ثمنُ الخوف

أخوف ما أخافه علينا بعدما يرفع المولى سبحانه وتعالى عنّا هذه الغُمّة أن ينجلي الوباء ويبقى الخوف منه. ذلك أنّ أعدى أعدائنا في هذا الوضع هو الخوف نفسه، وأخطر منه أن يتسرّب الهلع إلى نفوس أبنائنا فيعيشون تحت سطوته دون إدراكهم إيّاه أو كيفية التصدّي له.

*       *       *

أقول هذا مع تزايد الإجراءات الاحترازيّة التي تعمد لها الدولة، وهي مشاهد قد تبثّ القلق والتوتّر لعدم اعتيادنا عليها في بلادنا. فالعزلة المنزليّة تقطعهم عن أنشطتهم اليوميّة والتي منها حضور المدرسة والذهاب للمساجد والملاعب والأسواق واللقاءات الاجتماعيّة، ناهيك عن إجراءات اكتشاف الأشخاص المصابين بالفيروس في الأماكن العامّة. وأودّ أن أثبت ههنا أنّني أحمد للدولة سرعة استجابتها للتصدّي للوباء المحتمل وتعاملها معه بحزم منذ أسابيعه الأولى (وهو ما تهاونت فيه دول “مُتمدّنة” وتدفع الآن ضريبته).

ولكنّي أعلم يقينًا أنّ تأثير تلك المشاهد، خاصّة على الصّغار والمراهقين، لن يمرّ مرور الكرام. خاصّة إذا اعتبرنا مقدار التشديد على العزلة المنزليّة والتشهير – الضروريّ – بمن يستهترون بالحجر الصحيّ، والحصار الإخباريّ الذي يُعايشونه داخل البيوت، ناهيك عن الأحاديث مع أفراد أسرهم وأصدقائهم، والشائعات التي ينشرها طالبوا الشهرة في وسائل التواصل الاجتماعي (بحسن نيّة أو عدمها).

فكلّ هذا يعني تسرّب مظاهر شتّى من المشاعر السّالبة التي تدور في فلك الخوف.

والاستجابة البدنية للخوف هي في حدّ ذاتها خطرٌ عظيم، ما لم يُتصدّى له بتحرّي أسباب تخفيفه ومن ثمّ إزالته وإراحة النفس منه. فالعقل الباطن يجعل البدن عند الخوف في حالة استنفار تامّ، تحسّبًا للخطر الذي يتحرّز منه الإنسان. وحالة الاستنفار هذه توقف كافّة أجهزة البدن عن العمل ما لم يكن لها دورٌ فاعل اللحظة الراهنة، والتي قد تستدعي الكرّ أو الفرّ (بالإنجليزيّة: fight or flight). وهذا يشمل كلًّا من الجهاز الهضميّ والبوليّ والتناسليّ، وأهمّ منها جميعًا الجهاز المَناعيّ الذي يحمي الجسم من الأمراض. تلك الأجهزة تتعطّل مؤقّتًا لتوفير طاقة الإنسان للتعامل مع سبب الخوف، والذي يمكن أن يكون أفعى سامّة أو سيّارة مسرعة، حيث يتحتّم عليك تجنّبهما لضمان سلامتك.

بيد أنّ إشكالية الوباء هي أنّه عديم الوجه والصوت، فهو حالة حاضرة حولنا ونبصر مشاهدها دون أن نتعرّف على الخصم الذي يُمثّلها. وهذا يُحوّل الخوف من الوباء نفسه إلى خوفٍ من شتّى المناظر التي ارتبطت في وعينا بمقاومته، والتي منها الطعام الصحيّ الذي جدّ على نظامنا الغذائي، والحرص على النظافة الشخصيّة والقفازات والكمامات، والمكث في المنزل، والأخبار التي تَزِنّ على مسامعنا، وغيرها الكثير من المشاهد التي بتنا نُعايشها في كلّ آنٍ.

ولأنّ العقل الباطن لا يُفرّق بين مصدر الخوف والمشاهد المرتبطة به، فقد يعمد إلى استثارة الاستنفار باستمرار، بحيث يغدو الخوف الآنيّ إلى خوف مُزمنٍ يتواصل حتى بعد زوال الخطر الذي سبّبه. ما يعني استمرار تعطيل الأجهزة الضرورية لسير الحياة بصورتها الطبيعيّة، وهو آخر ما نتمنّاه بعد زوال الخطر.

وهذا تحديدًا ما نُحذّر منه، وندعو للتوقّي منه، فزوال خطر الوباء لن يعني زوال الخوف الذي ارتبط بمشاهده في وعي الأفراد، خاصّة من لم يبلغ سنّ الرشد.

ولذلك، فإنّ أولياء الأمور تحديدًا تقع على عاتقهم أهمّية التنبيه المتكرّر، وبشكلٍ حِبّيٍّ وجذابٍ، على مفاهيم ضروريّة تتزامن مع عُزلة أبنائهم المنزليّة.

أوّل تلك المفاهيم هو تعميق الوعي الإيمانيّ لدى الجميع حتّى يُغرس في النفوس أن {لَنْ يُصِيبَنا إلّا مَا كَتَبَ اللهُ لنَا} وأنّ المرض – لو أصاب – اختبارٌ ربّانيُّ يُطهّر به العبد المؤمن من ذنوبه، ويُقوّي به جسده في المستقبل، وهو كلّه يجري بأمر الله تعالى وحده، لأنّ {ما أصَابَكَ لمْ يكنْ لِيُخطِئكَ، وما أخطأكَ لمْ يكُن لِيُصِيبَك}، كما علّمنا الحبيب صلى الله عليه وسلّم.

ثانيها أنّ العافية نعمة واجبٌ شُكرها، ومن ذلك الشكر الحفاظ عليها بتناول الطعام المُغذّي وممارسة الرياضة والتوقّي من أسباب الوباء، والحرص على إشاعة الأفكار والمشاعر المُتّزنة التي تساعد العقل والبدن على أداء وظائفهما الدفاعيّة عن الجسد ممّا قد يعتريه.

كذلك، فمن المهمّ التأكيد على أنّ أمر المؤمن كُلّه خيرٌ {إن أصابته سرّاء شكرَ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاءُ صَبَرَ فكان خيرًا له}، وعلينا أن نتعلّم أنّ هذه الحياة الدنيا دار اختبارٍ فحسب {وَإنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}.

*       *       *

لقد قال الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت عند تدشين عهده الرئاسيّ، والذي تزامن مع الكساد الكبير في القرن الماضي “ثمة شيءٌ واحدٌ علينا أن نخاف منه، ألا وهو الخوف نفسه”.

مقولة حكيمة نحتاجها اليوم بشدّة، لئلا تمرّ الأيام علينا وهو يتسرّب إلى نفوسنا، فتُضطر أجيالنا لاحقًا أن تدفع ثمن هذا الخوف.

اللهم آمن روعاتنا وتولّ أمرنا.

One thought on “ثمنُ الخوف

  1. لا فُض فوك على هذا التناول الأدبي الشيّق، وعلى مخرجاته النيّرة، والتي لا بد من إفادة الآخذ منها.

    دُمت ودام سكبُك الجميل.

شاركنا رأيك • Share Your Views ↓

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.