الكلاب وأصحابها

إذا ظنّ القارئ أنّني بعنوان المقالة أقصد الحديث عن أحدٍ في دول الحِصار، فهو قطًعًا مخطئٌ، ويحتاج لإعادة تركيزه على الكائن الطبيعيّ لا الصورة الذهنيّة في مخيّلته، لأنّني فعلًا أقصد الكلاب وأصحابها! وهو حديثٌ ازداد أهمّية مع ظهور فيروس كورونا، الذي نتج ابتداءً في سوق الحيوانات الأليفة!

*       *       *

التحوّلات التي شهدها المجتمع جعلت مشهد الكلاب التي تُربّى في المنازل مألوفًا في محيطنا، رغم أسفي أن يكون هذا هو الوضع السّائد.

لكنّ المُستغرب ألّا تُصاحب ذلك ثقافة مُساندة له تديره، والواضح أنّنا نفتقد لتلك الثقافة وكذلك التشريعات القانونية.

حصل وأن تكرر سماعي نباح كلب بعض الجيران أيّام الشتاء، حيث أعدّوا له مسكنًا فوق سطح منزلهم. لم يتوقّف الكلب عن النباح طيلة الليل وإلى ساعات مبكّرة من النهار لعدّة أيّام.

وفي مناسبة أخرى وجدتُ أحد الغربيّين يتمشّى بصحبة كلبٌ من فئة دوبرمان (doberman) دون أيّ لجام، وكان يرمي كرة تنس ليلتقطها الكلب الشرس ويعود بها إليه. إمام المسجد اشتكى من خشية أطفاله من الخروج للعب خوفًا من الكلب الذي يخافون مجرّد رؤيته. مع الإشارة إلى أنّ الكلاب تلاحق من يشعر بالخوف لقدرتها الفذّة على اشتمام مادة الأدرينالين التي يُفرزها الجسم بكثرة عند شعور المرء به. بيد أنّ تلك المادّة تُفرز بكثرة أيضًا عند شعور الإنسان بالتوتّر أو حتى مُجرّد الجري، ولكنّ الكلاب لا تُفرّق بين الأسباب المختلفة، فتُلاحق صاحب الإفراز العالي للأدرينالين ظنًّا بأنّه خائف لجُرمٍ ارتكبه. ولذلك فإنّها ستلاحق الأطفال الفارّين ظنًّا أنّها تُسدي خدمة للمجتمع، بينما الجرم من نصيبها وصاحبها.

ناهيك طبعًا عن المقدار المتزايد من فضلات الكلاب وأبوالها في شوارع الحيّ، عند خروجها مع أصحابها من الغربيّين أو مع خدم أصحابها من العرب. وكم من مرّة أوشكت أن أدهس تلك الفضلات التي لا يأبه لها أصحاب الكلاب أو عُمّال النظافة الذين يرونها خارج اختصاصهم، وهم في ذلك معذورون!

بحثت عن جهةٍ مسؤولة عن الكلاب، فوجدت قسمًا يتبعٍ وزارة الداخليّة معنيّ بهذا الأمر (لا أذكر اسمه) فخابرتهم. وكان الردّ الغريب الذي جاءني من الضابط أنّه ما لم يقم الكلب بعملٍ عدائيّ، كأن يعضّ أحدًا أو يهجم عليه، فليس من حقّ الدولة التدخّل، مُعلّلًا الأمر بالحريّة الشخصيّة في اقتناء الحيوانات الأليفة، دون أن يلتفت إلى الإزعاج التي يتسبّب بها صوته المُدوّي أو الخوف الذي يُعايشه الناس من ذلك الكائن الشرس.

لم أعثر على قانونٍ معنيٍّ بتنظيم عمليّة اقتناء الحيوانات الأليفة لدينا (ولا أدري كيف تُدرج الكلاب الكبيرة والمخيفة ضمنها) لذلك أردت التّعرّف على قوانين البلدان التي صدّرت تلك الثقافة الغريبة لمجتمعٍ مسلمٍ لا ينبغي له اقتناء الكلاب إلّا لحاجة الحراسة من خطر مُتوقّع أو الصيد.

لم أستغرب أنّ ولاية نيويورك الأمريكيّة أوجدت عديد النُظم الخاصّة باقتناء ومرافقة الكلاب، سواء للرغبة الشخصيّة أو للاحتياجات الخاصّة. وممّا ورد فيها:

“صاحب الكلب مُلزم بربطه بقيد لا يتجاوز طوله ستة أقدام (أقلّ من مترين) خارج منزله، ويتعرّض لغرامة تصاعديّة ابتداءً من خمسين 50 دولارًا للكلب الواحد حال عدم التزامه، ويمثل أمام المحكمة في المرة الثالثة! وفي حال وجد الضابط المختص بمُراقبة الحيوانات أنّ الكلب يُسبّب الذعر بين الناس فمن حقّه انتزاعه من صاحبه ووضعه في مأوى للكلاب، أو حتى قتله إذا كان مُصابًا بالسُّعار.”

“صاحب الكلب مُلزم بالتقاط فضلاته في حال تبرّزه في مكانٍ عامٍ، ويُغرّم بقيمة خمسمئة 500 دولار عند عدم التزامه. كما يُغرّم بمبلغ مئتي 200 دولارٍ في حال شوهد دون حيازة المعدّات الخاصة بالتقاط الفضلات، وإن لم يتبرّز الكلب!”

ناهيك عن عديد المسائل المتعلّقة بتربيتها ومعالجتها وإيوائها أو حتّى معاملتها بقسوةٍ وإهمالها وتركها سائبة، ويجتمع في كلّ هذه المسائل استحقاقات ماديّة وقانونيّة مُلزمة، تفرض نظامًا يحفظ حقوق الناس دون إهمال الحيوان.

*       *       *

أسئلتنا لمسؤولينا هي التالية:

هل نحتاج إلى انتظار وقوع الفأس في الرأس بتعرّض أحدٍ لاعتداءٍ من كلبٍ خارج عن السيطرة، أو أسوأ منه بسبب تنمّر صاحبه، حتى يتمّ وضع تلك القوانين المنظّمة للتعامل مع الكلاب؟!

ثمّ هل ينبغي علينا أن نتقبّل قذارة تلك الحيوانات وروائحا لانعدام مسؤوليّة أصحابها، بالنظر إلى أنّهم أمنوا عقوبة تلك القوانين فأساؤوا الأدب؟!

وأخيرًا، وليس آخرًا، هل نحن بحاجة لانتقاص اعتزازنا بأنفسنا والتخلّي عن توجيهات مصدر التشريع الرئيسيّ في بلادنا، بغرض استرضاء الغربيّ الأبيض في كلّ شأنه {حتّى لو دخلوا جحر ضبٍّ خربٍ} دخلناه وراءهم؟!

*       *       *

لقد آن أوان مُراجعة هذا الأمر بكامله ابتداءً من انعدام الحاجة لوجوده، وانتهاء بوضع مصلحة الإنسان والمجتمع أوّلًا.

فما بتنا نبصره حولنا يُصعّب علينا التفريق بين الكلاب وأصاحبها!

خطيئة التموين

مُنعت هذه المقالة من النشر في إحدى الصحف القطريّة.


خطيئة التموين

 

حالة الضحك التي انتابتني عندما اطلعت على قائمة الأطعمة المُتّهمة بإضعاف الجهاز المناعيّ لم تكن لأنّها تُمثّل السفرة الخليجيّة فحسب، فالسبب الآخر هو حقيقة أنّ الحكومة هي التي تُزوّدنا بتلك الأطعمة عبر خدمة التموين!

وبينما تسعى حكومتنا مشكورة لحصر الوباء وحماية البلد منه، فمن المهمّ مُراجعة نمط حياتنا الذي يُيسّر انتشار ذلك الفيروس، والذي يمكن تحصين أبداننا منه بشكلٍ طبيعيٍّ ابتداءً.

*       *       *

ما يعنينا مِمّا وَرَد في القائمة هو: الرّزّ الأبيض، والسكّر الأبيض، وكافّة المقليّات (خاصّة زيت الذرة) إضافة إلى ما تخالطه المواد الحافظة.

ولست بحاجة لتذكير القطريّين أنّ القائمة تعني غالبيّة طعامهم اليوميّ، وكذلك قائمة التموين التي تمنحهم الدولة بأسعار مخفّضة باعتباره مؤونة البيت وهي الرّزّ والسكّر وزيت الذرة والحليب المُبخّر (وهو ليس حليبًا البتّة)، ويا لها من مؤونة!

*       *       *

يُمكن تفهّم الظروف التي أنشأت الحاجة لمعونة التموين (وهي قطعًا معونة) منذ خمسينيّات القرن الماضي، عندما استدعت ظروف معيشة أهل البلد تدخّل الحكومة لتمكينهم من تحصيل احتياجاتهم “الطعاميّة” نظرًا لضعف قدرة عديد أرباب الأسر المادّية لعملهم في وظائف لا تغطّي احتياجاتهم.

لكنّ الظروف تغيّرت، واختلف معها حال غالبيّة المجتمع الساحقة، والذي اكتسب مؤهلات تعليميّة وترقّى في المناصب الوظيفيّة وبات دخل الفرد يتزايد مع طفرة النفط، حيث اقتصرت الحاجة على فئات خاصّة من المجتمع تستحقّ المعونة، ولم يعد الأمر ينطبق على بقية المجتمع المُرفّه.

*       *       *

ما أراه شخصيًّا أنّ استمرار التموين يُعدّ خطيئة ترتكبها الحكومة بحُسن نيّة، وهي خطيئة متعددة الأوجه

أوّلها منحُها لمن لم يعد يستحقّها، ومنعها (أو التسبّب فيه) عن الأسر ذات الحاجة الحقيقيّة والتي تعتاش على رواتب الضمان الاجتماعيّ التي لا يتجاوز أيُّها ثمانية آلاف ريال، وهو مبلغ لا يكفي حاجاتهم في ظل التضخّم المتزايد الذي نشهده منذ عقدين. فكُلّ ريال يُنفق في دعم التموين مأخوذ ممّن هم أحقّ به في فئات الضمان.

ثانيها أنّ استمرار تحصيل التموين الحكوميّ هو تأكيد لقيمة الإعالة في نفسيّة المواطن وتثبيت حاجته الدائمة لمن يقوم على أمره ويهَبُه رغم استغنائه، فهو يستطيع توفير مؤونة أهله من راتبه المُرتفع أصلًا. وتثبيت قيمة الاعتماد على الغير يحرم المجتمع من قيمة الاستقلاليّة وتحمّل المسؤوليّة الشخصية والأسريّة. وهذا يعني أنّ الخطيئة هي تكريس الإعاقة الداخليّة لدى المواطنين بمنحهم التموين، في وقتٍ نحن أشدّ ما نحتاج استقلالهم فيه.

أمّا ثالثة الأثافي في خطيئة صرف التموين، فهو طبيعة التموين ذاته! فالمواد “الطعاميّة” التي اختيرت لتكون أساس ميرة الأسر القطريّة عندما بدأ العمل بهذا النظام هي ذات المواد التي نشهد مصائبها الصحيّة على أبناء الوطن وتُعطّل قدراتهم الجسديّة والذهنيّة والنفسية باستمرار. ولست بحاجة للتذكير بالأرقام المخيفة لنسب البدانة والأمراض المُزمنة المُصاحبة لها مثل السّكريّ وأمراض القلب وارتفاع الكوليسترول، وما يُصاحب ذلك من “قصّ المعدة” (كأنّ حجم المعدة هو المشكلة، وحاشا لله تعالى!)، ناهيك عن السرطان واختلال أداء الغُدد وعديد الأمراض التي تتسبّب فيها تلك المواد “الطعاميّة”.

وإذا لم يكن من الأمراض التي تُسبّبها مواد التموين سوى إضعاف الجهاز المناعيّ، والذي تُؤكّده تلك القائمة التي أضحكتني ضحكًا كالبكاء، فإنّ ذلك وحده سببٌ كافٍ لمُراجعة تلك الخدمة المجانيّة التي تُساعد على نشر الوباء، ناهيك عمّا تُهدره من أموالٍ طائلة تبلغ المليارات. والمبلغ ليس مبالغة بالمناسبة، فما عدا قيمة الدعم الذي تقدّمه الحكومة لصرف التموين، فهناك البنى التحتيّة الصحّية التي أُنشئت لعلاج الأمراض الناتجة عنه، وكافّة تكاليف تشغيلها. ناهيك عن المبالغ الطائلة التي تُنفق لأجل العلاج في الخارج حيث ارتفع المبلغ من نحو خمسمئة مليون ريال في 2009 إلى مليارين ونصف المليار عام 2014. ولنا أن نتخيّل مقدار الزيادة الممكنة خلال السنوات التالية!

ومن الضرورة التأكيد أنّ فيروس كورونا ليس فاتكًا كما يُساء الظنّ، ويمكن التصدّي له ببساطة عبر تمكين أجهزتنا المناعيّة الطبيعيّة لتقوم بالمهمة التي أوجدها الخالق سبحانه وتعالى لتأديتها. وعليه، فإنّ التغيير الذي ندعو إليه في نظامنا “الطعاميّ”، والذي يبدأ بالتوقّف عن توفير ذلك التموين القاتل، هو أحد الأسباب التي نتّخذها لمقاومة الوباء بعد التوكّل على الله عزّ وجلّ.

أقلّ ما يُقال في حقّ التموين أنّه بحاجة لمراجعة شاملة من حيث المستفيدين منه من جهة، ونوعيّة موادّه من جهة ثانية، والكيفيّة التي يُقدّم بها من جهة أخرى.

لقد قالت العرب من قديم “درهمُ وقايةٍ خيرٌ من قنطارِ علاج”. وإنّ إصابة أحدٍ ما بالفيروس، أو حتى الموت بسببه لا قدّر الله، سيكون جزاءً وفاقاً لتقصيرنا في شُكر نعمة العافية التي أنعمها الله علينا، وفرّطنا نحن فيها حفظها، ولنتأمّل قوله تعالى {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ، فبِمَا كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ، وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} صدق الله العظيم.

الفيروس النافع

لم أتمالك نفسي من الضحك عندما اطلعت على قائمة الأطعمة المُتّهمة بإضعاف الجهاز المناعيّ والمساعدة على نقل فيروس كورونا، ويُنصح بتجنّبها.

فما خطر على البال هو أنّ توقّف المواطن الخليجيّ عن تناول تلك الأطعمة قد يعني الموت جوعًا، فهي مكوّنات وجباتهم اليوميّة، والتوقف عنها – بسبب فيروس أو غيره – ليس واردًا بحالٍ!

*       *       *

القائمة – لمن لم يطّلع عليها – تشمل الرّزّ الأبيض، والنشويّات البيضاء (كالخبز الأبيض والمُعجّنات والفطائر والبسكويت) والمشروبات ذات النكهات الصناعية (المشروبات الغازيّة، مشروبات الطاقة، الحليب المُنكّه) والسكّر الأبيض وما خالطه من أطعمة، وكافّة المقليّات (خاصّة ما يُقلي في زيت الذرة أو يُعرّض لدرجة حرارة عالية) إضافة إلى ما تُخالطه المواد الحافظة.

وهذه ليس كلّ القائمة، بل أبرز ما فيها فحسب.

ولو تأمّلنا النظام “الطّعاميّ” (إذ يصعب وصفه بالنظام الغذائيّ) للمواطن القطريّ، لوجدنا امتناعه عن تناول الوارد في القائمة يعني قطع أكثر من ثمانين بالمئة من مُكوّنات وجباته و”خفايفه” اليوميّة، إذ تبدأ بالشاي الكرك (المصحوب بما يُزعم أنّه “حليب مُبخّر” والسكر الأبيض) وتحوي أنواع النشويّات والمخبوزات في فطوره وعشائه، وتمرّ حتمًا على الرزّ الأبيض في غدائه (وأحيانًا عشائه)، ولا يخلو ما يؤدم تلك الوجبات من مقليّاتٍ. ولا يمكن تجاهل المشروبات الغازيّة أو المُحلّاة، علاوة على ما بين الوجبات من سكّريّات الضيافة التي لا تُبارح مواقع التجمّع، بما تحويه من مواد حافظة لضمان استمراريّتها على سفرة “الفالة”.

*       *       *

في مقابل تلك القائمة من المنهيّات، فإنّ ثمّة قائمة أخرى من المندوبات بيّنت المواد الغذائيّة التي تُقوّي جهاز المناعة لمواجهة الفيروس. هذه القائمة شملت الأسماك التي تحوي أوميغا 3 بكثرة (السالمون في مقدّمتها) والخضروات (البروكلي والسبانخ والفلفل الأحمر والبطاطا الحلوة) إضافة إلى الكركم والزنجبيل والثوم وبذور دوّار الشمس وبعض الفواكه (الكيوي والتوت الأزرق والليمون) إضافة إلى اللوز والشاي الأخضر.

ولست أفشي سرًّا بقولي إنّ غالبيّة هذه الأطعمة تعدم طريقها إلى المائدة الخليجيّة، إلّا كغريب لا يجد الترحيب من أهل البيت، إذا استثنينا منها الكركم والثوم وربّما الليمون، إضافة إلى اللوز والحبّ الشمسيّ من باب المزمزة!

ما أزعمه في المقابل أنّ الظرف الحاليّ يمثّل فُرصة نادرة لتغيير عاداتنا “الطعاميّة” السيّئة والتي جلبت معها الأسقام والأمراض في البدن والعقل والنفس، لدى الفرد والمجتمع، على حدٍّ سواء. وفي مثل هذه الظروف التاريخيّة تتمّ عمليّات التحوّل الكُبرى في المجتمعات لتنتقل من حالٍ إلى حالٍ، ولكنّ الوجهة التي نتحوّل إليها ستعتمد على خياراتنا فيها. فهي إمّا أن تقودنا إلى الأمام، وإمّا أن تدفعنا إلى الخلف. وكلاهما متوقّف على طبيعة اختيارنا نحن.

فالعزل الاحترازيّ جعل غالبيّتنا من “القواعد في البيوت”، ويُمكّن نساءنا بالتالي من تدبير وسائل طهي جديدة يُدخلن فيها قائمة المندوبات ويُخرجن منها قائمة المنهيّات، ولو بشكلٍ تدريجيٍّ، على مائدة العائلة التي لم تألف غير الطعام المنقول عن المطبخين الفارسيّ والهنديّ، باستثناء الخضروات التي نعدمها نحن فيما يعجّ بها كلا المطبخين! وباستطاعة ربّات البيوت وكريماتهنّ (فلا حجّةٌ من عمل أو دراسة!) البحث عن طرق جذابة في تقديم الغذاء الصحّيّ، والتي انتشرت على الإنترنت سواء في مواقع معنيّة بالطبخ أو العناية بالصحة أو حتى مواقع التعلّم عن بُعد.

فيُمكنهنّ مثلًا تقطيع البروكلي والسبانخ بكمّيّات معتبرة وخلطها مع الرزّ المطبوخ بالكركم والليمون واللوز وبذور الحبّ الشمسيّ، وتعلوه سمكة سالمون، لتكون تلك وجبة غداء مطوّرة للأسرة، فلا هي تنزع عنهم ما اعتادوا عليه فجأة، إذ الرزّ هو الوجبة الرئيسة ولكن بكمّية أقلّ، ولا هي في المقابل تمكّنهم من تجنّب المأكولات الصحيّة التي لم يعتادوا بسبب ذوقهم “الطعاميّ” السيّء. ويمكن بعدها تناول الشاي الأخضر ممزوجًا بالشاي الأحمر وشيءٍ من الزنجبيل، والاستعاضة عن السكّر الأبيض بالسكر الأسمر، وربّما لاحقًا الانتقال إلى العسل الأبيض الذي {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} كما علّمنا ربّنا سبحانه في كتابه الكريم.

وهذه خطوات تكسر عاداتنا “الطعاميّة” بالتّدريج، وتُطعّمها بأغذية ستأخذ طريقها إلى الاعتياد مع الوقت وحُسن التقديم في المنظر والمذاق.

*       *       *

ومن الضرورة التأكيد أنّ فيروس كورونا ليس فاتكًا كما يُساء الظنّ، ويمكن التصدّي له ببساطة عبر تمكين أجهزتنا المناعيّة الطبيعيّة لتقوم بالمهمة التي أوجدها الخالق سبحانه وتعالى لتأديتها. وعليه، فالتغيير الذي ندعو إليه في نظامنا “الطعاميّ” هو أحد الأسباب المُتّخذة لمقاومة الوباء بعد التوكّل على الله عزّ وجلّ. ذلك أنّ إصابة أحدنا بالفيروس، أو حتى الموت بسببه لا قدّر الله، سيكون جزاءً وفاقاً لتقصيرنا في شُكر العافية التي أنعمها الله علينا، وفرّطنا نحن فيها حفظها، {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ، فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} صدق الله العظيم.

ثمنُ الخوف

أخوف ما أخافه علينا بعدما يرفع المولى سبحانه وتعالى عنّا هذه الغُمّة أن ينجلي الوباء ويبقى الخوف منه. ذلك أنّ أعدى أعدائنا في هذا الوضع هو الخوف نفسه، وأخطر منه أن يتسرّب الهلع إلى نفوس أبنائنا فيعيشون تحت سطوته دون إدراكهم إيّاه أو كيفية التصدّي له.

*       *       *

أقول هذا مع تزايد الإجراءات الاحترازيّة التي تعمد لها الدولة، وهي مشاهد قد تبثّ القلق والتوتّر لعدم اعتيادنا عليها في بلادنا. فالعزلة المنزليّة تقطعهم عن أنشطتهم اليوميّة والتي منها حضور المدرسة والذهاب للمساجد والملاعب والأسواق واللقاءات الاجتماعيّة، ناهيك عن إجراءات اكتشاف الأشخاص المصابين بالفيروس في الأماكن العامّة. وأودّ أن أثبت ههنا أنّني أحمد للدولة سرعة استجابتها للتصدّي للوباء المحتمل وتعاملها معه بحزم منذ أسابيعه الأولى (وهو ما تهاونت فيه دول “مُتمدّنة” وتدفع الآن ضريبته).

ولكنّي أعلم يقينًا أنّ تأثير تلك المشاهد، خاصّة على الصّغار والمراهقين، لن يمرّ مرور الكرام. خاصّة إذا اعتبرنا مقدار التشديد على العزلة المنزليّة والتشهير – الضروريّ – بمن يستهترون بالحجر الصحيّ، والحصار الإخباريّ الذي يُعايشونه داخل البيوت، ناهيك عن الأحاديث مع أفراد أسرهم وأصدقائهم، والشائعات التي ينشرها طالبوا الشهرة في وسائل التواصل الاجتماعي (بحسن نيّة أو عدمها).

فكلّ هذا يعني تسرّب مظاهر شتّى من المشاعر السّالبة التي تدور في فلك الخوف.

والاستجابة البدنية للخوف هي في حدّ ذاتها خطرٌ عظيم، ما لم يُتصدّى له بتحرّي أسباب تخفيفه ومن ثمّ إزالته وإراحة النفس منه. فالعقل الباطن يجعل البدن عند الخوف في حالة استنفار تامّ، تحسّبًا للخطر الذي يتحرّز منه الإنسان. وحالة الاستنفار هذه توقف كافّة أجهزة البدن عن العمل ما لم يكن لها دورٌ فاعل اللحظة الراهنة، والتي قد تستدعي الكرّ أو الفرّ (بالإنجليزيّة: fight or flight). وهذا يشمل كلًّا من الجهاز الهضميّ والبوليّ والتناسليّ، وأهمّ منها جميعًا الجهاز المَناعيّ الذي يحمي الجسم من الأمراض. تلك الأجهزة تتعطّل مؤقّتًا لتوفير طاقة الإنسان للتعامل مع سبب الخوف، والذي يمكن أن يكون أفعى سامّة أو سيّارة مسرعة، حيث يتحتّم عليك تجنّبهما لضمان سلامتك.

بيد أنّ إشكالية الوباء هي أنّه عديم الوجه والصوت، فهو حالة حاضرة حولنا ونبصر مشاهدها دون أن نتعرّف على الخصم الذي يُمثّلها. وهذا يُحوّل الخوف من الوباء نفسه إلى خوفٍ من شتّى المناظر التي ارتبطت في وعينا بمقاومته، والتي منها الطعام الصحيّ الذي جدّ على نظامنا الغذائي، والحرص على النظافة الشخصيّة والقفازات والكمامات، والمكث في المنزل، والأخبار التي تَزِنّ على مسامعنا، وغيرها الكثير من المشاهد التي بتنا نُعايشها في كلّ آنٍ.

ولأنّ العقل الباطن لا يُفرّق بين مصدر الخوف والمشاهد المرتبطة به، فقد يعمد إلى استثارة الاستنفار باستمرار، بحيث يغدو الخوف الآنيّ إلى خوف مُزمنٍ يتواصل حتى بعد زوال الخطر الذي سبّبه. ما يعني استمرار تعطيل الأجهزة الضرورية لسير الحياة بصورتها الطبيعيّة، وهو آخر ما نتمنّاه بعد زوال الخطر.

وهذا تحديدًا ما نُحذّر منه، وندعو للتوقّي منه، فزوال خطر الوباء لن يعني زوال الخوف الذي ارتبط بمشاهده في وعي الأفراد، خاصّة من لم يبلغ سنّ الرشد.

ولذلك، فإنّ أولياء الأمور تحديدًا تقع على عاتقهم أهمّية التنبيه المتكرّر، وبشكلٍ حِبّيٍّ وجذابٍ، على مفاهيم ضروريّة تتزامن مع عُزلة أبنائهم المنزليّة.

أوّل تلك المفاهيم هو تعميق الوعي الإيمانيّ لدى الجميع حتّى يُغرس في النفوس أن {لَنْ يُصِيبَنا إلّا مَا كَتَبَ اللهُ لنَا} وأنّ المرض – لو أصاب – اختبارٌ ربّانيُّ يُطهّر به العبد المؤمن من ذنوبه، ويُقوّي به جسده في المستقبل، وهو كلّه يجري بأمر الله تعالى وحده، لأنّ {ما أصَابَكَ لمْ يكنْ لِيُخطِئكَ، وما أخطأكَ لمْ يكُن لِيُصِيبَك}، كما علّمنا الحبيب صلى الله عليه وسلّم.

ثانيها أنّ العافية نعمة واجبٌ شُكرها، ومن ذلك الشكر الحفاظ عليها بتناول الطعام المُغذّي وممارسة الرياضة والتوقّي من أسباب الوباء، والحرص على إشاعة الأفكار والمشاعر المُتّزنة التي تساعد العقل والبدن على أداء وظائفهما الدفاعيّة عن الجسد ممّا قد يعتريه.

كذلك، فمن المهمّ التأكيد على أنّ أمر المؤمن كُلّه خيرٌ {إن أصابته سرّاء شكرَ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاءُ صَبَرَ فكان خيرًا له}، وعلينا أن نتعلّم أنّ هذه الحياة الدنيا دار اختبارٍ فحسب {وَإنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}.

*       *       *

لقد قال الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت عند تدشين عهده الرئاسيّ، والذي تزامن مع الكساد الكبير في القرن الماضي “ثمة شيءٌ واحدٌ علينا أن نخاف منه، ألا وهو الخوف نفسه”.

مقولة حكيمة نحتاجها اليوم بشدّة، لئلا تمرّ الأيام علينا وهو يتسرّب إلى نفوسنا، فتُضطر أجيالنا لاحقًا أن تدفع ثمن هذا الخوف.

اللهم آمن روعاتنا وتولّ أمرنا.

حَتّى تَقطعَ ذلكَ الحَبْل

عندما يولد الطفل يخرج معه حبلٌ جلديٌّ ممتدٌّ من رحم الأمّ التي أنجبته يتّصل بسُرّته وإليها يُنسب، ولذلك يُعرف باسم”الحبل السُّرّيِّ”. غرض ذلك الحبل توفير الغذاء والهواء للجنين أثناء وجوده في بيئة لا يمكنه استخدام الحواسّ والأعضاء التي أوجدها اللهُ سبحانه وتعالى له في جسده قبل خروجه إلى الحياة مستقلاًّ عن والدته، وهما في هذه الحالة الفمّ لتناول الطعام والأنف للتنفّس.

وظيفة هذا الحبل تنتهي بمجرّد الولادة، إذ إنّه يُعقد في أقرب موضعٍ منه لبطن الوليد بقطعة بلاستيكيّة تمنع دخول أيّ شيءٍ إليه بحيث يُؤثّر على صحة الوليد، ويُقطع الجزء الباقي منه، ومع مرور الأيّام وانعدام استخدام تلك القطعة الزائدة، فإنّها بدورها تضمر وتتحوّل إلى حالة من الموات بحيث تسقط بشكلٍ تلقائيٍّ من موضعها ليبقى أثرها في تلك السّرة التي نبصرها في البطن، بعدما أدّى ذلك الحبلُ وظيفته الماديّة المطلوبة في فترة الحمل.

إلا أنّ ما لا ينتبه له وُلاة الأمور – وأنا أشير إلى الآباء والأمهات بالدرجة الأولى، لا إلى القائمين على أمر الدولة، وإن كان الكلام قد ينطبق عليهم لاحقًا بدرجة أو أخرى – هو أنّ هناك حبلاً آخر لا تُبصره العيون وإنْ كانت نتائجه ماثلة لذوي البصيرة.

ذلك الحبل في حقيقته حبلٌ نفسيُّ يمتدّ بين ذاتِ الطفل الوليد وبين ذاتِ والدته التي ترفضُ التخلّي عنه وإطلاقه من إسارِ رحمِها العاطفيّ، فهو لا يزال يتزوّد بتلك المشاعر والأحاسيس التي تُمدّه بها تلك الأمّ. وهو وإن أضحى منفصلاً عنّها جسديًّا بحكم انقطاع الحبل السُّرّيِّ فإنّه لا يزال متّصلاً بها بقيد الحبل النفسيِّ الذي يأبى الضّمور ومن ثمّ الانقطاع لوحده، إذ إنّه ما فتئ يُستخدم باستمرارٍ منذ ساعة الولادة.

أثرُ ذلك الحبل النفسيِّ تجدُه في انعدام قدرة الطفل – الذي يكبر جسديًّا يومًا بعد آخر – على الاستقلال عن أمّه في كَيْنونتِه، فيبقى في نظر ذاته لنفسه، وكذلك في نظرها هي له ابنَها الذي لم يخرج بعد من رَحِمِها النفسيِّ، وهو ما تظهر علاماته عليه في حياته طيلة عمره، وتخرج شواهده على المجتمع ما بقي حيًّا، حتّى لو ماتت أمّه ودُفنت في قبرها. إذ إنّ ذلك التعلّقَ المَرَضِيَّ بالوالدة يستبقي الوليد – أيًّا كان عمره – في حالة جنينيّةٍ نفسيّةٍ يعجز معها عن ممارسة حياته الطبيعيّة في معزل عن مشاعر الأم وأحاسيسها التي قد تكون قاتلة بالنسبة له دون علم أحدهما بذلك.

تُبصر ذلك الحبل النفسيّ في حرص الوالدة على ابنها من أن يقع له مكروه لازمٌ في حياته، كأن يتعثّر عندما يحاول المشي لأنها لا تريد أن يُصاب بألمٍ.

تُبصره في دوام إرضاعها له حتى بعد أوان الفطام، وإطعامه وجبته حتى وإن أمسى قادرًا على تناولها بنفسه.

تُبصره في استبقائه إلى جوارها واستعادته دومًا إذا ابتعد عنها زحفًا أو حبوًا أو مشيًا أو دراسة أو وظيفة أو زيجة.

تُبصره في قراراته التي تبحث دائمًا عن “رضا الوالدين” وخاصّة “رضا الأم” الذي إن فاته فقد “يدخل النار” حتى وإن كان ذلك على حساب رغباته وطموحاته وآماله، لأنّ الجنّة – حرفيًّا كما يبدو – {تحت أقدام الأمّهات}.

تُبصره في تقديمه إيّاها على ذاته وأهله وعياله، لا من باب البرّ بالوالدين المأمور به شرعًا، بل من باب الشعور بالذنب تجاه أمِّهِ، دون أن يعرف ذنبًا حقيقيًّا ارتكبه في حقّها ما عدا أنّه أراد أحيانًا أنْ يعيش حياته هو لا حياتها هي فيه.

تُبصره في توقّعاته في زوجته التي “لا تطبخ مثل أمّه” و “لا تعتني بالأطفال مثل أمّه” و “لا تقوم بتدليله مثل أمّه”.

تُبصره في انعدام قدرته على أن يحيا سويًّا، قادرًا على الإنجاز، محتملاً المسؤوليّة سواء مع نفسه أو في علاقاته بالآخرين.

تُبصره في معاملته لأطفاله الذين يعانون من محاولاته الدائمة أن يعيش حياته الضّائعة من خلال حياتهم المأمولة، فيفرض عليهم ما كان عاجزًا عن ممارسته في حياته الباكرة لأن كان سيُغضب أمّه إن هو فعل ذلك.

تُبصره في شيخوخته المبكّرة التي تفرض عليه حياة من الأمراض الجسديّة والآلام العاطفيّة والصّدمات النفسيّة والفواجع الذهنيّة، لأنّه لم يتمكّن من تطوير جهازٍ وقائيٍّ من العدوى الشعوريّة أو تنمية قدرة شخصيّة على التعامل مع الآلام النفسيّة، لأنّه بقي جنينًا في رحمٍ لم يخرج منه إلى الحياة التي يواجه فيها تلك الأمور مواجهة الإنسان الطبيعيّ القادر على التعافي من كافّة العوارض التي تعنّ له في الحياة.

تُبصره في شعوره المُمتدّ باليأس، وعُمُره الغامر بالتسيير، وذاتِه التي بقيت طفلة لم تكبر، إذ لم يكن في استطاعتها ذلك وهي ما تزال جنينًا في ذلك الرحم النفسيِّ الضيّق.

تلك حياةٌ لا يؤسف كثيرًا على صاحبها عندما يموت… ذلك أنّها حياة بلا طعمٍ ولا نكهة، بل حالة من الموت عاشها صاحبها منتظرًا إلى أن يأتيه الأجل فيُوارى التُّراب، وذلك قبل أن يكون له دورٌ في حياته هو.

أختِمُ الكلام بالسؤال: هل هذه هي حياتك أنت؟ وإذا كانت كذلك، فما عساك الآن فاعل لتغييرها؟! ذلك أنّ {اللهَ لا يُغيِّرُ مَا بقَوْمٍ حَتّى يُغيِّروا مَا بأَنْفُسِهِمْ}، صدق الله العظيم.

كُلّما اقتربَ الموتُ

مقالة نُشرت قبل عشرة أعوام، تعاود الإلحاح اليوم.


كُلّما اقتربَ الموتُ

 

قبل بضعة أعوام، عَتِبت عليَّ إحدى زميلات العمل أنْ فات ما سمّتْهُ “عيد ميلادها” دون أن أقدمّ لها هدية أو أبارك لها تلك المناسبة.

ورغم أنني لم أعرفها آنذاك بالقدر الكافي، على الأقل ليس بما فيه الكفاية لأعرف تاريخ ميلادها أو حتّى أن أهتمّ به، فإنني أعلمتـُها أنني لا أرى ما يُسمّى زورًا وبُهتانًا “عيد ميلاد” مناسبة تستحق العناء ناهيك عن الإهداء. وكان مما قلتُه، فضلاً عما ينبغي مراعاته أصلاً في الجانب الشرعيّ، إنّ الناس في هذا اليوم يتوقفون ملتفتين للخلف للنظر إلى حيث اليوم الذي فيه وُلدوا، ولكنهم يتغافلون عن رؤية ما هو مقبلٌ عليهم وهو يوم الموت الذي بات أقرب مما كان عليه قبل عام، وعليه، فإنّ من غير المعقول لذي لُبٍّ حكيمٍ أنْ يُضيّفَ الناس كعكًا فيما هو يحتفي بيوم موته العاجل!

زميلتي تلك جاءتني بعد أيام تشكرني على المعروف الذي أسديته لها بحديثي عن حفل الميلاد، وقالت لي إنها نقلت كلامي لإحدى صديقاتها وهي تتعهّد ألّا تحتفل بهذه المناسبة مُطلقًا.

*         *         *

أذكر هذه الحادثة كلّما صادف يومُ ميلادي، وبناءً على موعظتي تلك، فإنّني دأبت على التوقف في تلك المناسبة لأسأل نفسي ذات الأسئلة التي أطرحها كلّ عام، فيما أقف على عتبة موتٍ ليس عنه محيد: ما الذي فعلته فيما مضى؟ وما الذي أهملته؟ وما الذي تنوي فعله في القليل الباقي؟

في هذا العام، قررت تصفية ما أسميه بـ(الصّداقات الفارغة).

فلقد كنت في السابق، مثل كثير من النّاس، أسعَدُ جدًا عندما أرقبُ قائمة العناوين في هاتفي النقال أو بريدي الإلكتروني تزدادُ يومًا بعد آخر. وكنت أظنّ، كما يظنّ الكثيرون، أنني بهذا أبني صداقاتٍ مع أناس جُدُد، وأوثقُ ما لديّ أصلا ً من صداقات.

لولا أنني اكتشفت، وبالطريقة الصعبة، أنّ كثيرًا من تلك العناوين ليس سوى أرقام تزيد بها القائمة، ولا تعني الكثير في عالم العلاقات الحقيقيّ، ذلك أنّها مُفرغة من الإحساس بالمسؤولية والالتزام الصادق تجاه من يوصفون بأنّهم أصدقاء أو أحبّة. ولو لم أكن دائمًا من يبادر بالاتصال أو المراسلة، لما كان بيني وبين بعضهم أدنى رابط لسنوات عديدة. وقد كان من بين أصحاب تلك الأرقام أو العناوين من لم يتواصل معي ولو مرة واحدة بعدما أعطاني رقمه بغرض “التواصل” كما زعم، بل إنّه لم يكن يجيبني أيضًا حتى عندما كنت أنا المبادر في ذلك. وإذا كان ثمة اتصال ما، فهو في الغالب لمصلحةٍ شخصيةٍ للمُتصِل، وليس للمُتصَل به.

بعض أولئك “الأصدقاء” تلقوا رسالة لم يألفوا مثلها مِنّي، مفادها أنني عزمت على إزالة أرقامهم وعناوينهم الإلكترونيّة والتي مفادها إنهاء العلاقة معهم بشكل أكثر وضوحًا وشفافية مع الذات، وذلك لما خبـِرته منهم من إهمال لما افترضته فيهم – واهمًا – صداقة وثيقة. ولأنهم استغربوا واستنكروا مني تلك اللهجة الجديدة فإنّي أعلمتهُم أنّ الحياة قصيرة بما فيه الكفاية، ولست مستعدًا بالتالي أن أضيّعها على من لا أحسبه يستحقّ أن أتحمّل مسؤوليّة الصداقة من جانبٍ واحدٍ تجاهه!

العجيب أنّ بعضَهم وجدَ من الوقت ما يكفي لكتابة رسالة أو حتّى رسائل مُطوّلة لتبرير التقصير الحاصل منه تجاه علاقة ما فتئت الهوة تزداد بيننا فيها. وبدا الأمر طريفًا عندما تكاثرت تلك المراسلات والردود في فترة وجيزة جدًا، لدرجة أنني أخبرتُ أحدَهُم في آخر الأمر “إنّ إمكانيّة أن أتلقى منك رسالة بدت أكبر بكثير عندما خاصمتك عمّا كانت عليه عندما صادقتك!”

أمّا من اعتذر وأراد أن يعيد بناء العلاقة مجددًا، فإنّني طلبته التمهلَ بضعة أسابيع أو حتى أشهر ليثبت له صدق رغبته في التواصل الحقيقيّ. وعللتُ ذلك برغبتي ألا تكون رغبته تلك محكومة بالعاطفة أو حتى الشعور بالذنب، إنما لأنه عازم على أن يتحمل التزامات تلك العلاقة. فالصداقة ليست كلها معشرٌ طيبٌ أو جلسة مؤنسة، فهناك ساعاتُ الغضَب وأوقاتُ الضِّيق وأيامُ العُسر، وكلها تحتاجُ صديقًا صدوقًا صادقَ الوعدِ مُنصفًا. وقد أثبتت التجربة بعد ذلك أنّ القليل من هؤلاء من صدق مع نفسه في إيفائه بوعد الصدق.

ذلك أنّ ممّا أُعلِّمه في دوراتي التدريبيّة الشخصيّة في مسألة التعرّف على الذات باستكشاف القيم الشخصيّة العُليا، أنّ المرء لا يُخصّص وقتًا أو طاقةً أو مالاً ليبذله في أمرٍ ما إلّا إذا كان ذات قيمة عُليا بالنسبة له. فإذا وجدت أنّك تتوانى عن ادّخار شيءٍ من ذلك وتتكاسل عن المبادرة لفعل شيء تجاهه (مثل التواصل مع شخصٍ ما) فإنّ معنى ذلك ببساطة أنّ ذلك الشخص ليس من ضمن قائمة أوليّاتك، ولا تجد له أهمّية في حياتك. وعليه فإنّ ادعاء أنّه “صديق” لا يتجاوز أن يكون شبيهًا بصداقات وسائل “عدم” التواصل الاجتماعيّ التي تُلصق ذلك التوصيف بكُلٍّ من ضغط زرًّا يطلب فيه إضافته لقائمة معارفك، لا أكثر!

وعندما يُدرك الواحد منّا ذلك، فإنّه سيتخفّف من الكثير من مشاعر الذنب وتأنيب الذات، لأنّه أوّلاً سيتعرّف حقًّا على ما يعتبره ذا قيمة في حياته، وكذلك لأنّه سيدرك أنّ تلك القائمة من الأسماء والعناوين ليست صداقات أصلاً، ولا ينبغي النظر إليها على أنّها كذلك. فالصداقة الحقيقيّة تبدأ مع الذات قبل الآخر وذلك بأن يكون المرء صادقًا مع نفسه، وإذا عجِز عن ذلك فسيكون في الصدق مع غيره أعجز.

*         *         *

لقد علّمني يوم ميلادي أنني ميتٌ لا محالة، وحيث يقول من مرّ بتجربةٍ قريبةٍ من الموت إنّ شريط حياتك يمر أمام عينيك في ثوان، فإنني أريد أن يحملَ شريط حياتي لقطات أحبّ رؤيتها قبل أن أوَدّعَ دنيانا هذه، وتلك الصداقات الفارغة قطعًا ليست من جملة ما أحبّ إنفاق عمري فيه.

ومما يُروى عن الإمام الحسن البصري رضي الله عنه أنه كان يسير في جنازة، فأشار إلى الكفن المحمول وسأل رجلاً بجواره: أتراهُ لو عادَ إلى الدنيا، أكان يصنع نفس ما صنع في حياته؟ (بمعنى تقصيره البشري في عمل الخير)، فأجابه الرجل مُستهجنًا ذلك: كلا! فقال له الإمام: فإن لم يَكن هُوَ، فكُنْ أنت!

للهِ ما أصدقها من مقولة: إن لم يكن هو، فلأكن أنا إذن!

*         *         *

كلّ عام يقتربُ فيه موتكم وأنتم لأنفسِكم أحبّ، وإلى اللهِ تعالى أقرب!

خَطيئةٌ اسمُها الخَدَم

تقديم

المقالة التالية سبقت بسنوات عدّة اللقاء الموجود في الموقع باسم خطيئة الخدم، وإن كانت معنيّة بنفس الموضوع وبنفس النَّفس الحاضر في الحوار الإذاعيّ.


خَطيئةٌ اسمُها الخَدَم

 

قبل بضعة أيام لفت انتباهي مشهد سيدة قطرية دخلت إلى مقهى راقٍ بصحبة خادمتها الآسيوية.

شعرت منذ الوهلة الأولى بالدماء تجري ساخنة في عروقي، لما خِلتُه سيكون نسخة مكرورة من تلك الحالات التي تدخل فيه أي عائلة عربية لتتناول طعامَها تاركة الخدم يعتنون بالأطفال على طاولة أخرى. وينتهي الأمر بالخدم أن يحصلوا على بقايا طعام الأسرة، أو – في أحسن الحالات – أرخص طبق في قائمة الطعام.

بيد أنّ الأمر – ويا للغرابة – لم يكن كذلك.

إذ إنّ الشابة القطرية أجلست خادمتها على الطاولة وذهبت بنفسها تطلب كأسي عصير لهما وطبقاً من كعك الجبنة (cheesecake) غالي الثمن للخادمة. ورغم أنّني لم ألحظ حديثاً من أيِّ نوع يدور بينهما، إلا أنّني لمحتُ ابتسامة الخادمة عدة مراتٍ، وهو أمرٌ يندرُ حصوله بين الخدم وأرباب العمل في محيطنا العربيّ.

لم أستطع منع نفسي من التوجه إلى الشابّة القطرية عندما توجّهت لدفع الحساب لأشكرها على حسن صنيعها مع خادمتها. ورغم أنّها جَفلتْ مِنّي في البداية، ربّما ظنًّا منها أنّني أعاكسها، فإنّها بَدَتْ مرتاحة أكثر عندما عبّرت عن استحسانيْ معاملتها الآدمية للخادمة، وحقيقة أنها تعاملت معها على أنها إنسان بِغَضِّ النظر عن جنسيتها أو طبيعة عملها. وختمت كلمتي لها بأنْ سألت الله تعالى أنْ يُيَسِّر لها أبناءَ حلالٍ من أمثالها في درب حياتها، وانصرفت.

*       *       *

لا يحتاج المرءُ أن يكون مطلعاً على إحصائياتٍ أو دراسات اجتماعية في عموم الوطن العربي ليتعرف على بشاعة وضع العمالة الأجنبيّة (الآسيوية والأفريقيّة تحديدًا) فيه، فنماذج ذلك الوضع غير الإنساني ماثلة حيثما التفتنا. وما يجري على نطاق المؤسسات – الخاصة والعامة – ليس أفضل بحال مما يجري على نطاق الأفراد والأسر.

حسبك من ذلك ضيق الغرف المخصصة للخدم في منازلنا (دعك من سكن العُمّال). فغرفة الأجير (الخادمة، المربية، السائق، وغيرهم) لا يمكن أن تصل إلى نصف مساحة غرفة أصغر أبناء الأسرة المقيمة في نفس المنزل. وأعرف عن بعض أقربائي أنهم يستخدمون خادمتين اثنتين في جميع حاجاتهم في المنزل، بما في ذلك جلب كوب ماء أثناء تناول الطعام، ورغم ذلك فإنك لو فتحت باب الغرفة التي تسكنانها كلتاهما أثناء نومهما لضرب مصراع الباب رأسيهما المستلقيين على فراش على الأرض!

ناهيك طبعاً عن ساعات العمل الطويلة والمنهكة التي يدفع أرباب العمل خدمهم إليها منذ الصباح الباكر. فتجدهم أوّل من يستيقظ، وأطول من يعمل، وأقلّ من يأكل (مع ملاحظة أنهم يأكلون طعامنا الذي قد لا يناسبهم بالضرورة) وأكبر من يعاني، وأكثر من يُطلب، وأدنى من يرتاح، وآخر من ينام!

طبعاً، سيجادل البعض قائلاً: وما حاجة الخادم في غرفة كبيرة، أو وقت فراغ؟ وكأنّ الأجير يبنغي عليه أن يوقف حياته بأسرها لأهل البيت الذي يعمل فيه، ولا حقّ له في وقت يرتاح فيه أو يشاهد التلفاز أو حتى يخلو فيه إلى نفسه دون أن يشعر بالاختناق من ضيق الغرفة بينما يكدح ليعيل أسرته في ضيق الغربة.

ومجرد طرح أسئلة كتلك (وأنا لم أتحدث عن الرواتب المتدنية بعد) يشير إلى نظرتنا المختلة لمفهوم الإنسانية عندما تصبح جنسية الشخص أو مرتبته الاجتماعية أو مهنته سَدًّا يحول دون إدراكنا إياها.

هل يحقّ لنا، إذن، أن نستغرب بعض التصرفات الدونية التي يقوم بها بعض الخدم بحق أطفالنا؟ ولا شك أنّ كلاً منا اطلع ولو مرة واحدة على مقاطع مصورة لتصرفات بعض الخدم التي تعدم الإنسانية مع أطفال رُضَّع أثناء غياب الكبار عنهم.

لست أدافع – يقيناً – عن أولئك الخدم الذين عدموا الرحمة في قلوبهم، ولكني أرجو في المقابل حلّ المشكلة من جذورها؛ ألا وهي أن نعالج معاملتنا غير الإنسانية للكثير من الخدم. فانتقاص حقوقهم الإنسانية، ناهيك عن المهنية والشخصية، هي ما يدفع أكثرهم إلى صبِّ انتقامهم من كفلائهم على الأطفال العاجزين عن الشكوى. وصدق أبوالفتح البُسْتيِّ حين قال:

أحسِنْ إلى الناس تستعبدْ قلوبَهمُ        لطالما استعبدَ الأنسانَ إحسانُ

لقد أعطانا سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه درساً في حلِّ مشكلة كتلك، عندما جاءه أحد أثرياء المدينة المنوّرة يطلب منه قطع أيدي بعض عماله الذين سرقوا من بستانه في عام الرمادة (المجاعة). فما أن علم أمير المؤمنين بِعَوَز أولئك الأجراء وجوعهم رغم إيفائهم رب العمل حقه، حتى صاح آمراً ذلك الثري الجشع أن يطعم جوعتهم، وهدّده بقطع يده هو إذا اضطرهم بسبب الجوع للسرقة مجدداً.

ما نفعله بحق الخدم يعطينا مؤشراً على حجم التجبر والطغيان في نفوسنا، إلا أن ثمة سبباً يمنعنا من رؤية تلك الحقيقة، وتتمثل في أننا لا نملك دولاً نحكمها حتى يتحول الواحد منا إلى شبيه لفرعون.

*       *       *

وحتى نصل إلى علاج، فأزعم أننا نحتاج إلى استعادة مفهوم صحيح للإنسانية، مجردٍ من توصيفات الجنس والجنسية والدين والمستوى المعيشيِّ. ذلك أن الرفاهية في مجتمعاتنا، الخليجية تحديداً، أعمتنا عن المشترك الإنساني بيننا وبين من تغربوا عن أوطانهم وأهليهم بسبب الحاجة ليقوموا لنا بسائر شؤون حياتنا.

ويسبق ذلك الأمر، فإن إدراكنا لديننا الحنيف يحتاج إلى مراجعة شديدة في هذا السياق، كما هو الحال في أمور أخرى كثيرة. ذلك أن التدين المعاصر بات في عمومه قاصراً على أداء الشعائر وممارسة الطقوس الدينية، فيما تجاهل حقيقة أنّ (الدِّينُ المُعَامَلة) كما بيّن العلماء. و(المُفلِسُ) كما عرَّفهُ لنا نبي الإسلام ﷺ هو الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ولكنه طغى على حقوق العباد بأن شتم وقذف وسفك دماء الناس وأكل مالهم وضرب ضعيفهم {فيُعطى هذا من حسناتِهِ وهذا مِن حَسناتِهِ، فإن فنِيَتْ حسناتهُ قبل أنْ يُقضَى ما عليهِ أُخِذ من سيئاتِهمْ فطـُرحَتْ عليهِ ثمَّ طـُرحَ فِي النَّار}.

لقد وجّه إلينا الحبيب عليه الصلاة والسلام توجيهات واضحة ودقيقة حيال كيفيّة النظر إلى الأجراء ومن قبلهم العبيد والأسلوب المتوافق مع شرع الربّ تقدّس في عُلاه في معاملتهم، فقال {إخوانُكم خَوَلُكُمْ، جَعلهُم اللهُ تحتَ أيدِيكُمْ، فمَنْ كانَ أخوهُ تحتَ يدِهِ فليُطعِمْه مِمّا يَأكلْ، وليُلبِسهُ مِمّا يَلبِسْ، ولا تُكلّفُوهُم ما لا يُطيقونَ، فإنْ كَلّفتُمُوهُم فَأعِينُوهُمْ}.

إذن، هم إخواننا أوّلًا قبل أن يكونوا خَوَلنا (أيْ من يُصلحون شؤوننا ويتخوّلون رعاية أمورنا) وعلينا بالتالي أنّ نحبّ لهم ما نحبّ لأنفسنا حتى نستكمل الإيمان، وهم بعد ذلك تحت أيدينا فنحن رُعاة لهم وواجبنا نحوهم هو مساواتهم بنا في المأكل (الذي يناسب كلينا) والملبس (فليس ثمّة لباس يُميّزهم عنّا كما هو حاصلٌ مع الخادمات الآن) ونحنُ ممنوعون من تكليفهم بما لا يطيقون من الأعمال سواء بالكمّ أو الكيف، وإن حصل من ذلك شيءٌ فواجبنا إعانتهم في كافّة تلك الأعمال. فليس ثمّة عُذرٌ يمكن قبوله لتبرير المعاملة غير الآدميّة التي نشهدها بين ظهرانينا، وإلّا كُنّا لهم ظالمين.

وحيث كانت آخرُ وصية له عليه الصلاة والسلام هي {الصَّلاةَ، الصَّلاةَ، وما مَلَكَتْ أيمانُكُم}، فما عساه يقول حين يرانا نعامل الأجراء معاملة نهانا أن نعامل بمثلها العبيد؟

*       *       *

آخر الكلام، قول خير الأنام، عليه الصلاة والسلام {مَنْ لا يَرحَمْ، لا يُرحَمْ}.


خطيئة الخدم

ماذا سَيَفعَلُ الأمرِيكِيُّ؟

تَظنُّ كثرةٌ كاثرةٌ من المسؤولين الكبار لدينا أنَّ جلب موظفين أمريكيِّين، أو غربيِّين “بيض” على العموم، هُو ما سَيَحُلُّ مشاكلنا. وهذا الظنّ يتجسّد في الحرص على تقديم الغربيِّ على غيره في المناصب القياديّة والتي تحتاج إلى خبرةٍ وحُسنِ إدارةٍ وأسلوبِ عملٍ مِهَنيٍّ، وهو ما يتِمُّ بِغَضِّ النّظر عن حقيقةِ مؤهلاتِه وخبرتِه مقارنة بغيره من الجنسيّات الأخرى، ناهيك عن أبناء الوطن.

ولأنّ {بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}، فإنّ من المُفيد البحث في مِصداقيّة هذه النَّظرة ومدى توافقها مع واقع الحال. ذلك أنّ أولئك المسؤولين يَرون في المدافعين عمّن يعتبرون أنفسَهم ذوي حقٍّ في تلك المناصب دونًا عن نظرائهم من الغربيين، إنّما ينطلقون من نظرةٍ عصبيَّةٍ في مسألةِ الانتماء لا مسألة الكفاءة. وحتى لا نكون ضمن قائمة الاتهام تلك، فإننا نعرض هذا المثال، للوصول إلى ذلك المآل.

*      *      *

ذات مرّةٍ دُعيتُ إلى عشاءِ عَملٍ مع صديقٍ أمريكيٍّ يَشغلُ مَنصِبًا في وزارة خارجيّة بلادهِ إلى مطعمٍ تابعٍ لفندقٍ عالميٍّ مشهورٍ، مُرصَّعٍ بالنُّجوم الخَمسِ على مَدخلِهِ.

وَرَغمَ أنّ المواصفات سابقة الذِّكرِ تُوحيْ بأنّها تجربةٌ “لتذوّق الجَنّة” فإنّ التجربة نفسها لم تكن تمامًا كذلك. فرغم أنّ نادلة الاستقبال في المطعم قادتنا إلى طاولة بعينها، فإنّنا انتظرنا بضعَ دقائق حتى جاءنا أحدُهم بقائمةِ الطعام، وانتظرنا بضع دقائق أخرى حتى جاءنا من يأخذُ مطلوبنا.

الانتظار لم يكن وحده السِّمة المُميزة للتجربة، فعندما جاءتنا الأطباق الرئيسية، لم يُكلّف أحدٌ من النَّدَلة نفسَه بتنظيفِ الطاولة من فُتات الخبزِ المُتناثر جَرّاء تناول المقبّلات، فَضلًا عن أنّ أحدًا منهم لم يَعرِضْ علينا تغييرَ طاقم الفِضّيات باعتبارِهِ جُزءًا من تقاليد المطاعم العريقة.

ورغم تناوب نحو خمسةٍ من نَدَلَةِ المطعم، بِرُتبٍ وأجناسٍ وجنسياتٍ مختلفة على خدمتنا، فإنَّنا اضطُرِرنا للتّصويتِ عليهم مَرّات عِدَّة بما بدا أقربَ إلى الصُّراخ رَغمَ قُربِهِمْ مِنّا، وذلك حتى نُعطيهم حسابَهُم!

ورغمَ كُلِّ ذلك، وَطِبقًا للعُرف الأمريكيِّ، فإنّ مُضَيِّفي تَرك مَبلغًا مُعتبَرًا من المال لفاتورةٍ باهظةِ الثَّمَن أصلًا، خاصَّة إذا قُورِنَتْ بِكَمِّيَّة الطعام المُقَدَّم!

*      *      *

الآن، كيف تعنينا هذه القصَّة في التّحقّقِ من مِصداقيَّة ظنّ مسؤولينا الكرام بخصوص القدرات التي يحسبونها استثنائيّة لدى الأمريكيِّ عن نظيره العربيِّ؟

نحتاج للإشارة في هذا السِّياق إلى أنَّ نظامَ الخدمة في مطاعم الولايات المتحدة يختلفُ عَمّا لدينا هنا.

فالعُرفُ السَّائدُ يَقضيْ بأنَّ النّادل هُو الوجهُ الذي يَعتني بضيوف المطعم وراحتهم، فيما يعتني الطباخون بطعامهم، ممّا يعني أنّ نظام العمل يُفرِّق بداية بين جُودةِ المُنتج (المأكل والمشرب) وجودةِ الخدمة (أسلوب التقديم).

ولذلك فإنّ إدارات المطاعم هناك تدفعُ مبالغَ معتبرة للطَّبَّاخين (كبير الطباخين – المعروف بـ”الشيف” – على وجه الخصوص) لضمان جودة الطعام المُقدّم للزبائن. ولذلك فإنّ لديك الحقّ – أيُّها الزّبون – في إرجاع طبقك إذا لم تجده موافقًا لتوقعاتك، إذ إنّ إدارة المطعم مسؤولة عن جودة أداء طبَّاخيها.

أمَّا النّدلة، فإنَّهم في الغالب يحصلون نظير عملهم من إدارة المطعم على دولارات لا تزيد أحيانًا عن ستة أو سبعة دولارات للساعة الواحدة. ورغم هذا فإنّ كثيرين منهم يَجنُون مبالغَ معتبرة في كلّ يوم عمل، لدرجة أنّ بعضهم يمكن أن يحصل على بضع مئات من الدولارات في الورديّة الواحدة.

نظام العمل والرواتب هذا تصاحبه سياسة (نادل لكلّ طاولة) ومن خلاله يتمّ تخصيص طاولاتٍ بعينها لكلِّ نادلٍ ليُلبِّي احتياجات جُلّاسِها، وهذا التخصيص يشمل حصول النادل على كامل الإكراميّة المَتروكة مع فاتورة الحساب. وفي حين يَضمَنُ الطّبّاخُ لقمةَ عَيشِهِ بإتقانِ فَنِّهِ في الطبخ، فإنّ النّادل يسعى جُهدَهُ لِنَيْلِ رِضا الزّبون بحيث يدفعُ له هذا الأخيرُ استحقاقَ رعايتِه له أثناء تجربة تناول وجبته.

ولهذا فإنّك في مطاعم أمريكا تجدُ أنَّ النّادل بعدما يقودُك إلى طاولتك يُعرّفُكَ باسمِه أوَّلًا حتى لا تعتازَ للطَّلَب من غيرِه، وأنت على الأرجح ستراه حاضرًا كُلّما احتجْتَه، وأحيانا حتى عندما لا تحتاجه، فهو يُدرِكُ جيدًا أنّ راحتك على الطّاولة تعني مَزيدًا منَ الكَرَم منْ لَدُنكَ لِأجْلِهِ.

هذه الثقافة معدومةٌ تمامًا لدينا حتى في مطاعم النجوم الخمس، إذ إنّ العاملين في المطعم يجمعون إكراميّات الزبائن ويتقاسَمونها بينهم مع نهاية وَردِيَّاتِهم.

والفرقُ بينَ هذا النظام والنّظام الأمريكيّ أنّ نظامَهم يكافئُ العاملَ تبَعًا لجُهدِه وإتقانِه، أمّا عندنا فإنّه يعنيْ مُساواة المُحسنِ بالمُسِيء، وما يترتَّبُ على هذه السّياسة فعليًّا هو أنْ يُعاقِبَ المُحسنُ بإعطائِه أقلَّ مِن حقِّهِ، ويُكافِئ المُسِيءِ بِنَيْلِه ما لا يَستَحِقّ. ويَتِمُّ بذلك تكريسِ قِيَمِ اللامبالاةِ وانعدامِ الدَّافعيَّة، بِمَا أنّ الجميعَ يقفون على قَدَمِ المُساواةِ عند كَرَمِ الزُّبون، سواءٌ فيهِم باذلُ الجُهدِ والمُخلِدُ إلى الأرض.

إذن، الأمرُ قائمٌ على نظامٍ مَبْنِيٍّ على رُؤيةٍ واضِحَةٍ ومُتكاملةٍ للأمورِ في بلادِهِم، وليسَ مُتعَلِّقًا بِزُرقَةِ عُيُونٍ أو شَقارِ شَعرٍ أو بَياضِ بَشرةٍ.

وَليسَ أدلَّ على ذلك من أنّك ترى الغربيّين يعجزون عن إنجاز مثل ما يُمكنهم فعلُه في بلادِهم عندما يَعملونَ بينَ ظُهرانينا، فأنظمةُ العملِ المُتعارف عليها هنا تلتزمُ بالرُّوتين أكثر من التزامها بالإنجاز. وعليه، فإنّ الأشخاص، أيًّا كانت جنسياتهم، سيبقون حَبيسِي تلك الأنظمةِ واللوائحِ مَهمَا بَذَلوا من جُهد.

وَمِن غيرِ أنْ تَتَّضِحَ رُؤى مؤسساتِنا وغاياتِها، ويَتِمُّ تغييرِ أنظمة عملها، وتَتطوَّر أساليب تفكيرِها الإداريِّ، فإنَّ العَجزَ سيكونُ مصيرًا محتومًا لِمَن يعمل على الوصول، مَهما كانَ جِنسُه أو جِنسِيَّته.

*      *      *

لَعَلّ الشاعر الراحل محمود غنيم عبّرَ عن شيءٍ من ذلك المعنى حين قال:

مَا حِيلة العُصفورِ، قَصُّوا رِيشَهُ      وَرَمَوْهُ فيْ قفَصٍ، وَقالوا: غَرِّدِ!

وإذا كان هذا حالُ العصفور، فما عساه يفعل الأمريكيُّ؟

قصّةُ إسلامي

عندما وَعيت على الدنيا مسلماً، لم يَدُر بخَلَدي أنّي سأسلم مرة أخرى.

ودعوني أخبركم كيف حصل ذلك، والأهمّ منه: لماذا!

في صيف عام 1994 قُدّر لي أن أزور المملكة المتحدة للمرة الأولى، وكانت تلك رحلتي الأولى لبلدٍ غربيٍّ في حياتي. كنت أثناءها أدرس اللغة الإنجليزية في جامعة قطر، وسافرت بتمويل من المجلس الثقافي البريطاني للالتحاق بدورة لتعلّم اللغة الإنجليزية والتعرف كذلك على الثقافة البريطانية.

عندما وصلت إلى مدينة إكستر عاصمة مقاطعة ديفون (Exeter, Devon) كنت أشتعل حماسةً لعرض الإسلام على كل من ألاقيه من الطلبة والمدرسين والعامة! كان الخطاب الإسلامي حينها، ولعله ما يزال، ينشر صورة ذهنيّة غير دقيقة عن الخواء الروحيِّ في الغرب، وهو الذي يجعل الناس يقبلون على الإسلام بشكل مذهل بمجرّد أن يُعرض عليهم، بمعنى أن أحدهم ما أن يسمع عن سماحة ديننا وعظمته حتى سينطق بالشهادتين مُتجاهلًا مِتع الحياة الدنيا التي يعيشها من لحظته. وبناء على تلك الصورة الزائفة، فقد ارتسم في مخيلتي أنني سأجد الناس هائمين على وجوههم بحثاً عمن يرشدهم إلى الصراط المستقيم، وأنّني لن أكون بحاجة سوى أن أقولَ لأحدِهم (أسلِمْ، تسلم)، حتّى أراه يعتنقني مُهلّلًا ومُكبّرًا! خاصة وأنا أستحضر مقدار الأجر الذي سينالني كما ورد في حديث المصطفى ﷺ {لئِنْ يَهْديْ بكَ اللهُ رَجُلاً واحداً خيرٌ لكَ مِمّا طلعَتْ عَليهِ الشَمس}.

طبعاً، لم يكن الواقع تماماً كما تخيلته، أو بالأحرى تمنّيته، لكن ذلك لم يعقني عن تصيّد أي مناسبة مباشرة أو غير مباشرة للحديث عن الإسلام. حتى أصبح معروفاً لدى الجميع أنّني إذا جرى الحديث عن الثقافة فسيكون الإسلام محور حديثي، وإذا سُئلت عن حياتي فسيكون الإسلام هو جوابي، وإذا تحدث محاضرٌ عن معالِم الحياة في بريطانيا فإنني لا بُدّ أن أجد طريقة لِأُقحِم الإسلام في الموضوع.

ومن الطبيعي أنّ النتيجة هي أنّ أحداً لم يسلم على يدي! بل أحسبني شوّهتُ صورة الإسلام وربّما بغّضته في قلوب بعض من تحدثت إليهم. ذلك أنّني افتقرت إلى الكثير من متطلبات الحكمة والرفق في دعوتي.

بيد أن الحادثة الأبرز والأهمّ بالنسبة لي جرت مع اقتراب نهاية الدورة، حيث كان مجرى الحديث بين مجموعة من الزملاء حول اختلاف معتقداتهم، والنتيجة التي وصلوا إليها كانت أهمية أن يحترم المرء دين الآخر بِغَضِّ النظر عن مدى قناعتنا نحن به.

أوشَكْتُ أن أتدخّل لأقول إنّ من المهمّ أن يتأكد المرء من صحة اعتقاداته أولاً، حتى لا يكون تابعاً لما أمْلته عليه ظروفُ نشأته والبيئة التي عاش فيها، وكنت بالطبعِ أتأمل أن يفتح ذلك التعليق باب السؤال في نفوسهم حول صحة معتقداتهم، ومن ثمّ العودة لي حتّى أناولهم البلسم الشافي.

لكنّني – ويا للغرابة – لم أقلْ شيئاً البتة.

ما أوقفني عن السؤال كان خشيتي أن يسألني أحدُهم عن مدى تطبيقي لما أعظ به. أوَلستُ مُسلماً سُنياً لأنني وُلدت ونشأت في بيئة تدين بالإسلام، وكان ذلك مذهب أهلي ومجتمعي؟! فبأيِّ شيء أختلف عنهم إذن، فيما أنا واقع في نفس دائرة الاتّهام!

كانت تلك الحادثة نقطة مفصليّة فارقة في حياتي.

لم أحَدّث أحداً بعدها عن الإسلام، بل كنت أقرب إلى الانزواء بنفسي عن مخالطة الآخرين. كنت أعرف أنّني مؤمنٌ بالله تعالى ودينه ونبيّه وكتابه، ولكنّ مشاعر مختلفة بدأت تمور في داخلي حول حقيقة إيماني ذاك، وما إذا كنت قد آمنت بقلبي وحده دون أن يكون عقلي شريكاً في ذلك.

عندما عدت إلى قطر عزمت على البحث من جديدٍ عن الدّين الحقّ.

بدأت البحث أوّلًا في إيماني بالله سبحانه وتعالى، وكانت خلاصة بحثي استبعاد كلّ الديانات غير السماوية، لأنّ مفهوم (الإله) عندها قاصرٌ عن الكمال المُطلق الذي ينبغي للخالق سبحانه أن يتّصف به، وإلّا فلن يكون جديرًا بصفة الربوبيّة ولن أكون قادرًا على تقبّل العبوديّة له.

ثم تعمّقت في ديانتي أهل الكتاب، فوجدت اليهودية ديانة ماديّة أقرب إلى العُنصرية، ووجدت المسيحية مفرطة في العناية بالروح دون الجسد، ناهيك عن إشكاليّاتٍ رئيسة تمتنع على العقل في مسائل الاعتقاد الخاصة بالتثليثِ والخطيئةِ الأولى والمسيح المُخلص!

لكنّ ذلك لم يعن أنّ الرحلة انتهت، فرغم تزايد ثقتي بأنّ الإسلام هو الدين الحقّ، فإن البحث ظل مستمراً بخصوص مذهبي (سنيٌ أم شيعي) والمدرسة الفقهية التي أتّبع (حَنفيٌّ أم مَالكيٌّ أم شافِعيٌّ أم حَنبليٌّ) ومن بعد ذلك البحث في التوجهات الفكرية، وحتى الحزبية، المعاصرة التي يمكن أن تأخذني من صحراء التّيه إلى الحقيقة.

ووجدت أثناء ذلك كله الكثير مما يتنافى مع روح الدين الحنيف ومع العقل الذي أمرنا الربّ سبحانه في كتابه بالاهتداء به.

وجدت بعض ما أدخل على الإسلام وليس منه في شيء.

وجدت الآراءَ التي فُرضت علينا باعتبارها من صُلب الدين، ولكنّها لا تعدو كونها اختياراً فقهياً أو فكرياً لعالم جليل أو مُفكر مُبرز (وأحياناً لم تكن حتى تنتمي إلى أيّ من هذين!).

وجدت مساحاتٍ يجوز الاختلاف فيها، وأنها ليست قطعية النصّ والدلالة كما يزعُمها أتباع هذا المذهب أو ذاك.

بل وأكثر من ذلك، وجدت الكثيرين ممن يتحدثون عن الإسلام وباسمه، بينما يجهلون حقيقته وروحه، وأنهم يفكّرون ويتصرّفون مثلما فعلت أنا عندما ذهبت إلى الغرب للمرة الأولى في حياتي.

عرفت عندها سبب تأكيد القرآن على العقل، وإشاراته المتكررة إلى أولي الألباب. وصارت للكثير من الآيات معنى حقيقياً يلامس إدراكي، مثل نقد القرآن الكريم الكفار كلما قالوا {إنّا وَجَدنا آبَاءَنا عَلى أمّةٍ وإنا عَلى آثارِهِمْ مُقتدُونْ} لأننا صرنا نسير على هدي أبائنا دون تمحيص، فاعتبرناه من المُسلمات لا لشيءٍ سوى أنّه كان أول ما سمعناه في طفولتنا الغِرّة!

كانت رحلة متعبّة وشاقّة، بيد أنّها وإن بدأت ببذور الشكّ، فإنّها انتهت إلى ثمرة اليقين، والحمد، كلُّ الحمد، لله تقدّس في عُلاه.

بعدها بثلاث سنوات كُنتُ في زيارة أخرى إلى نفس البلد ونفس المدينة ونفس الجامعة. لم أكن واعيًا لذكرى تلك الواقعة الأولى حين وجدتني أسير في نفس المكان الذي دار فيه حوار احترام الأديان ذاك. وقفتُ مبتسماً وأنا أستذكر ما جرى من حديث لم يكن لي فيه نصيبٌ، وإن بتّ أحسب أنّني كنت الرابح الأكبر منه.

تنفست عندها بعُمقٍ وارتياحٍ بالغين، وقلت بصوتٍ مسموعٍ “أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهَدُ أنّ مُحَمّداً رَسُولُ الله“.

كانت أروعَ شهادة قلتُها في حياتي، لأنّني غدوت بها مسلماً باختياري، لا بالولادة فحسب!

اعتذارٌ لِلجيلِ المُقبِلِ

اعتذارٌ قديم، لا يزالُ واجبَ التّقديم…

 

اعتذارٌ لِلجيلِ المُقبِلِ

 

أعلم أنني لا أمتلك حقَّ الحديث نيابة عن أحد بعَيْنِه، ناهيك عن جيل بأكمله، ولكنني أرى أنّ الجيل المقبل يستحقُّ اعتذاراً خالصاً مِنّا، خاصَّة مع انصرام عام ميلادي ودخول آخر. ذلك أنَّنا لم نسمع مِمّن قبلنا اعتذاراً عما اقترفته أيديهم بحقِّنا، سواء من الناحية الماديَّة أو الفكريِّة. وعليه، فإنّ أقلّ ما يمكن أن نقدِّمه للجيل المقبل، بينما نُحمِّله مسؤولية المواصلة، هو التماس الصّفح عن سوءاتنا وأخطائنا في حقِّه.

*       *       *

يا أبناء الغد..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..

قد لا تجدون في شخصي المتواضع سبباً يدعوكم لقبول هذا الاعتذار الذي نصَّبت نفسي نائباً عن جيلي في إبلاغكم إياه. وهذا يقيناً حقُّكم. لكنّ ما يدفعني إليه هو ثقتي أنّكم لن تتمكّنوا من قراءة حاضركم والعمل لمستقبلكم (أفراداً وأمة) إلّا إذا اسْتَقَيتُم دروس ماضيكم، واتَّعظتم من عِبَرِ تاريخكم.

ذلك الماضي، وذلك التاريخ الذي ستواجهونه يوماً ما، إنَّما هو حاضرنا الآن. هذا الحاضر الذي نعيشه نحن هنا والآن، دون أنْ نبصر حقّ من يأتي بعدنا في الحياة الكريمة.

إنّ اليأس يا أحبتي هو السِّمة الأبرز لعصرنا. اليأس من أن يطرأ علينا أيُّ تغيير من أيِّ نوع. لقد بلغ بنا اليأس مبلغاً حتى أصبحنا لا نرى بالإمكان أبدع مما كان، وباتت خلاصة أمثلتنا تقول (أمسك مجنونك، حتى لا يأتيك من هو أجنّ منه)، وذلك ثقة مِنّا في أنّ ما سيأتي لا بد أن يكون أسوأ مما هو كائن. وأيّ خير يُرجى من قوم يرتعون في المهانة بين الشعوب، ويدوس على كرامتهم كلُّ سافل، وقد انتزع منهم شعورهم بالمواطنة، بل بالإنسانية أحيانا، بينما يدعون قائلين: “الله لا يغير علينا”!

فإنْ كان ثمّة مرض أنتم بحاجة إلى علاجه فهو هذا الوهن الذي أصاب أرواحنا، والعجز الذي قيد إرادتنا، والقنوط الذي استلَب الأمل من أنفسنا.

ولكن الأمر في حاضرنا ليس قاصراً على اليأس وحده يا أحبتنا، فالعقل العربي/ المسلم أمسى واحداً من عوائق يقظتنا. فلقد تراكم على هذا العقل مئاتٌ من سنوات التخلف الذي ورثناه عن أسلافٍ لنا، وأبَيْنا أنْ ننسلخ عمَّا لحق به من دَنَسٍ في المنطق والتفكير السليم.

ولست أقول إنّ كلّ ما ورثناه ممّن سبقونا بالإيمان كان شراً، ولكننا أخطأنا – كما أخطأ بعض من كانوا قبلنا – بأن أسبغنا على كل ما ورثناه صفة القدسيّة، وأخذنا به ظناً بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

لقد عجزنا – كما عجز بعض أسلافنا – عن التفريق بين التقدير لأشخاص علمائنا وأدبائنا ومفكرينا، وبين التقديس الذي أضفيناه عليهم وعلى آرائهم وأقوالهم وأفعالهم التي كانت وليدة زمانها وبيئتها. فاختلَّ لدينا عالم أفكارنا، واختلطت رؤانا، وعجزنا عن إبصار طريق تقودنا إلى مبتغانا.

لذلك أقول لكم، لا تقعوا في نفس الحفرتين اللتين انقسم أبناء جيلنا فيهما؛ فوقع بعضهم في حفرة التقديس المفرط لتراثنا، برغم ما فيه من سوءات وأخطاء، فيما وقع آخرون في حفرة الجحود المطلق له، برغم ما يعمُر به من الحقِّ والنُّور. ولقد صدق من قال: إن الحقَّ فضيلةٌ بين رذيلتين. فلا تجنحوا إلى التطرف، لا في الدين ولا في الدنيا، فإنه لا يأت بخير.

وجدير بكم أثناء عملكم على تغيير واقعنا المرير أنْ تتذكروا أنَّكم بشر، والبشر بحاجة إلى تنظيم علاقاتهم فيما بينهم، سواء كانت بين ذوي القربى، أو الجيران، أو مع أتباع المذاهب والأديان الأخرى، أو بين الرئيس والمرؤوس، أو المواطن والدولة، أو الأمة وغيرها من الأمم. ذلك أنّ اختلال هذه العلاقات، خاصة مع من يخالفكم الرأي أو المنهج، هو ما يؤدِّي إلى الفرقة والاختلاف. وقد قال أحد أدبائنا مفسراً سبب حاجة الأمة لعلاقات تساعدها على الوحدة قائلًا:

تأبَى الرماحُ إذا اجتمعنَ تكسّراً       وإذا افترقنَ، تكسّرَتْ آحادا!

إنّ النهضة التي نرجوها لأمتنا يا جيل الغد الواعد، تبدأ من دواخلنا؛ عندما نغير طرائق تفكيرنا، ونُحسن فهم ديننا، ونُدرك حقيقة ثوابتنا، ونَعِيْ واقع حياتنا، ونُؤسِّس لعلاقات قائمة على المبادئ فيما بيننا أفراداً وجماعات ومؤسسات ودول. ودون ذلك، لن تقوم لأمتنا قائمة. وإنّ الغد لن يكون مشرقاً إلا إذا عزمتم أنتم أنْ تستخرجوا له شمس نهضتكم.

*       *       *

يا أبناء الجيل المقبل..

لا ترضوا بنا عائقاً للتغيير الذي تريدون، أو عثرة أمام النهضة التي تبنون. واجعلوا من يأسناً سبباً لأملكم، ومن ضعفنا دافعاً لقوتكم، ومن فرقتنا حاجة لوحدتكم، ومن تخاذلنا عِبرة لعزيمتكم، ومن شَكِّنا يقيناً لإيمانكم.

لقد كنا دائماً نرمي بالمسؤولية على عواتق غيرنا. لم نكن يوماً مسؤولين بما فيه الكفاية لتحمُّل نتيجة أخطائنا، إلا من رحم ربِّي. ولم ندرك أنَّ التجربة الإنسانية محكومة بالخطأ في رحلتها للوصول إلى الصواب، وممسوسة بالخطيئة في صراطها نحو الفضيلة، ومشمولة بالظلمة في دربها نحو النور.

أيُّها الجيل المقبل..

لقد هَدَّنا التعب من خطايا أجسادنا ودَنَس أنفسنا وثقل أرواحنا، وها نحن نعطيكم صَكَّاً يُبرِّئكم من خطايانا وآثامنا في حقكم، فلتغفروا لنا خطيئتنا، وتجاوزونا للوصول إلى مبتغاكم. فلقد صدق فينا قول من وصفنا من أبنائنا الغيورين علينا:

نحن شعوبٌ

يأنفُ منها العارُ

ويخجلُ منها العيبُ.

حُقَّ علينا السيفُ

وحُقَّ الضّربُ.

لا ذنبَ لنا..

لا ذنبَ لنا..

نحن الذنبُ!

مَا لَمْ نَفْقِدهُ بِرَحِيلِ الـمِسِيرِيِّ

تقديم

في تمّوز – يوليو 2008 التحق إلى جوار ربّه المفكرّ الكبير الأستاذ الدكتور عبدالوهاب المسيري، رحمه الله تعالى. كان العالم الذي عرفَهُ غير العالم الذي يعمل على تكوينه، وبدأت بذوره في شقِّ طريقها من تربة التغيير شيئًا فشيئًا، فغادرنا وهو يؤمن بأنّ غراسه لا بدّ أن تؤتي أكلها يومًا ما، إذا ما اعتنى بها أهل الحقّ وقاوموا بها أهلَ الباطل. ذلك أنّ إيمانه بالبطولة كان إيمانًا نابعًا من إيمانه بالمعتقد الذي يتشرّبه الأبطال، وهو معتقد منسربٌ من النبع الربّانيِّ الأصيل.

الآن وبعد أكثر من عشرة أعوام على رحيله، تبدو الحاجة لاستعادة ذلك الفكر الذي أورثنا إيّاه أكثر ما تكون، لحاجتنا المسيسة إلى التغيير الذي كان يدعو إليه ويُناصره ويقاوم الطغيان لأجلِه. وهذا فقط ما سيجعل فقدان المسيريِّ مجرّد انفصال عن جسد لا أكثر، لأنّ أفكار العظماء تبقى دائمًا في نفوس من يعيشون على هداها من أتباعهم مهما طال بهم العهد بالاستبداد الذي عاشوا لمقاومته وتغييره.


مَا لَمْ نَفْقِدهُ بِرَحِيلِ الـمِسِيرِيِّ

 

DrElMesiri

 

ابتسم صديقي المثقف ابتسامة ساخرة حين رآني أقرأ كتاب (الصهيونية والحضارة الغربية الحديثة). سألني دون أن يخفي سخريته تلك “أما زلتم تقرأون هذه الكتب؟!”

مِسكينٌ صديقي… لم يعرف أنَّني أقرأ كتاباً لعبدالوهاب المسيري!

نعم… الفرقُ كُلُّه يكمن في أن تقرأ له – رحمة الله – لا لغيره، وفي هذا الموضوع تحديداً. ذلك أن أحداً من العرب لم يفهم الصهيونية ويضعها على طبق من فضة لنظرائه من المُفكرين ومن حوله من القراء مثل عبدالوهاب المسيري.

يظنُّ البعض أن ما يجعل المفكر الراحل رحمه الله متميزاً في معرفته بـ(اليهود واليهوديّة والصهيونيّة) أنه أنفق من عمره قرابة خمسة وعشرين عاماً لإنجاز ذلك العمل الموسوعيِّ.

ورغم أنّ هذا الكلام لا يخلو من صِحّة، فإنّه في الوقت ذاته لا يخلو من مغالطة. فالوقت وحده ليس العنصر الأهم فيما أسفرت عنه بحوث المسيري، وإنْ كان لعب دوراً أساسياً في رحلة تكوينه الفكرية بتصويب مُنطلقاته وتحديد اتّجاهه.

ما يُميّز عبدالوهاب المسيري أنّه كان إنساناً حريصاً على الفهم. وهاتان الميزتان (الإنسانيّة والحرص على الفهم) هما ما جعلاه يرتقي أعلى مراتب الفكر، ليس في العالم العربي وحده، بل في الأرض قاطبة.

إنسانيّة عبدالوهاب المسيري تتجلّى لك منذ أوّل لحظة تتعرّف فيها عليه، ومحبّته تتسلّل إلى قلبك بهدوء أقرب إلى الصّمت ولكنّها تنفذ إليه بسرعة الضّوء. يُشعرك عندما يُنصت إليك أنّك أنت المفكر وأنّه ليس سوى أحد تلامذتك. تنسى أنّك أمام عَلَمٍ من أعلامِ الأمّة أثناء حديثك معه، خاصة عندما يروي لك إحدى نِكاتِه العامرة بالعُمقِ والسُّخرية اللاذعة مَعاً، حتى لتنسى أنّ قائلها أحد المفكّرين المبرزين.

تذكُر زوجتي كيف أنّه ترك مِنصة المحاضرة التي كان يوشك أنْ يُلقيها في الدّوحة ليقدم إلينا حتى يُسَلِّمَ عليها. استعجالُه نحونا يوحي لمن يراه بأنّه ربّما يدينُ لنا بحياته، ومعرفتُه بأنّها ليست زوجتي فحسب، بل كريمة أحِد تلامذته العِظام (الفقيد ماهر عبدالله، رحمه الله) جعلته يتناسى آلام ظهرِه وجميعَ الحاضرين المحيطين به. وما زاده تقديرًا أنّه قدَّم نفسَه لها بقوله “أنا عبدالوهاب المسيري”، هكذا.. دون مُقدّماتٍ جوفاء وتعريفاتٍ خلّابة، خلافا للذين يصعُب عليهم أن يُعرّفوا أنفسَهَم إلّا بـ”الدكتور”!

أمّا حِرصُه على الفهم فيتجلّى في كُلِّ شأنِه.

ومن المهم التفريق بين الحرص على الفهم وبين محاولة الفهم، ذلك أنّنا في العموم نحاول الفهم، فإذا توفرت لدينا أبسط مُعطياته فإنَّنا نَركَنُ إليها باعتبارها حقيقة مُطلقة. وليس هذا شأن مُفكِّرٍ عظيمٍ كالفقيد.

حِرص المسيري على الفهم أكثر ما يَتبَدّى في إنشائه (النماذجَ التَّحليليَّة المُركَّبة) كما يَصِفُها هو في أدبيّاته. ذلك أنَّه حين تعجز التّعريفات والنّماذج التي استحدثها الآخرون في تفسير معنى الموضوع الذي يبحثه المسيري، فإنّه يتصدّى له باستحداث نموذجه الخاصِّ بحيث يكون شاملاً لكُلِّ أبعاد الموضوع ومُفسِّراً لكافَّةِ تفاصيلِه في الوقت نفسِه. لأنّ قُصور التّعريفات الأخرى لا يعني التّشكيك في صِحَّة التفسير فحسب، بل الطّعن في فَهمِنا للحقيقةِ ذاتِها.

لذلك فإنَّك تجد الكثير من النَّماذج التي طَوَّرها المسيري في مؤلفاته، والتي تَتَّصِفُ بـ”قُدرتِها التَّفسيريَّة العالية” على حدِّ قولِه، بخلاف التعريفات والتفاسير التي يُعلِّقُ عليها أحياناً بأنَّها “لا تُفسِّرُ شيئاً”!

فإذا أردت مثلاً فَهمَ الحَركَةِ النِّسويَّة المُتطرِّفةِ (Feminism) فما عليك سوى الرجوع إلى نموذج (التَّمَركُز حَولَ الأنْثى)، وإذا أردت فهْمَ العَلمانِيَّة (الجُزئِيَّة أو الشَّاملة) على حقيقتها، فعليك بكتابِه المّعْنِيِّ بهذا الخصوص وبذلك العنوان. أما إذا أردت فهم أيِّ تفصيلة عن أيٍّ من (اليهود واليهوديّة والصهيونيّة) فإنك ستجد بُغيَتك في أغلب كُتبه، ناهيك عن الموسوعة الخاصة بها. وستتكشّفُ لك أشياء ما كنت لتدركها باستخدام مفردات الخطاب العربي/ المسلم المعاصر أو تحليلاته، لأنّها فعلاً “لا تُفسِّرُ شيئاً”!

هذا الحرص الشديد على الفهم هو ما دفعه إلى التّحولات الفكريَّة العظيمة التي مَرّ بها على مدى سبعين عاماً. فانتقاله من فكر الإخوان المسلمين مُبِّكّراً إلى الماركسيَّة كان مدفوعاً برغبته الجامحة في استيعاب الأشياء ومن ثَمَّ الإيمان بها بعقله أوَّلاً، لا بقلبه فحسب. ولأنّ الحقيقة وحدها كانت غايته فقد أبقى باب البحث مفتوحاً على مصراعيه، ولم يلبث طويلاً حتى اهتدى إلى ساحة الإسلام الرّحبة ليعثر على ضالَّتِه. ولقد كان يؤثر عنه قولُه مازحًا لرفاقه اليساريين قُبيل تحَوُّله عنهم بأنَّه “مَاركسِيٌّ على سُنةِ اللهِ ورسولِه”!

لعلّ هذا تحديداً هو أكثر ما سنفتقده برحيله. فما أكثر المفكرين (وعَديدُهم تُطلَقُ عليه تسمية “المفكّر” جُزافاً) الذين حكروا عقولهم على إعجابهم بالفكرة لا على رغبتهم في الوصول إلى الحقيقة.

أما المُفَكّر الحق، عبدالوهاب المسيري، فقد جَنّد فكرَه ليدافع عن قضية الإنسان الذي آمنَ بتفرُّدِه في الكون وتركيبته اللامحدودة وانفصاله عن عالم الطبيعة/ المّادة، لا كما يراه دعاة الفكر المَادي العَلمانيِّ. ولهذا فإنك تجد أنشطته العامة، فضلاً عن إنتاجه الفكري، تُلامِسُ إنسانية الإنسان في كلِّ موقعٍ شَغَلَهُ في ميادين الثقافة والسياسة والمجتمع بكافَّةِ شرائحه.

نعم.. لقد فقدنا عبدالوهاب المسيري الإنسان.

ولكنّه حرص قبل رحيله أنْ يترك ما ينير لنا شيئاً من عتمة الطريق. ولا عجب أنَّ مقدمة موسوعته الأبرز ضمّت هذه الكلمات: “هل تموتُ الفروسية بموتِ الفارس؟ هل تموتُ البطولة باستشهادِ البطل؟ وهل يختفي الصمودُ إن رحلَ بعضُ الصامدين؟”. فكأنه يوصينا بألا نطيل عليه البُكاءَ عندما يَترجّلُ عن صَهوَةِ فِكرِه.

*       *       *

قبل سَنواتٍ، بعثتُ له أبياتاً أهَنِئه فيها بالعيد برسالة نصّيّة عبر هاتفه المحمول. فما كان منه إلا أن قرأها على زُوّاره، قائلاً “إنَّها من صَديقٍ عَزيزٍ يُؤمِّـلُ منه الكثير”. فكانت كلماته هذه وساماً أعَلِّقُه على صدر روحي ما بقيت.

قلت له في ختام أبياتي تلك:

سَألتُ رَبِّي المَجِيدا

إذا شَـهِـدتَ العِـيـدا

وقـد لَبِـسْتَ الجَديدا

بأنْ تَعـيـشَ سَعـيـداً

وأنْ تَـمُوتَ شَهِـيـداً

وخَـالِـدَ المَحْـمُـودا!

أسألُ الله تبارك وتعالى أنْ يكون ذلك هو الحال معه ومعي. اللهم آجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها.

آمين.