إسَاءَتُنا لِرَسولِنا ﷺ

أتساءلُ، لو أنّ أحداً لم يخرج في مظاهرةٍ أو يُحرق علماً أو يقتحم سفارة أو يدعو إلى مقاطعة مواقع على الإنترنت، هل كان أحدٌ مِنَّا سيعرفُ أنّ ثمَّةَ وضيعاً أنتجَ فيلماً يُسيء فيه إلى نبيّنا على الصَّلاة والسلام؟!

وللتذكير، فإنّ رُبع القرن الماضي شهد نماذج عِدّة مشابهة للحدث الأخير، أذكر منها على سبيل المثال: رواية “آيات شيطانيَّة” لسلمان رشدي، الصور الكرتونية الدنماركية، فيلم “فتنة” لعضو البرلمان الهولندي غيرت فيلدر، إحراق المصحف في إحدى كنائس ولاية فلوريدا، وغيرها مما لا يتسع المجال لحصره.

أعود فأقول: أكان يمكنُ لأيّ من هذه المحاولات الوضيعةِ لِلنَّيل من نبيّ هذه الأمَّةِ أنْ تجد لها رواجاً مثل الذي لقيته بعدما أشهرناها نحن بجهالتنا للعلن؟!

الإجابة هي: قطعاً، كلا.

بيد أنّ السؤال الأهم، في تقديري، هو: ما الذي يجعلنا ندخل نفس الجُحر الذي منه نلدغ كلّ مرة؟!

إجابة هذا السؤال تحتاج إلى بيان.

*       *        *

واحدٌ من أشهر الأبيات المتداولة لدى العرب من قديم قول شاعرهم:

لو كُلّ كَلبٍ عَوَى، ألقـَمْتـَهُ حَجَراً

لأصْبَحَ الصّخْرُ مِثقالاً بدينارِ!

والمعنى الذي ما فتئت جماهير أمتنا تتجاهله صاغِراً عن صاغِر، أنّ الحكيم هو من يتجاهل الكلاب التي تنبح عليه أثناء سيره، لأنّه لو انشغل بإلقام كلّ منها حجراً لإسكاته، لنتج عن ذلك أنّ الحصى سيصبح بقيمة الذهب، لكثرة ما سيحتاجه المرء لإسكات الكلاب العاوية… وما أكثرها!

ولكنّ الحكمة وحدها، أو بالأحرى غيابها، ليست السبب الوحيد في تكرُّرِ تلك المشاهد التي تمارسها الجماهير المسلمة، والتي غالباً ما تعود علينا بالخسارة بالمناسبة.

ذلك أنّ الإعلام الغربيّ يتشبثُّ بصُورنا ونحن نشتم ونُحرق وندمّر وندعو إلى هلاك الآخر، ليؤكدّ من خلال تلك الصور أنّنا أمّة من الغوغاء، وأنّ وصولَ بعضنا إلى الحكم، خاصة المنسوبين إلى التّيار الإسلاميّ، يعني بالضرورة إقصاء الآخر وتهميشه، بل ربما تصفيته.

ما أزعمه سبباً لهذا كله، أمران اثنان كلاهما يُعَبّر عن حالة نفسيّة غير سَويّة.

الأمر الأول: هو حالة اليأس التي أحاطت بنا لعقود طويلة، وربما لقرون مُمتدة بعد تقطـّع أوصال الأمة وانشغال قادة دويلاتها بملذاتهم ومصالحهم الضيّقة عن مصلحة الأمة بامتدادها طولاً وعرضاً.

تلك الحالة، التي نرى فيها أنفسنا الطرف الخاسر دائماً، هي ما تدفعنا للبحث عن انتصار… أيّ انتصار، يُشعرنا أنّ لحياتنا معنى وأنّ لوجودنا قيمة.

وتجليات هذه الحالة لا تقتصر على “انتصارنا” للرسول عليه السلام في الحوادث المشابهة، بل يمكن إبصارها في كافّة ردود أفعالنا على مختلف المستويات.

خذ منها مثلاً ما ينتاب المشجعين في ميادين الرياضة من مشاعر جيّاشة تجاه فوز فريق أو خسارته في منافسة رياضية، مهما بلغت من الصغر. ولعلـّي لست بحاجة لتذكير الكثيرين بما شهدناه في تصفيات كأس العالم المُؤهّلة لجنوب أفريقيا 2010 عندما نشبت الفتنة بين جماهير مصر والجزائر لأجل مباريات غرضها التأهل لكأس العالم فحسب، لا الفوز به، بالمناسبة!

ما جرى آنذاك، هو نفسه الذي يجري الآن، مع اختلاف الرُّتوش والمظاهر، لأنّنا في الحالتين نبحث عن انتصارٍ… أيّ انتصارٍ في حياتنا المُترَعَة بالهزيمة!

أما الأمر الثاني: فهو رغبتنا الماسّة في التخفيف عن ضمائرنا المتعبة بسبب ابتعادنا عن منهج النبيّ عليه الصلاة والسلام وشريعته الغرّاء، فتَرانا نعمل على تعويض ذلك البُعد المُشين بأن نُظهر أنفسنا في مظهر المنافح عن نبيّه والمدافع عن كرامته ﷺ، وهو في غِنى عن ذلك عليه السلام، إذ إنّ المولى سبحانه وتعالى تكفّل له بذلك عندما قال {إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ}.

وهذا أيضاً شعورٌ له مظاهر متعددة لدى شرائح كبيرة من أبناء هذه الأمة، يصفعك حيثما التفتّ.

إذا أردت مثالاً، فما عليك إلا أن تلقي نظرة سريعة إلى حال الذين يضعون المُلصقات القائلة “كُلّنا فِداك يا رسول الله”، لتتعرف على مقدار التناقض الذي يعيشونه بين ما يزعمون من فداء الرسول على السلام وبين ما يعزمون على تطبيقه من شرعه واتِّباع هديه.

وإذا سألت أحدهم عن تقصيره البيّنِ في شتّى أمور الشريعة التي يزعم أنه يفتدي نبيها الكريم، كانت الإجابة من أمثال “على الأقل أنا أصَلّي” أو “على الأقل أنا متحجبة”، بل أحياناً “على الأقل أنا مسلم”.

ويا سبحان الله، فما أشبه هؤلاء بما ذكره الكتاب الكريم عن الذين زعموا الإيمان ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم، فتراهم {يَمُنّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلـَمُوا}.

*       *        *

خلاصة الأمر أنَّنا نُسيء لرسولنا الكريم أكثر مما يُسيء إليه أولئك الأشقياء بما يفترونه عليه، ﷺ. ذلك أنّهم يُكرّرون ما يقولون وهم يناصبونه العداء، فيما نفعل ذلك بينما نزعم أنّنا له أوفياء ولدينه أولياء.

وأزعم أنّه لو عُرض هذا الأمر عليه ﷺ، لقال لنا مثلما قال لعمر بن الخطاب الذي أراد أنْ يضرب عنق يهودي جاء يستوفي دَينه من المصطفى بأنْ افترى عليه بأنَّه مِمّن يماطلون في أداء الحقّ لأهله، فقال {كُنّا أحوجَ إلى غيرِ هذا منكَ يا عُمَر، أنْ تأمُرَني بحُسن الأداءِ، وتأمُرَهُ بحُسن التّقاضيْ}.

ذلك أنّ الرّحمة المهداة للعالمين، إنّما جاء ليُحِقّ الحَقّ بكلمات الله، ويقيم العدل بين الناس مهما كان دينهم. وإنّه ما كان ليرضى أنْ نضع وِزرَ أنفسِنا على غيرنا بحجَّة أنّهم قالوا عنه ما ليس فيه.

إذ:

لو كُلّ كَلبٍ عَوَى، ألقـَمْتـَهُ حَجَراً

لأصْبَحَ الصّخْرُ مِثقالاً بدينارِ!


By Rabab Maher

2018WCBLogo-RababMaher

شاركنا رأيك | Share Your Views ↓

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.