أن نتوخّاها في السّحور أوشكت أن تكون لاغية. ومعها زوالها تزول حكمة الصّوم التي أعلمنا الله سبحانه وتعالى بها عندما فرضه علينا {لعَلـَّكُمْ تتـَّقـُون}. وغير خافٍ علينا سلوكيات كثرة كاثرة من المسلمين أثناء الصِّيام، والتي يعزُون فيها تعكّر مِزاجهم إلى الصِّيام. وهذه إحدى أعاجيب الصّوم المعاصر، إذ يفترض في الصِّيام أنْ يُزكّي النّفس لا أن يُفسد الأخلاق!

*       *       *

ممّا يحضُرني في هذا السياق فيلمٌ تسجيليٌ قصيرٌ شاهدته قبل بضعةِ أشهر (كان هذا في عام ألفين وتسعة 2009).

الفيلم، الذي تمّ تصويرُه في إحدى بلدان شرق آسيا، يصوّر لنا مشهد ذهاب بعض الزّبائن إلى أحد المطاعم الشعبية لتلك البلد. وهناك يتم إعداد وجبة طعام متوسّطة المستوى لتُقدّم لرُوّاد المطعم. نشاهِدُ في الفيلم بعد فراغ أولئك الزبائن من عشائهم أنّهم لم يلتهموا كل ما كان على أطباقهم، وإنما اقتصروا على تناول بعضه وترك البعض الآخر.

فَضَلات تلك الصحون تحوّلت إثر عودتِها إلى المطبخ إلى أكياس القمامة التي يُخزّنها المطعمُ على مقربةٍ من الباب الخلفيّ.

وهناك تبدأ رحلةٌ أخرى لتلك الفضلات، إذ يأتي شخصٌ من خارج المطعم ليُصنّفَ تلك الأطعمةِ الزّائدةِ بحسب نوعيّتها في شِوالات عِدّة جاء بها معه. فهو يضع أصنافَ اللحوم في أحد تلك الشِّوالات، وأنواعَ الرّزّ وخيوط النودلز الآسيويّة في شِوالٍ آخر، وأنواع الخضراوات والفواكه في شوال ثالث، وهكذا.

وبعدها يقوم بتحميل تلك الشِّوالات في السّلة الأمامية لدراجته الهوائية، ومن ثمّ يقودها صوبَ أطراف المدينة.

هناك، تنتظرُه عشرات الأسر الفقيرة، التي لا تجد قوتَ يومها إلا فيما يجلبه لها هذا الشّخص من فضلات الأطعمة.

وتبدأ حال وصوله عملية توزيع الطعام من الشِّوالات مباشرة إلى آنية كلِّ أسرة بحسب حاجتها وعدد أفرادها. وهو مشهدٌ تختلط فيه أنواع الأطعمة المتبقية بشكل يبعثُ على القيء. إلا أنّه بدا واضحاً أنّ تلك الأسر اعتادته حتّى أضحى أمراً طبيعياً جدّاً لديها.

المضحك المبكي فيما يجري في هذه المناطق النائية، أنك إذ ترى الأطفال وهم يتناولون ما تبقى من أفخاذ الدجاج أو صدورها المقلية، فإنّك تلحظ الفرحة عارمة على وجوهم، وكأنّهم إذ يلتهمون خيوط النودلز أو ما بقي من بعض الفواكه قد حازوا وجبة فاخرة في مطعم مَلكيّ.

وما يجري في البيوت ليس أقلّ غرابة. إذ تجد أفراد الأسرة الفقيرة وقد التفُّوا جالسين حول مائدة الطعام وهم يبدؤون بشُكر الرّبّ القدير على هذه النّعمة التي أنعم بها عليهم. واللهُ وحده العالِمُ كم من الوقت مضى على أيٍّ من تلك الأسر قبل أن يجدوا ما يسدّوا به جَوعَتَهُم.

*       *       *

أعود الآن إلى تساؤلي الأوّل: هل جرّب أحدٌ مِنّا أن يجوعَ حَقاً في رمضان؟

إنّ كثيرين من أبناء هذه الأمة لا يكادُ يعرفُ الجوعَ في شهر مُخصّصٍ للصّيام، ويعزو سوءَ خُلقه إلى أدائه الطّاعة، ويُضيّع وقته أمام عروض التّلفزة الفارغة في البيت، أو في الخيام الرمضانية اللاهية خارجه، وذلك مع التأكيد على تصفيد الشياطين في الشَّهر الفضيل. وهو رَغمَ كلّ ذلك يشتكي من طول اليوم وحرارة الجوّ، ويمتعِض أشدّ الامتعاض إذا لم يُبصر أحدٌ هلالَ شوال في التاسع والعشرين من رمضان!

إذن ما الذي يتحققّ لنا في شهر التّغيير الشّامل جرّاء الامتناع عن الأكل، ما دام هذا مُقتضى الحال. وإذا كان المولى سُبحانه رَبَط الصِّيام بأمرين أساسيّين {لَعَلَّكُمْ تَتَّـقُونَ} و{لَعَلَّـكُمْ تَشْكُرُونَ}، فأيّ حِكمة تلك التي يُحقّقها صيامُنا في هذا الزمان؟!

تقبّل اللهُ مِنّا ومِنكم… وإنّا للهِ وإنّا إليهِ راجِعون!


Incognizance: Discordance between Theory and Practise

هَلْ تُدْخِلُ البَدانَةُ النَّارَ؟

تقديم

مقالة سبقَ نشرُها عام 2009، والإحصاءات المذكورة فيها باتت الآن أسوأ مِمّا كانت عليه آنذاك، ولذلك ما انفكّ موضوعُها يُلحّ على معاودة تقديمها مع الأيّام.


هل تُدخِلُ البَدانةُ النَّارَ؟

 

حتى أكون أكثر دِقّة، فإن السؤال ينبغي أن يكون: هل البدانة التي تؤدّي إلى الأمراض، وبعضها قاتلة، خطيئةٌ تُدخلُ النار؟

السؤال ليس من عندي، وإذا بدا مُستهجناً أو رأى البعض مبالغةً فيه، فإننا بحاجة لمراجعة بعض الإحصائيات لنتعرّف على المشهد الحقيقيِّ للبدانة في الخليج، لنُقيّم بعدها جديّة السؤال ونوعية الإجابة.

*       *       *

أحد تعريفات البدانة هو: التراكم غير الطبيعيّ للدّهون في مخزون الأنسجة الدّهنيّة تحت الجلد.

وتشير آخر الإحصاءات أن نسبة البدانة في دول الخليج العربيّة بلغت (60%) جاءت الكويت في مقدمتها تليها الإمارات ثمّ قطر. وتًعدّ هذه النسبة وبائيّة في الإحصاءات الطبيّة الدولية.

هذه النسبة ليست ثابتة في شَتّى المراحل السّنيّة.

فنسبة السُّمنة عند الأطفال قبل الخامسة تتراوح ما بين (5–10%)، ترتفع تدريجيا لتتراوح بين (10–15%) عند أطفال المرحلة الابتدائية. ثم تكون بين أبناء المرحلة المتوسطة من (15–20%)، لتتراوح لاحقاً بين (20–40%) لدى طلاب الثانوية.

وهذا يعني أن تقدّم المواطن الخليجي في العمر يعني زيادة فرص بدانته. والطريف في كافة الإحصاءات التي وقعت عليها أن نسبة بدانة الإناث (من شتى الأعمار) تزيد عن الذكور (باستثناء السعودية)، ففي الكويت مثلاً بلغت تلك النسبة (44%) وهي واحدة من أعلى النِّسب في العالم قاطبة.

خطورة البدانة تكمن في تأثيرها على صحة الإنسان: الجسديّة والعقليّة والنفسيّة.

تقول الدراسات الحديثة إنّ إصابة الشخص البدين بمرض قاتل تكاد تكون حتميّة. بعض هذه الأمراض هي: ضغط الدم، تصلّب وانسداد الشرايين، السّكري، ارتفاع الكوليسترول، أمراض العمود الفقري، الأمراض الوعائيّة الدماغيّة، بعض أنواع السرطان مثل (المعدة، الأمعاء، الرحم)، إضافة إلى أمراض الجهاز التناسليّ لدى المرأة.

ويُشار هنا إلى أن السُّمنة في الخليج وثيقة الصّلة بالنمط الغذائيّ العامر أصلاً بالنّشويات البيضاء (مثل الرّز والخبز الأبيض)، حيث أضيفت له الوجبات السريعة (المقليّات والغازيّات). وهذه الوجبات وحدها فيها من الأمراض ما يزيد على أمراض السُّمنة (مثل فقر الدم، هشاشة العظام، الرّبو، عسر الهضم). والأطفال تحديداً أكثر عرضة لها، إذ يصابون بضعف جهازهم المناعيّ، ما يُسهل إصابتهم بتلك الأمراض في سِنٍّ مبّكرة.

ناهيك طبعاً عما تُسبِّبه تلك المأكولات من الضّرر على العمليات الذهنية والصحة النفسية كالخمول وضعف الذاكرة واستلاب إرادة الامتناع عن تناول تلك الأطعمة (تماماً مثل النيكوتين)، فضلاً عن تنشيط الجين الخاص بالسُّمنة.

زِد على ذلك كله، الفاتورة التي يدفعها المجتمع لعلاج الأمراض الناتجة عن الشحوم الزائدة. ففي السعودية، ثبت أنّ البدانة تكلّف واحداً وخمسين مليار ريال سنوياً. وهو مبلغ مرشّح للزيادة، إذا علمنا أنّ عدد الأطفال البدناء تجاوز الثلاثة ملايين طفل في المملكة، وأنّ احتمالات إصابتهم بمرض السّكر وحده تبلغ (75%).

*       *       *

إذا عدنا إلى السؤال حول مدى خطيئة البدانة فإنني أجد من الصعب قبول أيّ رأيٍ يرى أنّ “في الأمرِ سَعَة”. وأذكـِّر بقول النبيّ ﷺ، وهو الذي لم يشبع قطّ من خبز الشّعير، عندما قال {مَا مَلأ ابنُ آدَمَ وِعَاءً شَرّاً مِنْ بَطنِه}.

بل وأجد خطيئة الوالدين مضاعفة. فإضافة إلى أنّ التهاون الشديد في التعاطي مع البدانة يشير إلى انعدام المسؤولية الراعي عن رعيّته، و{كَفى بالمَرْءِ إثماً أنْ يُضَيّعَ مَنْ يَعُول}، فإنّ الثابت علميّاً أنّ الأطفال الذين ينشأون في رعاية والدين بدينين، أكثر عرضة للبدانة بأربعة أضعاف نسبة غيرهم. ناهيك عما يؤكّده الطب الحديث بشأن العيوب الخَلقيّة في الأمعاء والأعصاب والحبل الشوكيّ لدى الأطفال المولودين من أمٍّ بدينة، وزيادة عرضتهم لأمراض القلب.

عندما طرَحَتْ زوجتي هذا السؤال عَليّ، أشارت إلى أهمّية قيام علماء الدين بدورِهم في هذا المضمار. وتذاكرنا عندها قدوتَنا المصطفى ﷺ الذي وُصف بطنُه بأنّه {كالقرَاطِيسِ بَعْضُها عَلى بَعض} بسبب العضلات، وأنه {لمْ تعِبهُ ثلجة} أي سمنة.

بيد أنّها لم تلبث طويلاً حتى استدركَتْ بملاحظة أنّ أكثر المشايخ الذين تشاهدهم في الفعاليات العامّة هم أنفسهم من البدناء. وبينما تسمع تغليظهم الشّديد على حرمة التّدخين (الذي يأتي ضرره بعد سنوات من الإدمان، على عكس البدانة)، فإنّك تكاد تسمع صعوبة تنفّس أحدهم وتلمح عرقه المتصبّب إذا بذل أدنى جهد عضليّ.

وحيث إنّ المُبتلى لا يُستفتى، فقد أمرتُ شهرزاد بالسكوت عن الكلام المباح!


Incognizance: Discordance between Theory and Practise

إِنْسَانِيَّتُنا المُشْتَرَكَةُ.. أَينَ ذَهَبَتْ؟

تقديم

مقالة منشورة، تعاود أسباب نشرها مداهمتنا كلّ عام، فنُعيد نشرها من جديد.


إنْسانيَّتُنا المُشتركَةُ..

أيْنَ ذَهَبَتْ؟

 

ثمّةَ ما يؤكّد لي أنّنا كمسلمين تجاهلنا عبر القرون حقيقة أنّنا ننتمي إلى الأسرة الإنسانيّة الواحدة. وما يزيد الطين بِلَّة، أنّنا حريصون على أنْ نبقى كذلك!

*       *       *

خلال الأسبوع الماضي، استمعت إلى برنامجين إذاعيّين يناقشان قضيّتين مختلفتين، الأولى أزمة اللغة العربيّة في المجتمعات العربيّة المسلمة، والثانية يوم الحب، أو ما يُعرف بـ”عيد القِدّيس فالنتاين – “St. Valentine’s Day”.

ما استرعى انتباهي في البرنامجين أنّ النقاش انحصر على قضيّة الواجب الشرعيِّ في استخدام اللغة العربيّة كونها لغة القرآن التي لا يُفهم الدين بغيرها؛ وعلى قضيّة الحلال والحرام في الاحتفال بـ”يوم الحبِّ”، لدرجة أنّ إحدى المشاركات وصفت الورود الحمراء في هذا اليوم بأنّها “مِنْ جَهنّم”!

طبعاً، لست في مقام التقليل من أهميّة الجانب الشرعي في القضيتين، فانتماؤنا للدّين الإسلاميّ يجعل موافقة حكم الشّرع أمراً ليس عنه مناص.

لكن ما أزعم أنّه مُهمٌّ في هذا السياق أنّنا بحاجة إلى وضع الكثير من قضايا العصر التي تواجهنا في سياقها الإنسانيِّ العام، وذلك حتى يَسْهُل علينا فهمُها أوّلاً، ومن ثمّ تَبيّنُ الصواب بشأنها.

والمُتأمِّل في الخطاب القرآني يجد ذلك الانتماء طبيعياً للغاية. فكُلّ من أوحي إليه من المرسلين عليهم السّلام وُصفَ إبَّان بعثته لقومه بأنّه {أخَاهُمْ}. وعديد الآيات القرآنيّة تخاطب البشر جميعاً بلفظ {يَا أيّهَا النَاسُ}، سواء كان ذلك لتأكيد الانتماء إلى الأصل الواحد {إنّا خَلقنَاكُمْ مِنْ ذكَرٍ وَأنثى} أو تحقيق غاية مشتركة {اعْبُدُوا رَبّكُمُ الذيْ خَلقكُمْ}، {اتقوا رَبَّكُم الذيْ خَلقكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ}، {وَجَعَلناكُمْ شُعُوباً وَقبَائِلَ لِتعَارَفوا}، أو مجرد التبصير بالمشترك الإنساني {أنْتُمُ الفقرَاءُ إلى اللهِ}. بل إنّ القبلة التي نتوجه إليها في الصلاة والحجِّ وَردَتْ ضمن ذلك السِّياق المُشترك {إنّ َأوْلَ بَيْتٍ وُضِعَ للناسِ للذيْ بـِبَكّة}، {وَأذنْ فِي النّاسِ بالحَجِّ يَأتوكَ رِجَالاً} رغم قصر مسألة الدّخول إلى بيت الله الحرام على المسلمين دون غيرهم من النّاس.

ما تقوله هذه الآيات إنّ الهداية الربّانية جاءت للناس جميعاً وليس للمسلمين وحدهم. وما يجعل المسلمين في وَضعٍ مُتميِّزٍ عن غيرهم من الأمم هو طبيعةُ القِيَم المرتبطة بأسلوبِ حياتِهم على هذه الأرض {كُنْتُمْ خَيْرَ أمَّةٍ أخرجَتْ للنَّاسِ، تأمُرُونَ بالمَعْرُوفِ، وَتنهونَ عَنِ المُنكَرِ، وَتُؤمِنُونَ باللهِ}.

وهنا ينبغي التأكيد على أنّ (الصّواب الشّرعيِّ) الذي يدعو إليه الإسلام لا بدّ أنْ يقع في نفس الدائرة التي ينطلق من أجلها (الصّواب الإنسانيِّ). فقضيتا التحليل والتحريم موقوفتان على المنفعة والضَّرر للإنسان بقدر ارتباطهما بالطَّاعة والتسليم للربِّ سبحانه وتعالى. وقد أكدَّ القرآن الكريم ذلك عندما أشار إلى ذكر نبيِّنا ﷺ في التوراة والإنجيل بوصفه أنّه {يُحِلُّ لهُمُ الطيِّبَاتِ، وَيُحَرِّمُ عَليْهِمُ الخَبَائِثْ}. ومعنى هذا أن الالتزام بأوامر الشّرع في الحِلِّ والحُرمة إنَّما يحقِّق مصلحة إنسانيّة مشتركة، كون الطّيبات وحدها ما تقع في دائرة الحِلّ، والخبائث وحدها ما تقع في دائرة الحرمة.

وما تبيّنه الآية الكريمة هو أنّ مسألة التحليل والتحريم لم توجدا لتحقيق مصلحة المسلمين وحدهم، بل الإنسانيّة جمعاء.

لذلك، فإنّنا في سياق الحديث عن اللغة العربيّة مثلاً، يمكننا أن نبحث في مسألة الحفاظ على اللغة الوطنيّة لدى شتّى الأمم. فاللغة بالنسبة لأيِّ أمّة ليست مجرد وسيلة تخاطب بين الناس، إنما تتجاوزها لتكون وعاء يحفظ ثقافة البلد ويسهم في تحديد هويتها وترسيخ انتماء أبنائها للوطن. وعليه، فإن الحفاظ على اللغة الوطنيّة – لأيّ أمّة كانت – هو حفاظ على تراثها ودفاع عن حاضرها وتحصين لمستقبل أجيالها. بل إنّ المفكرين من شتّى المشارب والأعراق يذهبون إلى أنّ الحرص على اللغة الوطنية لأيّ أمة هو ضمانٌ لحفظ أمنها القوميِّ.

أما فيما يتعلق بيوم الفالنتاين، فإنّ عقلاء الغربيّين والمسيحيّين الذين ظهر هذا اليوم من بين ظُهرانيهِم ما فتئوا يحذرون من تنامي القيمة الاستهلاكيّة على المناسبات الاجتماعية والدينيّة (أعياد الميلاد، رأس السنة، فالنتاين، وغيرها)، بحيث أصبح الكسب الماديّ هو السّبب الرئيس وراء ترويجها بين الناس وتعزيز أهميتها عندهم. وهذا بدوره يُحَوّل تلك المناسبات عن الغاية التي يفترضُ أن تحقّقها بتعزيز التآلف بين الناس.

ناهيك طبعاً عن مفهوم الحب الذي ينتهكه هذا العيد المزعوم إلى أبعد الحدود. فكلمة الحب “Love” في الثقافة الغربيّة (العلمانية) باتت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمعاشرة الجنسيّة. ولك أنْ تلاحظ انتقال مفهوم الحب في اللغة الإنجليزية إلى ثقافتنا المعاصرة، حيث لا يتحقق إلا بـ”Make Love” – أو ممارسة الحُبِّ” والمقصود هو العلاقة الجنسيّة المباشرة. فلم يعد الحبّ يعني ذلك الشعورَ النّبيل المنتمي للقلب والروح كما في الثقافات الأخرى، لا الجسد وحده.

ومن يعرف شيئاً في علم الطاقة، فإنه يعرف أنّ اللون الأحمر هو لون منطقة الطاقة الجَذريّة (Root Chakra)، وموقعها في جسم الإنسان هو المنطقة التناسليّة. وإحدى مهمات هذه الشاكرا هي الاعتناء بالحاجات الإنسانيّة الأساسيّة ومن أهَمِّها الحاجة الجنسيّة. ولذلك فإنّ اللون الأحمر لونٌ يهيِّجُ الرّغبة الجنسيّة أكثر من غيره لدى الإنسان. ولنا أن نلاحظ ربطه برومانسيّة يوم فالنتاين لأنها غدت مفهوماً جنسيّاً خالصاً.

والأمر ليس مقتصراً على هاتين القضيتين وحدهما. فنحن بَرَعنا في إخراج قضايانا الإنسانيّة من سياقها الكبير لجعلها قاصرة على السّياق الدّينيّ أو القوميّ لدينا. وما قضية فلسطين، التي تنتهك فيها كل القيم الإنسانيّة النبيلة، إلا نموذجاً صارخاً على عجزنا عن إدراكها ضمن إطارها الكليّ، وسذاجتنا في تسويقها لشرفاء العالم وأنصار العدالة فيه. قارن ذلك بأسلوب الصهاينة في تسويق المحرقة اليهوديّة للعالم لتبرير ما يرتكبونه من جرائم بحقِّ الفلسطينيّين يومياً.

*       *       *

إنّ عودتنا للسياق الإنسانيّ ليست خروجاً عن الدّين الإسلاميّ، بل هي تأكيد لانتمائنا له. وهي إلى ذلك تعزيز لحقيقة أنّ هذه الرّسالة إنّما جاءت لتكون هي وصاحبها ﷺ {رَحْمَةً لِلعَالمِيْن}.

عِندَما رَحَلَ قُطْبَة

تقديم

في 3/ مارس من عام 2001، الموافق لـ 8/ ذي الحجة من عام 1421، انتقل إلى جوار ربّه سبحانه ابنُ الخال الحبيب الدكتور محمـد عبدالله قطبة رحمه الله تعالى. وأحسب شدّة الحزن على فراقه آنذاك كانت السبب الأكبر في عجزي عن رثائه بقصيدة تليق بمقامة العظيم. لكنّ مثله يبقى عصيّاً على النسيان، فليس مِمّن يزور الذاكرة مروراً؛ إنما يحفر اسمَه ورسمَه فيها، فلا يزول حتى تزول. والمقالة التالية، والتي نُشرت بعد وفاته بسنوات عدة، كانت خاطراً طالما رافقني، فلم أملك كبح جماح قلمي عنه. وكيف يتأتّى لذي ضميرٍ حيٍّ أنْ يتأبّى على نسبة الفضل لأولي الفضل، خاصة حينما تعاوده ذكراهم العطرة!


عِندَما رَحَلَ قُطْبَة

 

muhammadqutba article khalidalmahmoud

 

كلما حطّت قدماي مطار هيثرو في العاصمة البريطانية لندن، كما حصل معي الأمس، أتذكر بعض مشاهد رحلتي الأولى في صيف 1994.

أبرز مشهد من تلك الرحلة كان صحبتي؛ ذلكم هو الراحل محمد بن عبدالله قطبة، رحمه الله. الرجل الذي أنعم الله سبحانه وتعالى عليّ بأن أمضي معه بعض سنيِّ عمري لأتتلمذ على يديه في الشعر، فهو شاعر متمكن وله ديوانان مطبوعان (مشاعل ومشاعر) و(ديوان محمد قطبة، الأعمال الكاملة)؛ وفي اللغة الإنجليزية، إذ درّسنيها في جامعة قطر؛ وفي العمل العام إذ انتسبت لمركز شباب الدوحة الذي كان هو أحد أعضاء مجلس إدارته الذهبيِّ في مطلع التسعينيات؛ ناهيك عن صلة القرابة الوثيقة التي تربطنا بحكم كونه ابن خال أمّي حفظها الله.

ولعل ما يدفعني للكتابة عنه في ذكرى رحيله اليوم (الثامن من ذي الحجة) أنه كان من القلائل ممن أحب من الذين عجزت عن رثائهم بقصيدة عندما حلّ قضاء الله بنا وبهم.

ولكن الأهم من ذلك أنّ فقدان إنسان مثله ليس بالأمر الهيِّن. ومن عرف الراحل عن قرب، يدرك ذلك تماماً. إذ لم يسبق له أن وُضع في أيِّ موقف يُحَتّم عليه الاتصال مع الناس إلا وأبدى أروع مظاهر الإنسانية في علاقته مع أخيه الإنسان. وأكاد أقسم أنه الوحيد من كلّ من عرفت عن قرب ممن لم أسمع أحداً، غنياً أو فقيراً، شريفاً أو حقيراً، يشتكي منه في شيء، أيِّ شيء! وحسبك بمثل هذه التعامل الذي يجمع القلوب حوله، ويدفعُهم للترحّم عليه دليلاً على محبّة الربّ سبحانه وتعالى له. إذ ورد في الحديث الشريف {إنَّ اللهَ إذا أحَبَّ عَبداً نادَى جبريلَ: “إنّي أحِبُّ فلاناً فأحِبَّه”، فيُحِبُّهُ جبريل، ثمَّ يُنادي ملائكة السَّمَاءِ: “إنَّ اللهَ يُحِبُّ فلاناً فأحِبُّوه”، فتُحِبُّهُ ملائكة السَّماءِ، ثم يُوضَعُ لهُ القَبولُ فِي الأرض}.

*       *       *

محمد قطبة الذي ولد عام 1954، تلقى العلم على يدي والده الشاعر عبدالله عبدالرحمن قطبة رحمه الله. ومنذ نعومة أظفاره رضع حبّ هذه الأمة ديناً ولغةً وحضارة، فما زال يدفع عنها كلّ رزيئةٍ ويصدّ عنها كل نائبةٍ ويكتب ويعمل ويُربّي الأجيال لإعادتها على طريق الريادة مجدداً.

واصل رحلة تعليمه في المعهد الدينيّ ليتتلمذ على أيدي العلماء وعلى رأسِهم فضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله، والذي كان يُحبّه محبة خاصة لخُلقِه الرفيع وتديّنِه المعتدل، ناهيك عن نبوغِه في الشعر.

في جامعة قطر، تخصّص محمد قطبة في اللغة الإنجليزية، وأكمل دراساته العليا في جامعة (دَرَم – Durham) البريطانية. وقد كانت له سمعة مشهودة لدى كلّ من عرفه في أنحاء أوربا، حيث امتد نشاطه في القارة العجوز. حتى إنّ أهل الحيِّ الذي أقام في إحدى عائلاته المسيحية بكوا عندما رحل عنهم، وهم الذين ثاروا على تلك العائلة لإسكانِهم طالباً مسلما بين ظهرانيهم، وما ذاك إلا بسبب خلقه الرفيع.

قضى الفقيد نحو تسع سنوات في الغربة يدعو إلى الله، بالإضافة إلى دراسته، وأسلم نحو سبعة عشر قسيساً على يديه، ناهيك عن عشرات آخرين من العامة، بل والمساجين الذين كان يخصّهم بزيارات دعويّة وإرشاديّة، خاصّة المسلمين منهم. ورغم تأخيره كتابة رسالة الدكتوراة إلى آخر ستة أشهر من بعثته، فإنه وُفـِّقَ لكتابتها دون خطأ إملائيٍّ واحد، وهي سابقة لم تُعرف قبله في الجامعة. وعاد بعد ذلك إلى قطر ليعمل في الجامعة مُدرساً لمهارات اللغة الإنجليزية والترجمة.

ولم يكن العمل الدعويّ غائباً عن حياة الفقيد بعيد عودته، إذ كان أحد المبادرين المُبرزين فيه. وكان من جملة أسهم في توسيع أنشطة جمعية قطر الخيرية بوضع قدمٍ لها في ألبانيا، تلك الدولة الأوربّيّة المسلمة التي خرجت من رداء الشيوعيّة مطلع التسعينات من القرن المنصرم. وقد كانت الجمعيّة لا تزال تُعرف آنذاك باسم “لجنة قطر مشروع كافل اليتيم”.

ومن بعدها تولى منصبَ مساعد وكيل وزير التربية والتعليم عندما بادر سمو الأمير الوالد إبّان توليه ولاية العهد آنذاك في عملية إصلاح التعليم في قطر. وكان يجهد نفسه في العمل حرصاً على تحسين التعليم إضافة إلى ضمان حقوق موظفي الوزارة. ولعل ذلك كان سبب إصابته بالجلطة الدماغية التي عطّلت بعض أعضاء جسده عن العمل، لعظم التبّعة التي احتملها من ذلك المنصب.

ورغم حالته الصحية الصعبة بعد خروجه من الوزارة فإنه لم يتوقف عن خدمة الأمة، إذ عاد إلى الجامعة للتدريس مجدداً، إضافة إلى إدارته موقع (إسلام أون لاين – IslamOnline) لنشر تعاليم الدّين الوسطية.

وافاه الأجل المحتوم إثر نزيف في المعدة صبيحة يوم التروية من ذي الحجة من عام 1421. ورغم دفنه بعد وفاته بسويعات معدودة، إلا أنّ الآلاف حضروا جنازته حالما علموا برحيله. حتى أنّ أستاذه الشيخ القرضاوي لم يتمكن من إدراك مراسم الدّفن، وهو ما أبكاه حفظهُ اللهُ على تلميذه النجيب.

*       *       *

لعلنا لا نتقوَّل على الحقيقة إذا قلنا إنّه كان سميَّا في الاسم والمُسمّى لمحمد بن عبدالله ﷺ. إذ كان خلقُه أقرب ما يكونُ إلى القرآن، لا يَملّ من السلام على من يعرف ومن لا يعرف ولا تغادرُ البسمة شفتيه رغم ما لديه من أسباب المعاناة. حتى وهو على سرير المرض يعاني الجلطة التي بقيت آثارها معه إلى وفاته، لم يكف عن الاطمئنان على زواره والتهوين عليهم، كأنه الزائر لا المريض.

أما عطاؤه وسعيه في قضاء حاجات الناس، فحدِّث ولا حرج. ولو أنّنا قصَرنا العطاء على بذل المال لكان ذلك وحده يكفيه. وليس عجباً أن يُقال في المجتمع القطري “إذا أردت أن تُقضى لك حاجة، فاذهب إلى د. قطبة”. وكم عرفتُ – بحكم علاقتي الخاصة به – أنه استدان بعضاً من المال ليقرضه لذوي الحاجة، بل إنّه كان يُرسلني في قضاء بعض تلك الحوائج من ماله الخاص رغم علمي اليقين بحاجته إليه. فكان يصدُق فيه قول الشاعر:

تعوَّدَ بَسط الكَفِّ، حتّـى لو انَّـهُ

ثَـنـاها لـِقَـبْضٍ لم تُـجِـبه أنامِـلُـهْ

 

تـَراهُ إذا ما جـِئـتـَـهُ مـُـتــَـهلـِّـلاً

كأنَّـك تُعـطيـه الذي أنتَ سائـلُـهْ

 

هو اليمُّ، من أيّ النَّـواحيْ أتيتَـه

فلُجَّـتُـهُ المعروفُ، والبِرّ ساحِلُهْ

 

ولو لم يكن في كفـِّهِ غير روحِهِ

لَـجَـادَ بِـها، فَـليَـتَّـقِ اللهَ سَـائِـلُـهْ!

حسبُك دليلاً على ذلك أنّ انشغاله بقضاء حوائج الناس أنساه قضاء حاجة نفسه وأهله بطلب ما هو حقٌّ له من أرضٍ وقرضٍ ليبني عليها بيته، فقد كان يُقيم في منزلٍ صغير يجاور فيه والدته، حفظها الله، برّاً بها وإحساناً إليها. ولم تحصل عائلته على ذلك الحقّ إلا بعدما ذكر فضيلة العلامة يوسف القرضاويّ الأمر لسموّ الأمير الوالد حفظهما الله إبان توليه مقاليد الأمر في البلاد، والذي تفاجأ بهذا الأمر خاصّة أنّه كانت تربطه بالدكتور قطبة علاقة جيدة، فلعله لم يدر بخلده أنّ أحداً من الناس في هذا الزمان يُشغله فعلُ الخير وأداء الحقوق عن نفسه وأهله. فما كان منه إلا أن أوعز إلى من حوله بالوفاء لأهل ذلك الإنسان الذي أفنى حياته في خدمة الدِّين والوطن. وصَدَقَ الله العظيم إذ قال {… وَكَانَ أبُوهُمَا صَالِحاً}.

*       *        *

لقد كان الفقيد رحمه الله نبراساً لمن أراد الوصول. فعمل على أن يبلغ بخلقه ما يبلغه الصائمُ الذي لا يُفطر والقائمُ الذي لا يَفتر، وهو يتذكر في كلِّ ذلك حكمة الربِّ سبحانه في الموت والحياة {لِيَبْـلوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلاً}. وأنا أشهد أمامَ اللهِ أنّكَ قد أحسنت عملاً.

*       *        *

عندما غادر ملتقى الأدباء الشباب الذي أسّسهُ هو وترعرعتُ أنا فيه، كتبت أمازِحُه:

أقُـطـبَـة ٌ.. أيْنَ تَمضِيْ

يا عاشِقَ الإنجليزي؟

 

أراكَ أسرعتَ خـَطواً

?Why don’t you just take it easy

 

أنا أخـُطّ رِقـِاعاً

يـا سـَيـِّدَ التَّطْريزِ

 

فأنتَ مَنْ عـَـلـَّمَنِـيْ

نـَسْجَ الهَوى يا عزيزيْ!

ولستُ أحسَبُه يجيبني على ذلك السؤال إلا بقوله {يَا لـَيْتَ قوْمِيْ يَعلمُونَ، بمَا غَفرَ لِيْ رَبِّيْ وَجَعَلنِيْ مِنَ المُكْرَمِيْن}.

رحمك الله يا أبا جميلة وعبدالله وأحمد، وأحسن عقبانا فيك، وجمعنا وإياك مع الحبيب ﷺ.

آمين.

اغتِيالُ البَنَفْسَج

تقديم

مع حلول الثاني والعشرين من شباط/ فبراير تعاودنا ذكرى الشهادة بإعلان كلمة الحقّ، وهي تتجسّد في صورة الراحلة أطوار بهجت، رحمها الله [07.06.1976–22.02.2006]، الإعلاميّة التي وقعت شهادة حبّها للوطن بالدم.

هذه مقالة سبق وأن نُشرت مع حلول ذكرى اغتيالها الخامسة، أعاود إفشاءها كلّما عاودني أريجُ البنفسج، وفاء لذكرى عطرة تتأبّى على النسيان.


اغتِيالُ البَنَفْسَج..

فيْ ذِكرى رَحيلِ أطْوار بَهْجَت

 

atwarbahjat-profilephoto-khalidalmahmoud

 

لم يدُرْ بخلدي قط أن ما سألقاه في بغداد بعد نهاية الحرب سيكون أبعد من أيّ إشكالٍ سياسيٍّ أو غزوٍ عسكريٍّ وأصعب من أيِّ تجربة شخصية خضتها في حياتي.

ذلك أن التحدي الأكبر الذي لقيته في بغداد حينها وفي الدوحة بعدها، وربما لندن لاحقاً، كان صحفية عراقية شابة تنضح حماسة وثورة وانتماء للوطن. وكان مكتوباً لي أن تربطني بها علاقة خاصة منذ ساعة وصولي إلى مكتب الجزيرة في بغداد يوم الخميس 26/ حزيران، يونيو/ 2003.

تلكم هي الراحلة، عليها رحمة الله: أطوار بهجت السّامرّائيّ.

*       *       *

أولُ خِلافٍ دَبَّ بيننا، كان اسمُها!

فلقد كانت خرجت لتوّها من دورة تدريبية للمراسل الصحفي، وكان من بين مدربيها بعض كبار مراسلي الجزيرة مثل الزميلين تيسير علوني وعبدالحق صداح. ولذلك طلبتُ منها ساعة وصولي أن تصوّر لي خاتمة تقرير افتراضيٍّ لنتخذه نقطة انطلاق للعمل.

كانت أول ملاحظاتي عليها إيقاعُها البطيء في القراءة. وعلاوة على حاجتها لتسريعه، فإنّ اختصار اسمها بدا ضرورة ماسّة، لتستعيض عن (أطوار بهجت السامرائي) بـ(أطوار السامرائي) أو (أطوار بهجت) مع تفضيلي للخيار الثاني.

هاجَت، رحمها الله، وماجَت على هذا القرار الذي بدا لها تعسفياً. فمن أنا حتى أملك حَقَّ تغيير اسمها لها؟ وكيف يفرض عليها هذا الغريب أن تختار بين اسم عائلتها الذي عُرفت به، واسم أبيها رحمها الله الذي كانت تربطها بها علاقة خاصة؟

وحيث كنت أتوقع هذه الثورة، فقد حشدت لها عدداً من أقطاب الإعلاميين في مكتب بغداد للترجيح بين أحد هذين الاسمين. وانتهى الأمر، بعدما هدأت ثورتها، أن قلت لها إنها ستشكرني يوماً ما لأني دفعتها إلى هذا القرار.

ولم تكن الأيام التي تلت هذه الحادثة مختلفة عنها. فقد أصررتُ على ألا يُبثَّ لها تقرير حتى أعطيها الضوء الأخضر، باعتبارها ليست مستعدة للنزول على الهواء بعد. ولم تفلح شكواها لمدير المكتب آنذاك، حين قالت له ضاحكة إنّ أرضية المكتب لابُدّ أنها مصقولة من شِدّة النظافة، لأنّي أمسح الأرض بها في كلِّ مرة تُعِدُّ فيها تقريراً، على حدِّ تعبيرها.

وقد كان تشدّدي معها مبنياً على ثقتي في إمكاناتها الهائلة في العمل الصحفيِّ التلفزيونيِّ. ورغم أنّني كنت أرى رِقّة الأنثى في أعماق عينيها، فإنّ الصّلابة التي تجلّت على حِدّة حاجبيها دفعتني للاستمرار. ولذلك آثرت ألّا تخرج على المشاهدين حتى تكون قادرة على إعطائهم ما يستحقّونه وبما يناسب قدراتها. وقد قلت لها مراراً إنّ من اليسير أنْ يجد المراسل لنفسه مكاناً على شاشة إحدى الفضائيات، ولكن العسير أن يجد له مكاناً في ذاكرة المشاهدين وقلوبهم، وهذا هو ما أريده لها.

*       *       *

كانت رحمها الله تحبّ العراق كثيراً، ربما أكثر من نفسها. ولم يكن شيءٌ يغيظها أكثر من سماع كلمة تمسّ الوطن. وكانت أولى تجاربي معها في هذا المضمار عندما صحبتها لتغطية أوّل حفلٍ للفرقة الوطنية السيمفونية العراقية بعد الغزو.

كان المفترض أن تقوم هي بإعداد قصّةٍ إخبارية عن تلك الليلة، فتوجّهنا إلى كواليس قصر المؤتمرات للقاء مايسترو الفرقة وأعضائها. ولم يبد أنّ هناك شيئاً استثنائياً يؤهِّل الحدَث ليكون تقريراً يُبَثُّ على شاشة الجزيرة، إلى أن بدأت الفرقة في العزف.

كانت مقطوعتهم الأولى هي السلام الوطني العراقي السّابق “موطني”!

لم يكن لديّ شكٌ عندها في أنّ الحدث بات ساعتها أكبر منْ أنْ أترُكَ إنجاز القِصّة لها. فعزمْتُ على إعداد التقرير بنفسي، وطلبت منها أن تُعدّ واحداً من جانبهاً بغرض التدريب.

لم تكفّ عن الحركة الدؤوبة طيلة الحفل، وكانت تكتبُ النَّصَّ أثناء وقوع الحدث، بل وسارعَتْ إليّ فَرِحَةً لتخبرني بفراغها منه وذلك قبل أن تنتهي الأمسية. فلم أجد غير الابتسام للتعبير عن شفقتي على حماستها التي تطغى على منطقِ عقلها أحياناً.

لكنّ ابتسامتها تلك لم تلبث طويلاً، فعندما عاودت الفرقة لتعزف “موطني” مُجدّداً مع ختام الحفل، انخرطت في البكاء أسفاً على الوطن الذي نجّسَه العدوُّ وتآمر عليه الصديق. ولم تكن وحدها من بكى، فالمشاعر الجَيّاشة كانت عنواناً للقاعة التي امتلأت بمئات المثقفين والفنانين العراقيين، خاصةً أن الحفل شهدَهُ أربابُ الاحتلال الأنجلوأمريكي.

عندما انتهيت من التقرير في اليوم التالي، وقارَنَتهُ هي بتقريرها قالت، وهي تحاول الاستعلاء على الحدث، إنّها تُقرّ لي بجودة ما أعددتُه، وأنّها تأذن أنْ يُبثَّ على الهواء لأنّه يُعيدُ الاعتبارَ للعراق الذي شَوَّهته وسائلُ الإعلام بُعيد الغزو.

*       *       *

وتوالت الأحداث بعد ذلك، وتوثَّقت عرى الأخوَّة بيننا على شاكلة أشبه ما تكون باتصال الموج مع الشاطئ في أقصى حالات مَدّه وجَزره. ومَرّت الأشهر والسنوات، لتصبح أطوار واحدة من أشهر مراسلات الجزيرة وأكثرهنَّ مهنيَّة وإثارة للإعجاب. ومنّ الله سبحانه وتعالى عليها بارتداء الحجاب، واقترابها إلى الله أكثر فأكثر في حياتها الشخصية، إلى أن أزفت ساعة رحيلها عن هذا العالم المُختلّ.

فقد اختُطِفت ومن ثمّ اغتيلت، يوم الأربعاء 22/ 2/ 2006، على مرأى من الناس ومسمع مع اثنين من زُملائِها، بينما كانت تُغَطّي حادثة تفجير مرقد الإمام العسكريِّ في سامراء، المدينة التي جاءت منها. وكانت آخر كلماتها لمشاهديها تعبيراً عن عشقها للوطن: “رسالة يبدو العراقيون أحوج ما يكون إلى تذكرها: سُنياً كنتَ أو شيعياً، عَربياً أو كُردياً، لا فرق بين عِراقيِّ وعِراقيٍّ إلا بالخوف على هذا البلد”.

*       *       *

قلت لها ذات مرة، إنّني لم أقابل في حياتي شخصاً نال من اسمه نصيباً بقدر ما رأيته فيها. فلما تساءَلتْ عن معنى الكلام أجبتها بأن اسمها بالعربية “أطوار” يَدُلُّ على تبَدُّل الأحوال وتقلُّب الأيام، وهو ما عرفتـُه فيها طيلة فترة علاقتنا. أما بالإنجليزية، فإن اسمها يكتب هكذا “Atwar” ولو أننا فصلنا بين أول حرفين عن باقي الاسم لأصبح “At War” أيْ “في حالة حرب!” ولم أعهد أحداً في حياتي مستعداً للدخول في مواجهة مع الآخرين تصل إلى درجة الحرب المعلنة بمثل ما عهدته فيها. لم تتمالك نفسها من الضّحك، وكانت لها ضحكة صافية ومُجَلجِلَةٌ في آنٍ معاً (أليست أطوار!)، لكنَّها في الوقت نفسه أقرّتني على هذا الرأيِ برضاً بالغ.

أما الآن، وبعد التحاقها بالرفيق الأعلى، فقد كتبت لها قصيدة لم تنشر بعد، قلت لها في مطلعها خُلاصَة ما أحسبها قضت نَحبَها عليه:

سَلامٌ عَليكِ،

على ناظِرَيكِ،

على الدَّم ِ يَشخَبُ مِنْ وَجْنَتيكِ.

سَلامٌ على الأملِ المُستميتِ..

على قدميكِ

إذا ما حَفيتِ؛

وحَاشاكِ..

فالأرضُ نَعلٌ لَديكِ،

وهَذي السَّماءُ خِمارٌ عَليكِ.

سَلامٌ على الأرضِ إذ جِئتِ مِنْها،

وعُدْتِ إليها،

فَبُشرى لها،

ثُمَّ طُوبَى إليكِ.

*       *       *

رحمك اللهُ يا أطوار، وغفر لكلينا ما كان لصاحبه، وجمعنا في ظلِّ عرشه ومُستقرِّ رحمته بإذنه تعالى. اللهمَّ لا تحرمنا أجرها، ولا تفتِنَّا بعدها، واغفر لنا ولها. آمين.