الفيروس النافع

لم أتمالك نفسي من الضحك عندما اطلعت على قائمة الأطعمة المُتّهمة بإضعاف الجهاز المناعيّ والمساعدة على نقل فيروس كورونا، ويُنصح بتجنّبها.

فما خطر على البال هو أنّ توقّف المواطن الخليجيّ عن تناول تلك الأطعمة قد يعني الموت جوعًا، فهي مكوّنات وجباتهم اليوميّة، والتوقف عنها – بسبب فيروس أو غيره – ليس واردًا بحالٍ!

*       *       *

القائمة – لمن لم يطّلع عليها – تشمل الرّزّ الأبيض، والنشويّات البيضاء (كالخبز الأبيض والمُعجّنات والفطائر والبسكويت) والمشروبات ذات النكهات الصناعية (المشروبات الغازيّة، مشروبات الطاقة، الحليب المُنكّه) والسكّر الأبيض وما خالطه من أطعمة، وكافّة المقليّات (خاصّة ما يُقلي في زيت الذرة أو يُعرّض لدرجة حرارة عالية) إضافة إلى ما تُخالطه المواد الحافظة.

وهذه ليس كلّ القائمة، بل أبرز ما فيها فحسب.

ولو تأمّلنا النظام “الطّعاميّ” (إذ يصعب وصفه بالنظام الغذائيّ) للمواطن القطريّ، لوجدنا امتناعه عن تناول الوارد في القائمة يعني قطع أكثر من ثمانين بالمئة من مُكوّنات وجباته و”خفايفه” اليوميّة، إذ تبدأ بالشاي الكرك (المصحوب بما يُزعم أنّه “حليب مُبخّر” والسكر الأبيض) وتحوي أنواع النشويّات والمخبوزات في فطوره وعشائه، وتمرّ حتمًا على الرزّ الأبيض في غدائه (وأحيانًا عشائه)، ولا يخلو ما يؤدم تلك الوجبات من مقليّاتٍ. ولا يمكن تجاهل المشروبات الغازيّة أو المُحلّاة، علاوة على ما بين الوجبات من سكّريّات الضيافة التي لا تُبارح مواقع التجمّع، بما تحويه من مواد حافظة لضمان استمراريّتها على سفرة “الفالة”.

*       *       *

في مقابل تلك القائمة من المنهيّات، فإنّ ثمّة قائمة أخرى من المندوبات بيّنت المواد الغذائيّة التي تُقوّي جهاز المناعة لمواجهة الفيروس. هذه القائمة شملت الأسماك التي تحوي أوميغا 3 بكثرة (السالمون في مقدّمتها) والخضروات (البروكلي والسبانخ والفلفل الأحمر والبطاطا الحلوة) إضافة إلى الكركم والزنجبيل والثوم وبذور دوّار الشمس وبعض الفواكه (الكيوي والتوت الأزرق والليمون) إضافة إلى اللوز والشاي الأخضر.

ولست أفشي سرًّا بقولي إنّ غالبيّة هذه الأطعمة تعدم طريقها إلى المائدة الخليجيّة، إلّا كغريب لا يجد الترحيب من أهل البيت، إذا استثنينا منها الكركم والثوم وربّما الليمون، إضافة إلى اللوز والحبّ الشمسيّ من باب المزمزة!

ما أزعمه في المقابل أنّ الظرف الحاليّ يمثّل فُرصة نادرة لتغيير عاداتنا “الطعاميّة” السيّئة والتي جلبت معها الأسقام والأمراض في البدن والعقل والنفس، لدى الفرد والمجتمع، على حدٍّ سواء. وفي مثل هذه الظروف التاريخيّة تتمّ عمليّات التحوّل الكُبرى في المجتمعات لتنتقل من حالٍ إلى حالٍ، ولكنّ الوجهة التي نتحوّل إليها ستعتمد على خياراتنا فيها. فهي إمّا أن تقودنا إلى الأمام، وإمّا أن تدفعنا إلى الخلف. وكلاهما متوقّف على طبيعة اختيارنا نحن.

فالعزل الاحترازيّ جعل غالبيّتنا من “القواعد في البيوت”، ويُمكّن نساءنا بالتالي من تدبير وسائل طهي جديدة يُدخلن فيها قائمة المندوبات ويُخرجن منها قائمة المنهيّات، ولو بشكلٍ تدريجيٍّ، على مائدة العائلة التي لم تألف غير الطعام المنقول عن المطبخين الفارسيّ والهنديّ، باستثناء الخضروات التي نعدمها نحن فيما يعجّ بها كلا المطبخين! وباستطاعة ربّات البيوت وكريماتهنّ (فلا حجّةٌ من عمل أو دراسة!) البحث عن طرق جذابة في تقديم الغذاء الصحّيّ، والتي انتشرت على الإنترنت سواء في مواقع معنيّة بالطبخ أو العناية بالصحة أو حتى مواقع التعلّم عن بُعد.

فيُمكنهنّ مثلًا تقطيع البروكلي والسبانخ بكمّيّات معتبرة وخلطها مع الرزّ المطبوخ بالكركم والليمون واللوز وبذور الحبّ الشمسيّ، وتعلوه سمكة سالمون، لتكون تلك وجبة غداء مطوّرة للأسرة، فلا هي تنزع عنهم ما اعتادوا عليه فجأة، إذ الرزّ هو الوجبة الرئيسة ولكن بكمّية أقلّ، ولا هي في المقابل تمكّنهم من تجنّب المأكولات الصحيّة التي لم يعتادوا بسبب ذوقهم “الطعاميّ” السيّء. ويمكن بعدها تناول الشاي الأخضر ممزوجًا بالشاي الأحمر وشيءٍ من الزنجبيل، والاستعاضة عن السكّر الأبيض بالسكر الأسمر، وربّما لاحقًا الانتقال إلى العسل الأبيض الذي {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} كما علّمنا ربّنا سبحانه في كتابه الكريم.

وهذه خطوات تكسر عاداتنا “الطعاميّة” بالتّدريج، وتُطعّمها بأغذية ستأخذ طريقها إلى الاعتياد مع الوقت وحُسن التقديم في المنظر والمذاق.

*       *       *

ومن الضرورة التأكيد أنّ فيروس كورونا ليس فاتكًا كما يُساء الظنّ، ويمكن التصدّي له ببساطة عبر تمكين أجهزتنا المناعيّة الطبيعيّة لتقوم بالمهمة التي أوجدها الخالق سبحانه وتعالى لتأديتها. وعليه، فالتغيير الذي ندعو إليه في نظامنا “الطعاميّ” هو أحد الأسباب المُتّخذة لمقاومة الوباء بعد التوكّل على الله عزّ وجلّ. ذلك أنّ إصابة أحدنا بالفيروس، أو حتى الموت بسببه لا قدّر الله، سيكون جزاءً وفاقاً لتقصيرنا في شُكر العافية التي أنعمها الله علينا، وفرّطنا نحن فيها حفظها، {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ، فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} صدق الله العظيم.

One thought on “الفيروس النافع

شاركنا رأيك • Share Your Views ↓

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.