مَوَاسِمُ الأعْيادِ.. بَينَ الذَّاتِ والآخَرِ

تقديم

هذه المقالة من جملة المقلات التي اختفت من موقع صحيفة العرب القطرية حيث كنت أداوم النشر، وذلك بعد تطوير موقع الصحيفة الإكتروني عدَة مرات. وها أنا أعيد نشرها للراغبين في الاطلاع على موضوعها.


مَوَاسِمُ الأعْيادِ..

بَينَ الذَّاتِ والآخَر

 

يصعُب على المتابع تجاهل تزايد صرخات الاستهجان في الوسط المسلم كلّما شارفنا موسماً من مواسم الأعياد، مثل الاحتفالات بأعياد الميلاد (Christmas) أو رأس السنة الميلادية وغيرها. ورغم تزايد أصوات المُندّدين بمشاركة المسلمين أعياد غيرهم فإنّ الواضح هو تزايد المشاركة فيها سواء من الأفراد أو المؤسسات التجارية والفنادق.

الرافضون لتلك المشاركة، التي تزّايد عاماً بعد آخر، يرجعون سبب الرفض للحُرمة الشرعيّة في مشاركة المسلمين غيرهم في أعيادهم، لأنها مشابهة لتأييدهم في عقائدهم.

لست بحاجة للتأكيد على أنني لست فقيها أو مفتياً شرعيّاً حتى أتجنب الخوض في المسألة من هذا الباب.

ولكنني في المقابل، أزعم أنّ ثمّة سبباً آخر نحتاج للتفكّر فيه، قد يعيدنا إلى الوعي ويُبصِّرنا بما ينبغي فعله في مناسبات كتلك. ولتوضيح ما أعنيه، أرجو منكم الصّبر على القصة التالية.

*       *       *

قبل بضعة أعوام، دُعيت إلى حفل استقبال في منزل السفير الأمريكيّ في الدوحة، وذلك احتفاء من السفير – الجديد آنذاك – بمجموعة القطريّين الذين شاركوا في برنامج الزائر الدولي للولايات المتحدة خلال الأعوام الفائتة. ذلك البرنامج يتبع الخارجية الأمريكيّة التي تروّج للثقافة الأمريكيّة من خلال دعوة مختلف الشرائح الثقافيّة في أنحاء العالم للاطلاع على بعض النماذج الحياتيّة في المجتمع الأمريكيّ مثل دور الأديان في الشراكة المجتمعيّة هناك (وهو البرنامج الذي شاركت فيه عام 1998).

حرصت على الحضور بعد مقاطعتي فعاليات السفارة الأمريكيّة منذ شنَّت واشنطن حربها على أفغانستان عام 2001. وكنت أرغب، فضلاً عن التعرف على السفير الجديد، في أن أتلمس طبيعة السياسة الأمريكيّة الخارجية الجديدة، بعدما تمّ انتخاب الرئيس السابق باراك أوباما حينها.

وقبيل رغبتي في الانصراف، سمعت أحد الإعلاميّين البارزين يقول للسفير إنّه يعتذر مجدداً عن المواد الناقدة للولايات المتحدة التي تُنشر له في الصحف القطرية. السفير البالغ التهذيب والدبلوماسيّة شكره في المقابل على تلبيته الدعوة دون أن يعتب عليه شيئاً. بيد أنّ الإعلاميّ المعروف لم يكفّ عن الاعتذار مجدداً (أي للمرة الثالثة) عن طبيعة أعماله التي عزا سبب نشرها لرغبات الجمهور العربيّ.

لم أصدق ما سمعت، خاصة أن أبرز ما مَيَّز السفير هو حديثه إلى الجميع بلغة عربيّة فصيحة حرص على تعلمها أثناء عمله في عدة دول عربيّة على مدى سنوات. بمعنى أنه كان حريصاً على الاقتراب منا أكثر من ذلك المثقف المعتذر. وكان واضحاً من خلال حديثي الشخصيّ مع سعادته أنّ الدبلوماسيّة رفيعة المستوى قد بدأت عودتها بعد انحسارها إبان ولايتي الرئيس الأمريكيّ الأسبق جورج بوش الابن.

*       *       *

لست واثقاً لطبيعة مُراد ذلك المثقف القطريّ من اعتذاره لسفير لم يعتب عليه أصلاً، بل ويُقدِّر أنّ الاختلاف بين الأشخاص، ناهيك عن الشعوب، ركنٌ لازمٌ من أركان الحياة البشريّة.

لكنّني أثق أنّ الأزمة الداخلية التي يعيشها المواطن العربيّ تكمن في احتقاره لذاته الحضاريّة، وربّما الشخصيّة أحياناً، كلما وقف أمام ما يُمثِّله الغرب المتقدم عليه. وهذا التفوق الغربيّ، وإن كان لا يشمل جميع المجالات الحياتية، جاء على حساب التقدير الذاتيّ الواجب علينا في حقِّ أنفسنا.

تلك القصة ليست سوى مثال واحد من عديد الأمثلة التي نشهدها على كافة مستويات العلاقة مع الآخر، والغربيّ تحديداً. وما تسْمِيَةُ (عقدة الخواجة) التي تشير إلى انتقاص العربيّ نفسه أمام الأجنبي، إلا نتيجة حتمية لذلك الشعور المُكوِّن لرؤيتنا لذواتنا في علاقتنا مع الآخر.

إذن، المعضلة ليست مسألة (دِين) إنما هي مسألة (دُون). فالشعور بالدونيّة والنقص يعني بالضرورة العمل على التشبه بالنموذج الأعلى والأكمل. وهو في هذه الحالة، الغربيّ المنتصر منذ بضعة قرون (عسكرياً وتكنولوجياً على الأقل). مسألة نبَّهنا لها ابن خلدون في مقدمته، عندما أوضحَ أن المغلوبَ مولعٌ دائماً بالتشبه بالمنتصر في شعاره وزيِّه ونِحلته وسائر أحواله وعوائده، التي تشمل أعياده أيضاً.

*       *       *

الآن نسال: كيف نتصرف إزاء هذا الوضع؟

أزعم أن أوّل ما نحتاجه للتعاطي مع الأمر هو استعادة انتمائها لذاتنا الحضاريّة، وإحياء ثقتنا بأنفسنا سواء على المستوى الشخصيّ أو الثقافيّ. لأن تلك العقدة الحضاريّة ستكون أكبر عائق يحول بيننا وبين بلوغ أي تغيير نريده على مستوى سلوكيات المجتمع المغلوب حالياً.

وحالما استعدنا شيئاً من ذلك الاعتزاز بالنفس، الذي له مِمّا يؤيده الكثير من تاريخنا وديننا، فسيكون بالإمكان التعامل مع الآخر، أياً كان، بندية وتساوي. إذ ليس المقصود من استعادة الثقة في الذات أن تكون على حساب احتقار الآخرين مهما كانت انتماءاتهم العرقية أو الدينيّة أو الثقافيّة. وقد وضع القرآن الكريم لنا قاعدة لسبب وجود تلك العلاقات بين الشعوب والقبائل أنها {لِتـَعَارَفوا}، مع التأكيد على أنّ ميزان الأفضلية المعنيّ بالتقوى هو ميزان ربانيٌّ خاصّ، لا يمكن للبشر الحكم فيه لأنّه مختصّ بالضمائر وخلائج النفوس.

ومن هنا، نحتاج إلى التذكير أّن الاحترام أمرٌ ينبغي على الأمم والأفراد اكتسابه، لأنّه لا يأتي من باب الاستجداء. واكتسابه يبدأ باحترام أبناء الأمة لأنفسهم وثقافة حضارتهم ودينهم وقيمهم العليا.

لأنّنا إذا عَدِمنا كلّ ذلك، فلا يمكن أن نتوقّع توقّف احتفالات المغلوب بأعياد الغالب، وغيرها من عاداته وعوائده.


Thoughtless Subservience

كلماتُ ما بَعدَ الرَّحيل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..

إلى القارئ الكريم

تمرّ في الحادي عشر من سبتمبر لهذا العام عشر سنوات على رحيل الفقيد الحبيب ماهر عبدالله.

وبالإشارة إلى المقدمة النثرية التي تسبق القصيدة أدناه، فقد كُتبت عندما نشرت للمرة الأولى قبل خمس سنوات في صحيفة العرب. وحيث إنّها لم تعد موجودة على موقع الصحيفة الإلكترونيّ، فها أنا أقوم بإعادة نشر القصيدة التي عزّيت نفسي بها فيه بُعيد رحيله.


في رثاء المغفور له إن شاء الله

ماهر عبدالله

 

maherabdullah-article-khalidalmahmoud

 

في يوم الخميس 9/ 9/ 2004 كان آخر لقاء مباشر لي مع صديقي، وحَمَايَ بعد وفاته، ماهر عبدالله رحمه الله. وكان آخر عهدي به إشارةٌ صامتةٌ بيده لتذكيري بالتحوّل من النادي الدبلوماسيّ، حيث ختام المؤتمر القوميّ العربيّ في الدوحة، وذلك للقاء في مكان آخر مع ضيوف المؤتمر الذين يعرفهم جميعاً ويعرفونه كافّة.

لم أجب تلك الدعوة، ولذلك فإنّني لم أره بعدها حتى وافاه الأجل المحتوم، إلا وهو مُسجّىً على سرير المشرحة في المستشفى وقد تكلّلت جبهته العريضة بالدماء. ولكنّني أذكر جيداً أنه عندما أشار إلى المكان الآخر، كانت إشارته بإصبع الشاهد متجّهاً إلى السماء. ولعلّه من حيث لا يشعر كلانا، أراد تذكيري، وربّما مواساتي مُسبقاً، بأنّنا إن لم يكتب لنا اللقاء على هذه الأرض، فثمة موعدٌ آخر سيجمعنا في السّماء.

ذكَرْتُ بعدها حادثة جرت لي مع الفقيد، وذلك غداة علمتُ بوفاة الدكتور محمد قطبة رحمَهُ الله، والذي أثّرت وفاته المفاجئة في كلّ من عرفوه. وكان ماهر نفسه من جملة معارفه المقرّبين منذ أيّام دراستهما في بريطانيا وانشغال كليهما في العمل الإسلاميّ.

فعندما أخبرت بالخبر ماهر، الذي قلّما بدا عليه التأثر العاطفيّ، ركبنا سيارتي لحضور صلاة الجنازة على الدكتور. وكان أخشى ما خشيته لحظتها أن يقول كلاماً عقلانياً أكثر من اللازم فيُخرجني عن طوري في تلك الفاجعة، إذ لم تكن بضع ساعات قد مضت على رحيل الدكتور الحبيب.

إلا أنّ ماهر حالما ركب السيّارة قال بلهجته الفلسطينيّة المحبّبة:”شايف يا أستاز (أستاذ). هيك (هكذا) الموت، ما بيفرّق بين كبير وصغير!”، وبينما كنت أخشى عليه من ثورتيْ إذا استرسل في الكلام، أردَفَ قائلاً “ياالله… إذا كان من أهل الجنّة، فالواحد لازم يفرح له… وإذا كان من أهل النار، فما بيستاهل نبكي عليه؟”.

وكأنما صبّ على رأسي بكلماته تلك سطلاً من الماء البارد.

فعلاً… أليس هذا هو ما ينبغي أن يكون عند استقبالنا لمصيبة الموت! فعلامَ نحزن على من كانت حياته ابتغاء وجه ربّه، وفيم نذرف الدمع على من لم يعرف الله في حياته!

لقد كانت كلمات الغالي أبي أسامة أكثر ما عَزّاني على رحيل الغالي محمد قطبة. والعجيب، أن تكون تلك الكلمات ذاتها هي نفسها التي استدعيتها عندما أزفت ساعة رحيله. إذن، لقد كان يواسيني قبل موعد الرحيل، بأن لا تحزن، فما من حاجة للحزن على من تعلم صدق مسيرته في طريق العودة إلى بارئه.

لقد أرّخَ الكثيرون لوفاة أبي أسامة رحمه بتزامنه مع الحادي عشر من سبتمبر 2004، دون أن يُدركوا أنه صادف ذكرى الإسراء والمعراج في ليلته التي التحق فيها بالرفيق الأعلى.

الآن، أقول له وفاءً لصداقته التي ما برحت تكبر في أفئدة من يحبونه: أسأل الله تعالى أن يُعلِيَ ذكرك بالخير في الأرض وفي السماء، مهما حاول الأقزام إخماد جذوته. وأتضرع إليه تعالى أن يجمعنا بك في ظل عرشه ومستقر رحمته {مَعَ الذِينَ أنْعَمَ اللهُ عَليْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ والصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} آمين.

*       *       *

MaherAbdullah01-Poem-KhalidAlMahmoud

MaherAbdullah02-Poem-KhalidAlMahmoud

MaherAbdullah03-Poem-KhalidAlMahmoud


قَبلَ أنْ أَخُونَ وَطَنِيْ

هذه كلماتٌ أمْلَتْها عَليّ تجربةٌ شَخصيّةٌ، بيد أنّها تصف ما يعايشه المواطنُ على هذه الأرض التي يحبّها كثيراً.

وما بين سطورها من الألم المُمِضّ والغضبِ الدّفين أعمقُ بكثير مما يطفو على سطحها.

ولقد وجدته واجباً عليّ نقلها للقارئ الكريم، لأمرين اثنين:

الأوّل أنّه بغضّ النظر عن الاختلافات في طبيعة تجربة كلّ مواطن، فإن ما ورد فيها من مشاعر يعبّر تماماً عما يختلج في نفوس الكثيرين من أبناء هذا الوطن، الذي يرون أنفسهم يعيشون على هامشه، فيما يتنعّم غيرهم بنعيمه وثرواته وما كانت لهم عليه يدٌ بيضاء.

أما الثاني فلعلة أمنية مِنّي أن تجد هذه الكلمات أذناً صاغية لدى مسؤولي هذه البلاد التي تعبت ممن يصمّون آذانهم عن سماع الحق، لا لشيءٍ سوى أنه جاءهم من مواطنٍ بَنى القهرُ بين جوانِحه حواجزَ ممتدّة تمنع نبضات قلبه من الوصول إلى أولئك النَّفر من أصحاب القرار.

لن أطيل عليكم، ففي الكلمات التالية الكفاية، وإن كانت غيضاً مما تفيض به النفوس…

*       *       *

لعله لا يخفى على أحد أنّ واحدة من أبشع الجرائم التي تـُرتكب في حقّ الوطن هي انتزاع الشعور بالمواطنة من نفوس أبنائه. وإذا كان ذلك خافياً على أذهان العامة، فهو ظاهر في خَلجَاتِ نفوسِهم وخَطرات شكاويهم.

تلك الجريمة تُمارس في كلّ جهة وحين، جهلاً أو قصداً، عندما يُدفع المواطنُ دفعاً للإحساس بأنّ الأرضَ التي تربّى عليها وأكَلَ من خيراتها ليست ملكاً له مثلما هي للآخرين، وأنها تحابيْ غيرَهُ دونَه، وتعطي سواه ما تُنكِرُه عليه. فإذا به يرى المواطنة مسألة نسبيّة، تُدارُ بحساباتِ المصالح الشخصيّة ووشائج القربى، والمثل الشعبيّ “إذا حَبّتِكْ عِينيْ، ما ضَامِك الدّهَرْ”! ولمن يجهل اللهجة القطرية، فإنّ معنى المثل أنّك إذا رضِيَتْ نفسي عنك، فلا ضير يُخشى عليك من غدر الزمان، فإنّي لك حصنٌ حصينٌ من نوائبه.

ولقد تمرّ على المواطن السّنون وهو يسعى لخدمة بلده بما فتح الله عليه من قدراتٍ ومواهبَ وإمكاناتٍ، فلا يكاد يجد فرصة عمل يستطيع خلالها إفادة بلاده في مجالٍ يجيده ويستمتعُ به.

فالمواطن يدخل سوق العمل وفي ذهنه تصوّرات تُقال في الدورات التدريبيّة والاستشارات المهنيّة حول التخصص الذي ينخرط فيه ومن ثم كيفية اختياره الوظيفة التي يريد وما يتوجّب عليه فعله في مقابلات العمل وكيفيّة بناء سيرته المهنيّة، وما عدا ذلك من أمور تقوّي من بأسه في المنافسة على الوظيفة المطلوبة.

ورغم ذاك، فإنه مهما تشنّفَ سمعُه بالمديح الزائد عن كفاءته وسيرته وضرورة الاستفادة منه، ناهيك عما يسمع من وعودٍ براقة وإغراءاتٍ جَذابة تجاه الوظيفة، فإنّ المطاف غالباً ما ينتهي به عند الانتظار لذلك الوعد الذي لن يتحقق.

ومع تكرار التجربة المَرّة تلو الأخرى، فإنّه يكتشف أنّ كلّ ما قيل له عن حاجته للعلم والكفاءة والتجربة والخبرة الطويلة، لا يعدو كونه أسطورة ليس لها موطئ قدمٍ على أرض الواقع.

ذلك أنّ تلك المؤهلات تعدّ ثانوية، وربما غير ضروريّة، أمام أمور أخرى أكثر أهمية لدى صاحب القرار.

فمن تلك الأمور اللازمة ضمن مؤهلاته أن تكون ثمّةَ قرابة ما تجمع طالب الوظيفة بمن يعطيها. فالمسؤول يرى المؤسسة التي يتولّاها أشبه ما تكون بعزبة أو مزرعة خاصة يُربّي فيها من البهائم ما يشتهيه، ويمنع عنها من يأنف عن رؤيته.

وإذا لم تكن ثمة قرابة، فلا أقلَّ من أن تكون ثمّة وساطة قويّة، أو على الأقل ذات فائدة، تقدّم هذا الشخص وتتخيّره بين أقرانه لشغل هذه الوظيفة أو تلك مهما صغُرت. لأنّ المسؤول يعلم أنه إذا حكّ ظهرَ أحدِهم اليوم، شريطة أن يكون ذا فائدة مرجوة، فلا شكّ أنّه سيجد من بينهم من يحكّ ظهره يوماً ما. وصدق المثل المصريّ “يا بَخْتِ مِنْ نَفّعْ، واسْتَنْفَعْ”!

كما أنّ من الضرورة بمكان، سواء وُجدت صلة قربى أو لا، أن تكون قيمة الولاء لصاحب الأمر في المؤسسة هي الأساس في منظومة قِيَم طالب الوظيفة. فمع انعدام الولاء المطلق لما يريده المسؤول فإنّ أيّ وشيجة قربى لن تجدي، وبالتالي فإنّ حصول مواطن يمكِنُ أن يُتوقع منه قول “لا” ذات يوم يُعَدّ أمراً غير واردٍ البتة.

والنتيجة الأكيدة التي تتبدّى للأكفاء من أبناء هذا الوطن، والذين يعدمون تلك الشروط الخاصة، هو غرقهم في دَوّامة التّشكّك في الذات والقلق من المستقبل والحقد على أخلاقيات عملٍ لا تزيد هذا الوطن إلا عَمَىً ووًقراً.

وهم، إذ يُنفَون إلى جُزُر الشكّ والمعاناة، فهم يجهلون أنّ ما يُفترض أنْ يكون سبباً لتوظيفهم هو تحديداً ما يدفع المسؤولين إلى رفضهم.

فكفاءتهم ومهاراتهم خطر بالغ بالنسبة للمسؤولين الذين جاؤوا إلى سُدّة المنصب على ظهر “دبّابة” الواسطة، وأسَّسوا فيه سلطتهم المطلقة. فالأكْفاء، بحكم مؤهلاتهم، يرفضون أنْ يروا الخطأ ويسكتوا عنه، ويأبَون أنْ يبصروا الهَدْرَ الحاصل في المال العام ويغضّوا عنه الطّرف، ناهيك عمّا يمكنهم فعله حينما يشهدون الفساد الحاصل في المؤسسة، سواء بعلمٍ أو بغير علم، من العاملين فيها من أُسِّهِم إلى رأسهم.

والمسؤولون بالتالي في غِنى عن ذلك الصّداع المُزمن الذي يتسبَّبُ فيه هؤلاء الذين “يعتقدون أنهم وطنيّون أكثر من سواهم” بسبب الحرص الذي “يزعمونه لأنفسهم” على موارد البلد.

*       *       *

إنّ أكثر ما يسوء المواطن الصالح في بلداننا أنْ تجده وأمثاله يطلبون العونَ من أصحاب القرار حتى يُسدّدوا بعضاً من الدَّيْن الذي تنوء به كواهلهم لهذه الأوطان، فلا يجدون منهم إلا التّجاهل والنّكران.

فذلك الوضع، لعمري، هو بعينه الحَوبة التي تُرتكب في حقّ وَطنٍ يحتاج إلى كلّ يدِ عَونٍ من سواعد أبنائه، خاصّة في وقتنا هذا. لأنَّهم إذا انتُزع مِنْهم شعورُهم بالمواطنة، فأيّ خيرٍ يُرتجى منهم نحو أهليهم وأوطانهم؟!

ويا لها من جريمة تلك التي يخترق نصلُها فؤادَ الوطن، باسم الوطن، ناهيك عن كونها خطيئة كبرى تـُرتكبُ في حقّ بنيه. وإنّ تلك الجريمة البشعة هي التي أخشى أنْ تدفع المواطنَ الشّريفَ العفيفَ إلى خيانةِ وطنه ذاتَ يومٍ، وحسبُه منها نصيباً ألّا يعودَ مواطناً صالحاً لوطنه الذي أعطاه ساعة الزّرع، ثم أبى عليه يوم الحصاد.

خلاصة الكلام: أما آن لهذا الوطن أنْ ينتفع بما استثمرَ فيه كثيراً من طاقة المخلصين من أبنائه؟!

اللهُمّ إنّي قد بلّغتُ… اللهُمَّ فاشهَدْ.

إسَاءَتُنا لِرَسولِنا ﷺ

أتساءلُ، لو أنّ أحداً لم يخرج في مظاهرةٍ أو يُحرق علماً أو يقتحم سفارة أو يدعو إلى مقاطعة مواقع على الإنترنت، هل كان أحدٌ مِنَّا سيعرفُ أنّ ثمَّةَ وضيعاً أنتجَ فيلماً يُسيء فيه إلى نبيّنا على الصَّلاة والسلام؟!

وللتذكير، فإنّ رُبع القرن الماضي شهد نماذج عِدّة مشابهة للحدث الأخير، أذكر منها على سبيل المثال: رواية “آيات شيطانيَّة” لسلمان رشدي، الصور الكرتونية الدنماركية، فيلم “فتنة” لعضو البرلمان الهولندي غيرت فيلدر، إحراق المصحف في إحدى كنائس ولاية فلوريدا، وغيرها مما لا يتسع المجال لحصره.

أعود فأقول: أكان يمكنُ لأيّ من هذه المحاولات الوضيعةِ لِلنَّيل من نبيّ هذه الأمَّةِ أنْ تجد لها رواجاً مثل الذي لقيته بعدما أشهرناها نحن بجهالتنا للعلن؟!

الإجابة هي: قطعاً، كلا.

بيد أنّ السؤال الأهم، في تقديري، هو: ما الذي يجعلنا ندخل نفس الجُحر الذي منه نلدغ كلّ مرة؟!

إجابة هذا السؤال تحتاج إلى بيان.

*       *       *

واحدٌ من أشهر الأبيات المتداولة لدى العرب من قديم قول شاعرهم:

لو كُلّ كَلبٍ عَوَى، ألقـَمْتـَهُ حَجَراً

لأصْبَحَ الصّخْرُ مِثقالاً بدينارِ!

والمعنى الذي ما فتئت جماهير أمتنا تتجاهله صاغِراً عن صاغِر، أنّ الحكيم هو من يتجاهل الكلاب التي تنبح عليه أثناء سيره، لأنّه لو انشغل بإلقام كلّ منها حجراً لإسكاته، لنتج عن ذلك أنّ الحصى سيصبح بقيمة الذهب، لكثرة ما سيحتاجه المرء لإسكات الكلاب العاوية… وما أكثرها!

ولكنّ الحكمة وحدها، أو بالأحرى غيابها، ليست السبب الوحيد في تكرُّرِ تلك المشاهد التي تمارسها الجماهير المسلمة، والتي غالباً ما تعود علينا بالخسارة بالمناسبة.

ذلك أنّ الإعلام الغربيّ يتشبثُّ بصُورنا ونحن نشتم ونُحرق وندمّر وندعو إلى هلاك الآخر، ليؤكدّ من خلال تلك الصور أنّنا أمّة من الغوغاء، وأنّ وصولَ بعضنا إلى الحكم، خاصة المنسوبين إلى التّيار الإسلاميّ، يعني بالضرورة إقصاء الآخر وتهميشه، بل ربما تصفيته.

ما أزعمه سبباً لهذا كله، أمران اثنان كلاهما يُعَبّر عن حالة نفسيّة غير سَويّة.

الأمر الأول: هو حالة اليأس التي أحاطت بنا لعقود طويلة، وربما لقرون مُمتدة بعد تقطـّع أوصال الأمة وانشغال قادة دويلاتها بملذاتهم ومصالحهم الضيّقة عن مصلحة الأمة بامتدادها طولاً وعرضاً.

تلك الحالة، التي نرى فيها أنفسنا الطرف الخاسر دائماً، هي ما تدفعنا للبحث عن انتصار… أيّ انتصار، يُشعرنا أنّ لحياتنا معنى وأنّ لوجودنا قيمة.

وتجليات هذه الحالة لا تقتصر على “انتصارنا” للرسول عليه السلام في الحوادث المشابهة، بل يمكن إبصارها في كافّة ردود أفعالنا على مختلف المستويات.

خذ منها مثلاً ما ينتاب المشجعين في ميادين الرياضة من مشاعر جيّاشة تجاه فوز فريق أو خسارته في منافسة رياضية، مهما بلغت من الصغر. ولعلـّي لست بحاجة لتذكير الكثيرين بما شهدناه في تصفيات كأس العالم المُؤهّلة لجنوب أفريقيا 2010 عندما نشبت الفتنة بين جماهير مصر والجزائر لأجل مباريات غرضها التأهل لكأس العالم فحسب، لا الفوز به، بالمناسبة!

ما جرى آنذاك، هو نفسه الذي يجري الآن، مع اختلاف الرُّتوش والمظاهر، لأنّنا في الحالتين نبحث عن انتصارٍ… أيّ انتصارٍ في حياتنا المُترَعَة بالهزيمة!

أما الأمر الثاني: فهو رغبتنا الماسّة في التخفيف عن ضمائرنا المتعبة بسبب ابتعادنا عن منهج النبيّ عليه الصلاة والسلام وشريعته الغرّاء، فتَرانا نعمل على تعويض ذلك البُعد المُشين بأن نُظهر أنفسنا في مظهر المنافح عن نبيّه والمدافع عن كرامته ﷺ، وهو في غِنى عن ذلك عليه السلام، إذ إنّ المولى سبحانه وتعالى تكفّل له بذلك عندما قال {إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ}.

وهذا أيضاً شعورٌ له مظاهر متعددة لدى شرائح كبيرة من أبناء هذه الأمة، يصفعك حيثما التفتّ.

إذا أردت مثالاً، فما عليك إلا أن تلقي نظرة سريعة إلى حال الذين يضعون المُلصقات القائلة “كُلّنا فِداك يا رسول الله”، لتتعرف على مقدار التناقض الذي يعيشونه بين ما يزعمون من فداء الرسول على السلام وبين ما يعزمون على تطبيقه من شرعه واتِّباع هديه.

وإذا سألت أحدهم عن تقصيره البيّنِ في شتّى أمور الشريعة التي يزعم أنه يفتدي نبيها الكريم، كانت الإجابة من أمثال “على الأقل أنا أصَلّي” أو “على الأقل أنا متحجبة”، بل أحياناً “على الأقل أنا مسلم”.

ويا سبحان الله، فما أشبه هؤلاء بما ذكره الكتاب الكريم عن الذين زعموا الإيمان ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم، فتراهم {يَمُنّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلـَمُوا}.

*       *       *

خلاصة الأمر أنَّنا نُسيء لرسولنا الكريم أكثر مما يُسيء إليه أولئك الأشقياء بما يفترونه عليه، ﷺ. ذلك أنّهم يُكرّرون ما يقولون وهم يناصبونه العداء، فيما نفعل ذلك بينما نزعم أنّنا له أوفياء ولدينه أولياء.

وأزعم أنّه لو عُرض هذا الأمر عليه ﷺ، لقال لنا مثلما قال لعمر بن الخطاب الذي أراد أنْ يضرب عنق يهودي جاء يستوفي دَينه من المصطفى بأنْ افترى عليه بأنَّه مِمّن يماطلون في أداء الحقّ لأهله، فقال {كُنّا أحوجَ إلى غيرِ هذا منكَ يا عُمَر، أنْ تأمُرَني بحُسن الأداءِ، وتأمُرَهُ بحُسن التّقاضيْ}.

ذلك أنّ الرّحمة المهداة للعالمين، إنّما جاء ليُحِقّ الحَقّ بكلمات الله، ويقيم العدل بين الناس مهما كان دينهم. وإنّه ما كان ليرضى أنْ نضع وِزرَ أنفسِنا على غيرنا بحجَّة أنّهم قالوا عنه ما ليس فيه.

إذ:

لو كُلّ كَلبٍ عَوَى، ألقـَمْتـَهُ حَجَراً

لأصْبَحَ الصّخْرُ مِثقالاً بدينارِ!


On Barking Dogs: When Wounded Hearts Rule

شعبٌ وثورةٌ ونَصرٌ

لا يسَعُني وأنا أشهد ما يجريْ على أرض الشّام إلا أنْ أزفّ خالص التبريكات للشعب السوريِّ الباسل على انتصاره الباهر، فيما تحتبسُ دموع الفرح إلى حين الانتهاء من الشّكليات الأخيرة لثورتهم المباركة.

أما المُتشكِّكين من جديّة ما أقوله، أو المُتذمِّرين من تأخر سقوط النظام المجرم، فإن ما يُعميهم حالياً عن إبصار ذلك النّصر السّاحق الذي أتحدّث عنه هو اهتمامهم بالمظهر لا الجوهر.

وإذا أردتم معرفة السبب، فإليكم التفصيل.

*       *       *

تحضُرني في هذا السِّياق مناسباتٌ عِدّة تحاورتُ أثناءها مع بعض الإخوة السُّوريّين من شتى الطوائف، باستثناء أتباع النظام والمستفيدين منه، طيلة ثلاثة العقود الفائتة.

كانت المواقف التي أذكُرها متعلقة بمسألةِ وقوف الحقّ في مواجهة القوة وكيفيّةِ إدراك آليّاته وأساليبه، إضافة إلى إحسان تطبيقِه، حتى نتمكّنَ من رؤية بصيص النّور في نهاية النفق المظلم في مجتمعاتنا العربيّة.

ولست بحاجة لتذكير القارئ الكريم بمقدار اليأس الذي استولى على عقليّة المواطن العربيّ بشأن التغيير في كافة البلاد العربيّة في السنوات السابقة للربيع العربيّ، والذي يرجع سببه إلى قسوة الأنظمة في عقاب من تُسوّلُ له نفسُه مجرّدَ التفكير في أن يقول: لا!

ولذلك، فإنّ كافة الحوارات التي جرت بيني وبين أولئك النفر، سواء من سوريا أو غيرها من البلدان العربيّة، كانت تنتهي بتذكيري بما كان يُعدّ حكمة جديدة ولكنها أكيدة في نفس وعقل الإنسان العربيّ؛ تلكم هي (مليون مَرّة “جَبَان”، ولا مَرّة واحدة “الله يرحَمُه”)! ومفادها، لمن لم يسمع بها من قبل، أنّ من الأفضل للمواطن الخضوع في ذلٍّ لما يجري حوله بحيث يوصفُ بأنّه “جَبَان” مليون مَرّة في اليوم، عن أنْ يتجرّأ بعمل شيء، أو حتى قول شيء، يؤدي به إلى الموت، بحيث لا يذكره الناس إلا بقولهم “الله يرحَمُه”.

ولست أفشي سرّاً بإعلاني مقدار ما صعقتني تلك المقولة حينما سمعتها للمرّة الأولى. ولم يزدني سماعها، حتى ولو على سبيل المزاح، إلا غضباً من البيئة التي أنتجتها وتقززاً من العقلية التي أفرزتها.

ذلك أنّها لا تمنع الفعل الإيجابي في الحاضر فحسب، بل إنّها تجعل من العجز إرثاً يُوَرّثُ للأجيال المقبلة بحيث تتخذ من الحياة الذليلة غاية المنال، أو “بطولة” كما وصفتها إحدى شخصيات الراحل عبدالرحمن منيف، رحمه الله، بغضّ النظر عما يعتورها من خنوع واستكانة للظلم والظالم.

وما زاد سوءة تلك المقولة أنّها لم تتوقف فحسب عند مسألة المواجهة مع أنظمة الإجرام العربيّة، التي ما برحت تتساقط واحداً تلو الآخر، بل تجاوزتها لتشمل مناحٍ شتّى من حياة الإنسان العربيّ. فقد كانت حاضرة مثلاً عندما دار الحديث عن إمكانية المطالبة بتغيير بعض سياسات المؤسّسة التي يعمل فيها أولئك النفر أو تداول الرئاسة في أقسامها، وهي مطالبات تفيد العمل ولا تضرّ الإدارة بحال. بل إنها استُخدمت ذات مرة في العزوف عن الشكوى بشأن مقصف المؤسسة، خشية أنْ تضع أصحاب الاعتراض على “لائحة سوداء” لدى الإدارة العليا بسبب سخطهم على قرار اتخذَتْه!

والتحوّل الذي تشهده الشعوب المقاومة هو آية القول في اعتقادي بانتصار الشعب السوريّ البطل في وجه آله القمع من النظام المجرم وحلفائه، والتي يواجِهُها بصدرٍ عارٍ وعزيمة جبارة معتمداً فيها على الله سبحانه وحده {وَكَفـَى بـِرَبّكَ وَكِيْلاً}. خاصة أنّ بواسل الشام يعلمون أنّهم لا يواجهون النظام المجرم فحسب، بل الدعم الإيرانيّ المُطلق، والتأييد الروسي من ورائه بحكم المصالح.

ذلك أنّ لسان الحال لدى أبطال الشام الآن، ومن سبقهم من الشعوب المقاومة، تحوّل إلى (مليون مرّة “الله يرحمه”، ولا مرة واحدة “جبان”).

هذا هو أوّل وربّما أكبر مَعْلم من معالم الانتصار في الربيع العربيّ؛ إنه الانتصار على الخوف، والإقدام على مواجهته رغم معرفتنا يقيناً بما قد ينتظرنا حين نلقاه. فلا بأس عندها من أن تـُقدَّم الأرواحُ رخيصة في سبيل الوصول إلى الغاية.

لقد قال الزعيم الأمريكي الراحل مالكولم إكس (Malcolm X) في لقاء تلفزيونيٍّ ذات مرة “إذا لم يتمكَّن الرجل الأسود من أنْ يثبت للرجل الأبيض في أميركا أنه قادرٌ وعازمٌ على دفع ثمن حريّته، فإنّه لن يتمكّن من إطلاق سراحه من قيد العبودية”. وحين سُئل عن الثّمن الذي يتحدّث عنه، أجاب بوضوح “إنّ ثمنَ الحريّة هو الموت!”.

وأبطالُ الربيع، الذي نسأل المولى سبحانه أنْ لا يُبقي ولا يذرَ نظاماً ظالماً إلا وطالَهُ، يثبتون لنا أنّهم قادرون وعازمون على دفع فاتورة هذا الثمنِ الباهظ تحت الحساب في انتظار تحصيل عاقبته بعد حين!

*       *       *

أعودُ فأقول: أباركُ للشعب السوريّ الباسل انتصارَه السّاحق في ثورته المباركة، فإنّ جوهرَها هو ما قد حصل فعلاً في النّفوس وتحوّل داخل مجرى الدّم في العروق.

أما المظهر الحاليّ لشلال الدّم المتدفِّق فلا يعدو أنْ يكون إجراءً شكليّاً جداً لرسم خارطة الطريق للوصول إلى الحريّة المنشودة.

وعندها، سيَثبُتُ للجميع ذلك النصرُ الذي نباركُه لِبَواسل الشام. وهو يومٌ ستتساقط فيه دموع الفرح الحبيسة في مآقينا حين نهتف معهم بأنْ “يحيا الشّعب، ويسقط نظام الأسد”.


Syria

Death of a Cameraman

I wrote this article a few weeks after the death of Ali Hassan Al-Jaber, and similar to its Arabic “counterpart”, it failed to find its way in the English-speaking press (you can imagine why).

I published it on my website because the National Human Rights Committee (NHRC) in Qatar was hosting an international conference on the protection of journalists in cooperation with Aljazeera Network.

It was the time for the infamous Network to provide us with the much-needed answers!


DEATH OF A CAMERAMAN

 

ali-hassan-aljaber-aricle-khalidalmahmoud

 

On Saturday, 12th March 2011, a mercenary for the Libyan leader Muammar Al-Qaddafi shot dead Ali Hassan Al-Jaber, a cameraman for Aljazeera Network. His cause of death was three bullets to the back whilst in a car with Aljazeera Arabic crew heading to the rebel held city of Benghazi. Al-Jaber was rightfully termed a martyr with a studio named after him to commemorate his memory.

Now, the following question may seem foolish, but I believe an investigation into this particular death is necessary:

WHO KILLED MR AL-JABER?

To find out who committed this horrendous crime, Aljazeera needs to answer three fundamental questions.

FirstWHAT TRAINING DID MR AL-JABER RECEIVE BEFORE HIS MISSION, IF ANY?

A journalist requires specific training to survive hostile environments; such training has become a tradition within international news agencies as a prerequisite for covering any military conflict. For Aljazeera, whose news coverage is chiefly about wars and armed tensions, it is an essential. A response like, ‘he covered wars before’, will not suffice; surviving a war without proper training does not deem one an expert, merely lucky.

This brings me to the second question: HOW DOES ALJAZEERA MANAGE ITS CREWS IN WARZONES?

Of course, the crew on the ground is responsible for taking care of themselves. The question, however, is on the kind of demands placed on them in terms of their safety. It is common for journalists to take risks and go to extreme measures to gather information (or seek fame); nevertheless, does this alleviate any channel from its responsibility towards their wellbeing?

News agencies always look for exclusivity, sometimes sought after at any price; but what is more important for Aljazeera: the crew’s safety or news exclusivity? If the answer is the former, then the Network, sadly, has a funny way of showing it.

Adding to this, the mere fact when a crewmember gets injured or even, God forbid, dies, the publicity the channel gains; a publicity that adds to its credibility as the “truth seeker”, whilst relieving those in charge of any responsibility simply because the deceased is a “Martyr” – an honourable death that should not be questioned.

The third and vital question: WHAT PROTECTION DID MR AL-JABER HAVE PRIOR TO HIS DEATH?

None of Aljazeera Arabic crew wore any bulletproof vests or helmets, as was evident during its coverage of the Libyan revolution. If no soldier should fight without gear, then no journalist should report without one.

I wonder how serious Aljazeera is when it comes to providing its employees with the much-needed protection when it demands of them to obtain good coverage. Naming news studios after martyrs could be a sign of “loyalty” but should this “loyalty” not show prior to their deaths as well?

What is astonishing, Aljazeera English crews had the proper gear from the beginning of the events whereas the Arabic outlet from the same Network did not. One of Aljazeera English correspondents informed me two professional armed bodyguards for crews’ protection – belonging to a prominent company in Britain – accompanied him.

Providing such protection for Aljazeera English crews in comparison to what Aljazeera Arabic crews had, indicates predilections between the two Aljazeera outlets apropos nationalities and ethnicities. Had the deceased been a Westerner, the matter will go beyond naming a studio after him. Indubitably, an investigation into Aljazeera’s accountability for its neglect and lack of professionalism would transpire and it would pay dearly for it.

There is a famous joke by George W. Bush regarding the killing of a million Muslims and a dentist, and the only response was: ‘why kill a dentist?’ A clear indication no one will care for the Muslims!

It is unfortunate when politicians think this way; but the fact none of Aljazeera Arabic crew had any protective gear, until ten days after Mr Al-Jaber’s death, is indicative of the Network having such a shameful mentality. For there is no other reason to justify such a treatment other than subconscious self-racism by categorising Aljazeera employees: the “invaluable” Westerner” and the “expendable” Arab/Muslim. 

If this is the case, then we have a dilemma.

On the one hand, Aljazeera stands with the people revolting against their dictators, whilst on the other, belonging to the same mindset as that of the regimes – to suck out the sense of citizenship from the people by making them feel inferior to others, be it a certain tribe, ethnicity, creed or political group.

Once again, if such interpretation is correct, then the regime within Aljazeera itself needs to step down and be replaced with a new management where equal and fair treatment for all are a priority regardless of backgrounds.

I reiterateWHO KILLED MR AL-JABER?

Although the bullets fired in Libya are what killed him, the hand that pulled the trigger is Aljazeera. The pursuance of the criminals should not end with finding the gunman; those in charge at Aljazeera are also responsible for the man who lost his life for the truth.

عِنْدَمَا تَصْمُتُ الجَزِيرَةُ

تقديم

نُشِرت هذه المقالة مع تنظيم اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في قطر مؤتمراً دولياً لحماية الصحفيين في المناطق الخطرة، وذلك يومي الأحد والاثنين 22، 23/ 1/ 2012. وحيث إنّ المؤتمر المذكور عُقِد بالتعاون مع شبكة الجزيرة، فلعلَّ من المفيد أنْ يبلغونا بما قامت به الشبكة لمحاسبة المتسبِّبين في مقتل الشهيد علي حسن الجابر، شيخ المصوّرين القطريين رحمه الله، مِمَّن هم داخل الشبكة، سواء من استقال منهم ومن لا يزال على قيد وظيفته، خاصّة أنّه قد مرّ على استشهاده نحو عام.

وهذه حجّتنا في الذي نزعم.


عِنْدَمَا تَصْمُتُ الجَزِيرَةُ

 

ali-hassan-aljaber-aricle-khalidalmahmoud

 

إذا كان الإمام الثوريّ قال إنّ “أوّل العِلمِ الصّمْتُ”، فإنّ كلامه لا ينطبق على صمت الجزيرة طيلة الأشهر الماضية.

والأمر يحتاج إلى بيان.

*       *       *

أما الصّمت الذي أطبق على إدارة الشبكة فكان بخصوص أسباب استشهاد شيخ المصوّرين القطريين علي حسن الجابر رحمه الله في ليبيا، والذي ما عاد خافٍ على كل ذي سمع.

وأما السبب فمدعاته أننا وجّهنا ثلاثة أسئلة بدت إجاباتها مهمة حتى نتأكد من أنه لم يُقتل بسبب إهمالها في حمايته وتعمّدها إرساله إلى حيث يجد مَصرَعَه.

ذلك أن أسوأ ما يمكن أن يتمّ مع الشبكة واسعة الانتشار أن تصدق معها المقولة التي قيلت تدليساً في سيدنا عمّار بن ياسر بعد استشهاده، وهي “قتلَ عمّارَ من جاءَ بهِ إلى هُنا”!

*       *       *

الأسئلة التي طرحناها سابقاً هي التالية:

الأول: ما نوعية تدريب موفدي الشبكة بخصوص تغطية المناطق المشتعلة؟

الثاني: ما مدى حرص الجزيرة على سلامة موظفيها في مقابل حرصها على الأخبار التي ينقلونها إلى القناة؟

أما الثالث فهو: ماذا وفّرت الشبكة من حماية لطاقم العمل الذي كان الشهيد رحمه الله أحدَ أفراده؟

وحيث انقضت مُدّة الحِداد على الفقيد وأوشك عامٌ كامل أن يمرّ على ذكرى استشهاده دونما أيّة إجابة، فسنُضطر لتحرّي إجابات خاصة بنا. ذلك أن تجربة العمل في الجزيرة لما يربو على اثني عشر عاماً علمتني الكثير مما يدور في كواليس القناة منذ أن كانت تحبو وإلى حين استقالتي منها بعيد استشهاد الأخ الحبيب في 11/ آذار، مارس 2011.

*       *       *

الإجابة على السؤال الأول أن الشهيد رحمه الله لم يتلق أيّ نوعٍ من التدريب، لا عملياً ولا نظرياً. فأنا أعرف يقينا أنّ أحداً من مراسلي الجزيرة العربية (الأمّ) لم يتلق أيّ تدريب، عمليٍّ على وجه الخصوص، متعلقٍ بالبيئات العدائية.

وهذا الأمر ليس حصراً على مراسلي الشبكة في ليبيا، بل ينطبق على كلّ صحفيّ راسلَ القناة منذ أطلِقتْ أولُ رصاصة نقلتها الجزيرة منذ ميلادها.

ولكم أن تسألوا مراسلين من أمثال تيسير علوني وعبدالحق صداح ومحمد خير البوريني، وجميعُهم شاركوا في تغطية الحروب الأولى التي وضعت الجزيرة على خارطة القنوات العالمية. فكانت أوّلاً عملية ثعلب الصحراء في العراق (1998)، ومن بعدها غزو أفغانستان (2001)، تلاه غزو العراق (2003). بل بالإمكان الرجوع إلى مدير الشبكة السابق نفسه، والذي شارك في تغطية الحرب على العراق، وهو بالتالي عارف بما يخفى على غيره.

*       *       *

أما جواب السؤال الثاني فهو أن حرص إدارات الجزيرة المتعاقبة على الأخبار يفوق – وبمراحل – حرصها على سلامة طواقمها على الأرض.

مَرَدُّ ذلك أنها رابحة في الحالين: فهي تكسب قصب السبق في حال نالت تغطية مميزة أو خبراً عاجلاً من جهة؛ وهي من جهة أخرى تزيد مصداقيّتها – وبالتالي شهرتها – إذا تعرض أحد أفرادها للأذى أو لا قدّر الله للموت.

وأحسب تجربتي الشخصيّة في جنوب أفريقيا، والتي عملت أثناءها تحت لواء مدير الشبكة السابق، كافية لأؤكد أنّ أحداً لم يُكلف خاطره بالاطمئنان على حالتي، ناهيك عن أن يتولى دفع تكاليف المستشفى الذي تطبّبت فيه. بل الأنكى، أنّ من اتصل بي في اليوم التالي وجد الأمر مدعاة للسخرية لكوني لم أحتمل رشاش المياه. وبالمناسبة، غرض اتصال ذلك الشخص كان استبانة طبيعة التقرير الذي أنوي إرساله في ذلك اليوم، فحسب!

*       *       *

المضحك المبكي هو جواب ثالث الأسئلة حول ما وفّرته الشبكة من حماية لطاقم العمل. ذلك أنّ أحداً من أفراد الطاقم الذي شمل الشهيد رحمه الله لم يكن لديه شيء من وسائل الحماية، وهو أمرٌ بقي مستمرّاً لأيام بعد استشهاده. ونُذكّر في هذا السياق أنّ الرصاصات أصابته من ظهره واخترقت صَدرَه، بمعنى أنّ السترة الواقية لربما منعت ذلك، أو قللت تأثيره على الأقل. وإن كنت أؤكد أنني لست بصدد الاعتراض على حدث الشهادة التي هي قدَرُ الله سبحانه، وإنما على الطريق التي أوصلته إليها.

وما تعلل به كبراء الشبكة هو أنّ السلطات المصرية منعت دخول المعدات الخاصة بالحماية بينما سمحت بدخول معدات التصوير مع الطاقم الذي عبر الحدود.

بيد أنّ مسؤولي الجزيرة لم يذكروا سبب بدء الطاقم في التغطية قبل اكتمال معداته. فمعدات الحماية تعادل في أهميتها معدات التصوير، إن لم تزد عنها. ومثلما أنه من غير المعقول أن يحارب الجندي دون كامل عتاده، فكذلك لا ينبغي للإعلامي أن يبدأ مهمته دون كامل معداته.

وما سمعناه مراراً من مدير الشبكة السابق أن القذافي أكدّ أنه سيستهدف كلّ من يدخل ليبيا دون تصريح، وعليه، فإنّ تشديد الحماية لهم مع معرفة تلك النية المُبيّتة يبدو طبيعياً، كما تغدو مباشرتهم العمل مع انعدام الحماية ضرباً من المقامرة. ولو فرضنا أن بدء العمل كان رغبة شخصيّة من الطاقم، فالواجب على الإدارة منعهم لأن النتيجة قد تكون وخيمة.

ناهيك عن أنني علمت أن مدير الشبكة السابق كان له – وربما ما يزال – حارسٌ شخصيّ (غير رسميّ!) يُجيدُ عدداً من الفنون القتالية يرافقه في المناسبات العامة. وإذا كان هذا حرص المدير على نفسه وهو في قطر، فعلام يقبل لطواقمه أن يكونوا عُزّلاً من الحراسة في خِضَمِّ الحرب.

وما يثير الاشمئزاز في مقابل ذلك الأسلوب في التعاطي مع إعلاميّي القناة العربية، هو معرفتنا بأن مسؤولي الجزيرة الإنجليزية (الأجانب) وفروا لطواقمهم كافة أسباب السلامة. ففضلاً عن الدورات التدريبية الخارجية، إضافة إلى المعدات الضرورية لكل فردٍ منهم، ناهيك عن تأكيدهم أن سلامة الطاقم تأتي أولاً، فإنهم تعاقدوا مع شركات أمنية متخصصة لحماية الشخصيّات لمرافقة طواقمهم. وهذه العملية ليست ترفاً شكليّاً، إنما حرصٌ واضحٌ على سلامة الإعلاميين. وأولئك الحرس هم أصحاب الكلمة الفصل في توقيت الحركة وقرار الانسحاب أو الخروج من البلاد، إذا تعرضت سلامة العاملين للخطر.

وحيث يُفترض أن اسم الشبكة هو “الجزيرة” وليس “الأرخبيل”، فإنّ من غير المقبول أن تكون معاملة البعض فيها كالسادة فيما الآخرون يعاملون كالعبيد. وهو الأمر الذي لا نجد سبباً له سوى تقدير الغربيّ، في مقابل ابتذال العربيّ والمسلم!

*       *       *

السؤال الآن: ما المطلوب؟

في تقديري أننا بحاجة لاستعادة ثقتنا في الجزيرة باعتبارها نصيراً للشعوب، لا شبيها للأنظمة.

وحتى يتحقّق هذا، فأزعم أن قيمة رفيعة ينبغي أن تكون حجرَ الزاوية في الشبكة جمعاء. تلكم هي قيمة الإحساس بالمسؤولية!

وما سيؤكد وجود هذه القيمة لدى إدارة الشبكة ليس الخُطب الرنّانة التي ما فتئ مدير الشبكة السابق يَنبَري لها، إذ إنّ تحقق القيمة يتمّ بتحوّلِهِ إلى سلوكٍ عملي.

ولهذا فإنّ ما نتوقّعه من الإدارة الجديدة للشبكة هو مباشرة عملية محاسبة حقيقية يتمّ خلالها التحقيق مع المسؤولين في الشبكة (القناة العربية خصوصاً) للتعرف على المسؤولين عن مقتل أخينا الشهيد، رحمه الله، قبل أن تحلّ ذكرى رحيله الأولى.

هذا التحقيق ينبغي أن يبدأ داخلياً، وإن كان ينبغي أن يتحول إلى تحقيق جنائيٍّ لاحقاً. ذلك أن الإهمال المؤدي إلى القتل، والذي أحسبه سبب استشهاد الجابر، هو ما أثق أنّ أيّ هيئة تحقيق مستقلة ستبلغه في استجوابها للمسؤولين، من أقيل منهم ومن ينتظر.

هذه المهمة ينبغي أن تكون أولى توجيهات الشيخ أحمد بن جاسم آل ثاني، مدير الشبكة الجديد. فمن المُعيب في حقِّه أن يبدأ عمله دون ملاحقة المسؤولين عن الدماء التي لطخت الكرسيّ الذي يجلس عليه الساعة!

وحيث كنتُ أحد أقرب المقربين للمدير العام السابق للشبكة عند توليه ذلك المنصب، فإنّي أذكر تماماً ما قاله في الاجتماع الأول الذي جمعه بالموظفين بضرورة العمل على التغيير والحرص على مصالحهم في نفس الوقت، خاتماً كلامه بلهجته “بلكي ظبطت”! وما أحسبه يبدو للجميع الآن أنها كما نراها جلية “ما ظبطت”!

فرغم مرور ثمانية أعوام طوال، وحادثتي استشهاد، فإنهُ عَجزَ عن توفير أهمِّ ما يُفترض توفيره لموفدي الجزيرة، ألا وهو تأهيلهم لمواجهة الخطر المحدق بهم على الدوام. ولسنا بحاجة للتأكيد بأنّ عمل الشبكة يعتمد في قطاع وافرٍ على تغطية المصائب، وهو ما يجعل العاملين شركاء في تلك المصائب، شاؤوا ذلك أم أبَوه!

ولقد آن لمن أساء أن يُحاسب، وإلا فإنّه سيفعلُ فِعلَ من أمِنَ العقوبة بعدما تسبب في مقتل الجابر، رحمه الله!

مَنْ قَتَلَ الشَّهِيدَ؟

تقديم

هذه المقالة نـُشرت بعد استشهاد الأخ الشهيد علي حسن الجابر في 12/ آذار، مارس/ 2011 وذلك ببضعة أسابيع. وكان سبب تأخر نشرها أنّ عدة صحف محلية وعربية ومغتربة رفضت نشرها. ولذلك فقد تم نشرها لاحقاً عن طريق المنتديات الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي. وإن كانت الأسئلة المطروحة فيها ما تزال قائمة دون جواب من إدارة شبكة الجزيرة.


مَنْ قَتَلَ الشَّهِيدَ؟

حَولَ اسْتشهادِ عَلي حَسن الجَابرِ

رَحِمَهُ اللهُ

 

ali-hassan-aljaber-aricle-khalidalmahmoud

 

استشهادُ شيخ المصوِّرين القطريّين علي حسن الجابر رحمه الله أمرٌ يحتاج للتوقف عنده والتأمل في أسبابه. ذلك أن الشهادة أمرٌ مُشرّفٌ لا ريب، إلا أنّ ما أوصله إليها ليس بالضرورة كذلك.

*       *       *

أحسبني بحاجة في بادئ الأمر لتوضيح مسألةٍ أثق أنها قد تشغبُ على الفكرة الرئيسة في هذا السياق.

إذ بطرحي السؤالَ الذي يُعَنونُ هذا المقال، فإنني لست بصدد الاعتراض على قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره اللذين سبقا في علم الغيب عنده بشأن شهادة أخينا عليٍّ رحمه الله. وقد أخبرنا الله تعالى بذلك في أكثر من موضع من كتابه العزيز مؤكداً في هذا الشأن أنّ واحداً من أغراض التدافع بين الناس وتداول الأيام بينهم إنما هو {لِيَعْلمَ اللهُ الذيْنَ آمَنوا وَيَتخِذ مِنكُمْ شُهَدَاءَ}.

بيد أني في المقابل أجدُ من الضرورة بمكان ألا يلتبس الأمر على الناس، فيتداخل النهي الرباني {وَلا تقتـُلوا أنفُسَكُمْ} من حيث لا نشعر في مقام السعي إلى الشهادة. فلا يجوز مطلقاً إقحام الناس في معرض الخطر، ظناً منا بأنها هي الشهادة التي يتوخاها المؤمنون منهم. وأزعم أن الأمر سيكون مثيراً للاشمئزاز إذا تلقَّى ذلك القاتلُ التعازيَ باستشهادِ ضحيته، بل وأمسى أكثر المستفيدين منها.

وهذا تحديداً ما دعاني لكسر حاجز الصمت لإعلان هذا الأمر علانية. ذلك أنّ علي حسن الجابر وإن كان زميلاً بحكم عمله مديراً لقسم التصوير الميداني في قناة الجزيرة فإنه قبل ذلك مواطنٌ قطريّ وأخٌ عزيز. وأرى من الواجب عليّ في مقام استشهاده في سبيل إظهار الحق أن أعمل على إظهار الحق في مسألة شهادته.

*       *       *

ما أطرحه هنا أسئلة أجد من الواجب على شبكة الجزيرة الإجابة عليها لتؤكد لنا أن استشهاد الفقيد رحمه الله لم يكن بسبب إهمالٍ أو استهتارٍ مهنيّ في إحاطته بأسباب الأمن في موقعه.

أوّلُ هذه الأسئلة متعلق بنوعية التدريب الذي تلقاه الشهيد، عمليّاً كان أو نظريّاً، في مواقع التصوير المحاطة بجَوٍّ عَدائيّ.

فالمعروف لدى شتى المؤسسات الإعلاميّة الدولية أن هناك أموراً كثيرة ينبغي التنبّه إليها لدى من يشارك في تغطية الحروب. وقد تحولت تلك الحاجة منذ سنوات طويلة إلى دورات تدريبية نظرية وعملية تحيط المشاركين فيها علماً بكيفية التعاطي مع الأحداث وردود الفعل الممكنة تجاه التصرفات العدائية تجاههم، ناهيك طبعاً عن الدورات الخاصة بالإسعافات الأولية التي قد تمنع بعض حوادث الموت التي تحصل بسبب جهل أفراد الطاقم بها.

سؤالي الثاني متعلقٌ بطبيعة التوجيهات الإداريَّة إلى الموظفين أثناء تغطية الحروب.

فنحن ندرك أنَّ هناك مسؤولية شخصيّة تقع على عاتق من يغطي الأحداث العسكرية، ولكننا في المقابل نسأل عن طبيعة مسؤولية المؤسسة الإعلاميّة تجاه مراسليها في هذا الشأن. إذ إن تطوع الطاقم الصحفي لا يعني أن المؤسسة ملزمة بالاستجابة إلى رغبة موظفيها في الدخول إلى معمعة الحرب دون أخذ أسباب الحيطة. فمن يعمل في مهنة الصحافة باحثٌ إما عن المتاعب أو مستقتل للشهرة، وكلاهما لا يعفي المؤسسة التي ينتمي لها أن تضع الحدود التي تضمن له السلامة.

وفي تقديري أنّ موافقة المؤسسات الإعلاميّة على خوض فريق ما لذلك الغمار دون أخذ الاحتياطات اللازمة، وإن كان طوعيّاً، يشي بأنها حريصة على نيل السبق في نقل الخبر أكثر من حرصها على سلامة ناقله. فشعارٌ مثل (خاص بالجزيرة) بات علامة من علامات الجودة التي تتنافس كلّ المؤسسات الإعلاميّة (المرئية تحديداً) على بلوغه بأيّ ثمن حتى لو كان غالياً مثل ما جرى مع أخينا الشهيد، وكان يمكن أن يكون مضاعفاً، لولا ستر الله تعالى. وأعود للتذكير بأنني لست معترضاً على ما نحسبه شهادة لأحد الزملاء، إنّما اعتراضي على الطريق الذي تم سلوكه لنيل تلك الشهادة.

أما المسألة الثالثة فهي طبيعة الحماية التي رافقت الفريق الذي كان الشهيدُ أحدَ أفراده.

فما رأيناه أثناء تغطية أحداث الثورة أنّ أحداً من مراسلي الجزيرة العربيّة لم يرتد الملابس المخصّصة للحماية بما يشمل الخوذة الواقية أو السترة المضادة للرصاص. هذه الملابس باتت الآن جزءاً من عمل الإعلاميّ في البيئات الحربية. وهي بالإضافة إلى توفير الحماية، فإنها أيضاً أداة تعريفٍ به بين الجموع، باعتبارها تبيّن أنها خاصة بالعاملين في الإعلام الذين تُحرّم القوانين الدولية التعرض لهم أثناء أداء مهماتهم.

والمتابع لتغطية الجزيرة العربيّة يعلم أنّ أحداً من مراسليها لم يرتد أيّاً من تلك الملابس إلا بعد أكثر من عشرة أيام من استشهاد زميلهم رحمه الله.

وهذا يجعلنا نتساءل إن كانت شبكة الجزيرة جادّة في توفير الحماية لموظفيها قبل أن يتعرضوا لحادث سوء، في مقابل ما تزعمه من وفاء في حقِّ أبنائها بعد رحيلهم. فالأصل في الوفاء تحمّل المسؤولية تجاه الأشخاص بحفظ وجودهم، لا بتسمية استوديوهات الأخبار بأسمائهم بعد استشهادهم.

وما يثير الدهشة أن طواقم عمل القناة الإنجليزية التابعة لنفس الشبكة ظهروا وهم في كامل عدتهم، وهذا الأمر لم يبدأ بعد استشهاد أخينا عليّ، بل منذ بدأت الثورة قبل استشهاده. وقد علمت من زملاء في القناة الإنجليزية أنَّ مراسليها لا يتحركون إلا في مَعِيّة رجال أمنٍ شخصيّ، مسلحين ومتخصصين في حماية الشخصيّات.

وتَوفُّر هذه الإمكانات للعاملين في القناة الإنجليزية في مقابل انعدامها المطلق لدى مراسلي القناة العربيّة (رغم أنّ هذه الأخير أقدم من ناحية العمر المهنيّ وأكثر من ناحية الخبرة العملية في تغطية الحروب) يجعلنا نتساءل عن طبيعة تعاطي إدارة الشبكة مع موظفيها، وفيما إذا كانت ثمَّةَ تفضيلات معينة تمليها حسابات الجِنسِيّة والانتماءات العرقيَّة. إذ أثق أنه لو كان المراسل الذي لقي حتفه تابعاً لدولة أجنبية (غربيّة تحديداً) لما توقف الأمر على مهرجانات الوفاء والتضامن، بل تعداه للمساءلة القانونية من طرف أهله ودولته عما تمّ توفيره من الشبكة لحمايته في بيئة لا يمكن وصفها بأقلَّ من كونها عدائية. وما سيترتب على تلك المساءلات القانونية سيكون مبلغاً جباراً من المال لصالح أسرته، والتزامات كثيرة تجاه نظرائه في مواقع عمل كتلك لضمان عدم تكرار الحادثة.

وحقيقة أن أحداً من أفراد طواقم الجزيرة العربيّة لم يمتلك تلك المعدات والملابس في عمله المحاط بالخطر، إلا مؤخراً، قد يشير إلى نوعية تفكير إدارة الشبكة في تعاطيها مع الإنسان العربيّ/ المسلم في مقابل نظيره الغربيّ. فمجرد أنهم افتقدوا المعدات والحماية لأسابيع يجعل من الصعب تفسير الأمر على غير الشاكلة التي تقترح أنّ العقل الباطن لدى الجهاز الإداري يميّز بين العاملين فيها بحسب الثمن الممكن أن تدفعه في حال حصول حادث شبيه باستشهاد رئيس قسم التصوير (القطريّ/ المسلم).

وإذا صحّ هذا التفسير، وما رأيناه على شاشة الجزيرة يؤكد ذلك أكثر من أن ينفيه، فإنّ تلك لعمري مصيبة من أكبر المصائب. ذلك أن الشبكة التي تقف في صفّ أصحاب الثورات ضد أنظمتهم الظالمة من ناحية التغطية الإعلاميّة (وإن زعمت الحياد)، فإنّها حاضرة في نفس مربع أنظمة الحكم التي تعمل تلك الشعوب على إسقاطها. إذ إنّ أكبر جريمة ترتكبها تلك الأنظمة أنّها انتزعت من مواطنيها إحساسهم بالمواطنة وأعدمت لديهم الأمل بتكافؤ الفرص أمامهم بِغَضّ النظر عن انتماءاتهم القبلية أو الحزبية أو الطائفية، وغيرها من أسباب التمايز بين المواطنين. ومُجدداً، إنْ صَدَقَ ذلك التفسير، فهذا يعني أنّ شبكة الجزيرة نفسها بحاجة إلى ثورة مشابهة لتلك الثورات بحيث يتغير فيها النظام بكلِّ رُموزه ليحلّ محله نظامٌ يُمثل أبناء تلك الشبكة، دون اعتبار لخلفيّاتهم وانتماءاتهم المتباينة، ويُديرهم بميزان العدل والسواسية.

*       *       *

قبل الختام، فإنّني أعلم أنّ طرح مثل هذا الرأي سيثير الكثير من الغبار حول مصداقية الجزيرة، ناهيك عن كثير المشاكل التي قد تنالني شخصيّاً باعتباري موظفاً سابقاً فيها.

وهنا أحتاج إلى توضيح أمرين مُهمَّين.

الأوّل، أنّ مصداقية الجزيرة ينبغي أن تقوم على أساس صلب من تحرّي الحقائق والالتزام بمعايير الشرف المهنيّة الذي ألزمت نفسها به. وهذا لن يتحقق دون المرور عبر غربال من الصدق مع الذات والشفافية مع المجتمع (المجتمع الصغير داخل المؤسسة الإعلاميّة، والمحيط الحضاريّ الكبير الذي تنتمي إليه الشبكة). وإذا كان مصداقية الجزيرة ستتأثر بهذا النقد، فذلك يعني أن ثمَّةَ خللاً تعاني منه الشبكة ذائعة الصيت، يحتاج إلى التصارح علناً بشأنه حتى يتم إصلاحه. ذلك أنه إذا عجزت قناة تعمل على تغطية المصائب والحروب منذ نشأتها عن توفير أدنى متطلبات الأمان للعاملين فيها أثناء تغطيتهم تلك الأحداث، فإنّ الأمر يحتاج إلى ما هو أكثر من رسالة من موظف إلى رئيس قسم أو مدير إدارة، بل حتى إلى المدير العام أو رئيس مجلس الإدارة.

الثاني، أنّني وإن كنت انتميت إلى الشبكة والتزمت بقوانينها عند عملي فيها سابقاً، فإنّ ثمَّةَ التزاماً أكبر يفرض عليّ الخروج إلى العلن بهذا الموضوع؛ ذلكم هو انتمائي لبلادي وأمتي وديني، وكلّ واحد من تلك الانتماءات الثلاثة يتجاوز انتمائي لمؤسسة إعلاميّة مهما كانت ضخامتها. ذلك أن قطر والعروبة والإسلام أعزّ عليّ من أن التزم قوانين الشبكة التي أثق أنها قد تلجأ لمحاكمتي لما تجرّأت على إعلانه مما يدور في خلد كافة الموظفين غير القادرين على الحديث بهذا الخصوص. وحسبي في ذلك أن تلك المحاسبة ليست الأولى، إذ سبق أن تمّ التحقيق معي وتوقيف راتبي أكثر من مرة بسبب صراحتي سابقاً، ولا أحسبها ستكون الأخيرة. ورغم ذلك فإنني أعود للتأكيد على أن طرح مثل هذا الموضوع علانية هو وحده ما يمكن أن يجعل من شبكة الجزيرةِ جزيرة واحدة يتساوى فيها الجميع، لا أرخبيلاً يحوي بعضُه السادة ويجمع بعضُه العبيد.

*       *       *

نعود لنسأل سؤال البداية: من قتل الشهيد علي حسن الجابر؟

ذلك السؤال وإن بدا مُستسخفاً في مطلع الأمر، فإنه وحده الذي سيدفعنا للعثور على الإجابة التي نبحث عنها.

فرغم أنّ الرصاص الذي اخترق جسده خرج من سلاح في ليبيا، فإن اليدَ التي أطلقته ربما تكون بين ظهرانينا دون أن ننتبه. وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ ملاحقة الجناة ينبغي ألا تتوقف على من حمل السلاح وحده، فالكلّ هنا مسؤول عن تلك الدماء الطاهرة التي سالت في سبيل إظهار كلمة الحق.